شرارة الثورة.. يشعلها أطفال درعا

في ظل نظام ديكتاتوريّ ظالم لا يعرف إلا القمع والقهر وتكميم الأفواه، خط تلاميذ في مدينة درعا على جدار مدرستهم عبارة تأثروا بها وهم يتابعون ثورة الشعب التونسي والشعب المصري، ويتنسمون عبرهما أريج الحرية، حينها كتبوا على جدار مدرستهم بكل شجاعة: “الشعب يريد إسقاط النظام”.

كان الأمر عاديا، فتمر العبارة المكتوبة مرور الكرام، أو لا تُلحظ أساساً، كعبارات كثيرة تكتب على جدران المدارس قد تخترق القواعد والقوانين، ورغم ذلك لا ينتبه أحد إليها، أو قد ينتبه ولا يكترث بمسألة طمسها، لكن الأمر بالنسبة للنظام السوري بدا فوق الاحتمال، فما كان منه إلا أن كشف عن وجهه القديم الذي كان طوال الوقت يستره بقناع زائف، فقبض على المتهمين الصغار، اعتقل أطفال المدارس، نكل بهم وعذّبهم، شوّه وجوههم، واقتلع أظافرهم، ليوصل رسالة إلى كل من تسول له نفسه بأن يجاريهم، بأن مصيراً كهذا سوف ينتظرهم، وقد كانت النتيجة عكس ما خطط له النظام…

وانطلقت الثورة.. وقودها “فلذات الأكباد”

بدأت المظاهرات تتوالى تطالب بالحرية المفقودة منذ عقود، وكسر الشباب حاجز الخوف الأول والأخطر، وخرجوا يهتفون بحناجر جائعة لوطن حر، يستطيعون فيه التعبير عن آرائهم، ويكون لهم فيه دور فاعل، ويمكنهم فيه محاربة المفسدين والاقتصاص من كل الذين يعيثون فيه فساداً فلا يجدون لهم رادعاً ولا حسيباً.

الحرية كانت مطلبهم الأول والأخير، مطلبهم الذي اتحدوا عليه، والسلمية كانت شعارهم، سلمية خالصة تشق درب الحرية بثبات، مهما كان العنف ومهما كانت العقبات. غير أن عنف النظام المستبد كان فوق المتوقع أو المعقول، إذ جوبه مطلب الحرية بإجابة واحدة اتفق عليها كل أركان النظام، وكانت الإجابة هي الرصاص الحيّ!

توالى سقوط الشهداء جمعة بعد أخرى، وبات هذا اليوم المبارك فاتحة لتتالي المظاهرات في المدن والقرى السورية، واحدة تلو الأخرى، كما كان كابوساً مزعجاً للقوى الأمنية التي لم تعرف للحوار سبيلاً سوى إطلاق الرصاص وإراقة الدماء الطاهرة البريئة فوق التراب السوري، ليس بيد عدو يتربص بهم، بل بيد جبابرة لم يتحملوا أن ترفع “الله أكبر” فتعلو فوق كل مخلوق.

سقوط الدماء واعتصام الشباب في درعا عند الجامع العمري حرك النخوة في القلوب، فهب الشباب من بقية المحافظات ليتوحدوا معهم، وليهتفوا لهم، وكان الرد هو القمع والإرهاب.

سالت دماء جديدة، وحوصرت درعا، وجوّع أطفالها وحُرم أهلها الماء والغذاء والدواء، ودُنّس الجامع العمري، واعتقل الشباب الحُر، وارتكبت فظاعات في حق الشعب المجاهد الأعزل، ولم يدخر النظام وسيلة لقمع المحتجين ولا درباً إلا سلكه، ولم يتوان عن نشر الأكاذيب والشائعات عبر المحطات التلفزيونية التابعة له، أو عبر أبواقه وطبوله من الإعلاميين المأجورين، أو أعضاء مجلس الشعب من الذين لم يعرفوا سوى لغة النفاق، وهم يظهرون على فضائيات أخرى فيكذّبون بكل تبجح كل ادعاء نحوهم، ويتحدثون عن طالبي الحرية على أنهم متطرفون يريدون إقامة إمارة إسلامية، أو مندسّون يودّون النيل من أمن الدولة، أو عصابات مسلحة هدفها ترويع المواطنين.

أطفال رجال.. ونظام يغتصب البراءة

الأطفال الشجعان الذين كسروا حاجز الخوف الأول في الثورة السورية، هم أيضاً من حاولوا كسر حصار درعا مع أهل النخوة، وكان على رأسهم الطفل حمزة الخطيب ذو الأربعة عشر ربيعا الذي اعتقل وهو يحاول إيصال بعض الحليب والخبز لأهل درعا.

بعد مدة تم تسليم جثمانه لأهله، وبدت على جسمه آثار التعذيب والرصاص الذي تعرض له حيث تلقى رصاصة في ذراعه اليمنى وأخرى في ذراعه اليسرى وثالثة في صدره وكسرت رقبته ومثل بجثته حيث قطع عضوه التناسلي. وقالت المعارضة السورية عن هذه الجريمة بأنها “لم ترتكب أو تسجل حتى في ذروة الممارسات الفاشية التي ارتكبتها أجهزة الأسد الأب، سواء خارج المعتقلات أو داخلها، بما في ذلك سجن تدمر نفسه الذي شهد ارتكابات عصية على الوصف، إلا أنها لم تصل حتى في ذروتها القصوى إلى قطع الأعضاء التناسلية للمعتقلين، سواء وهم أحياء أو بعد تصفيتهم تحت التعذيب!

لم تتوقع أمه أن يعود إليها مشوه الجثة مقطعاً قد عُذب وأطلق عليه الرصاص، لم يدر في خلدها أن صغيرها البريء سينكل به فقط لأنه حاول مساعدة الجياع وإغاثة الأطفال، فكان أن بات الشهيد حمزة في قلوب وعقول السوريين نقطة فارقة في الثورة، فلقبوه بسيد شهداء الثورة، وانتفضوا جميعاً من أجله، من أجل كل الأطفال المقهورين، من أجل المستقبل الذي ينتظرهم، من أجل الكرامة التي لا تكف الأنظمة العبثية عن إراقتها والنيل منها…

كان الجميع يريدون مستقبلاً أفضل خالياً من الوحشية والتعذيب ومن الخوف والفزع…

وتمضي الثورة رغم “أنف النظام”

ومن مظاهرة لأخرى، ومن هتاف لآخر، وبعد ارتكاب مجازر وحشية، واكتشاف مقابر جماعية، لم يكن السكوت أمراً ممكناً أو معقولاً، ولم تكن المواجهة أمراً هيناً، لكنه التحدي والإصرار بكل طريقة ووسيلة، تارة بالاعتصامات في الميادين، أو الإضراب عن العمل، وتارة بالتكبير من المنازل، بقلوب تعلقت بعدالة السماء تهتف بأن الله الأكبر الأعظم لن يخذل طلاب العدالة والحق، ولن يجعل جهودهم تضيع سدى، وتارة بمظاهرات نسائية قامت بها الحرائر في المدن المختلفة، ليؤدين دورهن المنشود في إعلاء كلمة الحق، وليحكين حكاية الشجاعة والإباء رغم التخويف والتنكيل والإرهاب.

المظاهرات تتنامى جمعة بعد أخرى بشكل لم تشهده دولة من قبل، وللشجاعة حكايات لا تتسع لها السطور، تتضامن أيام الأسبوع مع يوم الجمعة، لتخرج مظاهرات يومية تعلن كلمة الحق والحرية، وتطوق الخناق على الظلم الذي تجاوز كل حدود…

الشعب السوري الصامد سينال حريته، إنها فقط مسألة وقت لا أكثر، الشعب السوري صمد وحده، وعانى وحده، في ظل سكوت العالم المطبق وتجاهله لكل ما يحصل له، ورغم كل التخاذل العالمي فهو لن يأبه، لأن اعتماده الكلي على الله تعالى في النصر والخروج من قوقعة النظام الفاشي الظالم، إلى عالم الرحابة والحرية والتغيير للأفضل..

الثورة بدأت بالأطفال وإليهم تعود، ومن أجلهم تنطلق، من أجل مستقبل مضيء يتمناه الثوار لهم، من أجل حياة رغيدة لا مذلة فيها ولا خوف، من أجل حرية بكل معنى الكلمة، لا تأسر فيها الأفكار ولا يلاحق المرء من أجل رأي أو وجهة نظر أو عقيدة أو مبدأ… ستمر الثورة بكل تأكيد، وستحقق النصر الأكيد.. “نصر من الله وفتح قريب وبشّر المؤمنين”.

أرقام دامية.. عدد الشهداء الأطفال (769) حتى تاريخ 11/3/2012