قرأنا في أعالي التاريخ عن بطولات نسائية رسخت في أذهاننا رسوخ صورة الماء في أذهان العطاشى، صبر ومصابرة ودفع للرجل، الزوج والأخ والابن، إلى ميدان الفروسية، ميدان الرجولة الحقة، ميدان الشهادة في سبيل الله، رفضا للذل والقهر وطلبا للعزة بالله وبرسوله وبدينه الحنيف، وما خطر لنا ببال أن نعيش ونرى هذه المثالية في حياتنا كما نراها اليوم مع نساء سوريا.

حاضرة هي في كل الميادين؛ في البيت حيث يعذّب زوجها ويقتل ويذبح ابنها أمام عينها، وتأبى الدوابية الإنسانية إلا أن تكمل صورة ولا أبشع باغتصابها، أو يقتل بعيدا عن عينيها، فيُحمل لها، فتعانقه وتداعبه وهو ميت، تزفه الزفة الثانية، إلى مثواه الأخير، الجنة إن شاء الله. حاضرة وبقوة في الشارع تصرخ بأعلى صوتها مؤازرة إخوانها في وجه الظلم، في وقت اختبأ فيه “أشباه الرجال” بذرائع شتى.

قوية صابرة محتسبة، وقد مرت عليها الأيام والشهور، وهاهي يحول عليها الحول ، فما نقص من عزمها ما تعيشه يوميا من تعذيب ودماء وأشلاء وبكاء أطفال، ولكَم فتت أكباد حرائر وأحرار الأمة الذين حالت بينهم وبين النصرة في الميدان مواقف النظم وحسابات الحكام؛ فلله ذرهن من نساء.

وقرأنا عن وحشية أنظمة عرفها التاريخ البشري فما بلغت بنا الفكرة ما رأينا ونرى على الأنترنت والفضائيات يوميا من هذا النظام الوحشي الهمجي الذي لم يترك لشيء حرمة، لا أرض ولا عرض، وطالت يد بطشه الشيوخ والأطفال والنساء في صورة قل نظيرها حتى في الحروب؛ تضييق وإهانة وتعذيب وذبح واغتصاب، والمُخَبّأ علمه عند الله.

بلغ عدد شهيدات حرائر الشام 652 منذ بداية الثورة في 15 مارس 2011 إلى حدود 11 مارس 2012 1 ، وقد تعددت طرق الاستشهاد نقف على بعضها نظرا لما تمثله من بشاعة يصعب التعبير عنها:

– جوهر، أنثى حديثة الولادة ماتت خنقا بالغاز المسيل للدموع.

– علا ياسر جبلاوي، ذات الثلاث سنوات استشهدت بطلق ناري.

– ليال عدنان طه عسكر، 7 سنوات، استشهدت بصدمة قلبية.

– زينب الحصني، 19 سنة، استشهدت تحت التعذيب، في ثاني أيام شهر رمضان المعظم، وجدت الجثة مقطوعة الرأس واليدين ومحروقة وآثار التعذيب بادية عليها.

– عجوز تبلغ من العمر سبعين (70) سنة، استشهدت بطلق ناري.

– …

رحمهن الله جميعا وجعل مثواهن الفردوس الأعلى.

هؤلاء استشهدن وذهبن إلى جوار الكريم المنان، أما من بقين منهن على قيد “الحياة” فيروين قصصا تقصم الظهر عن عذابهن تحت هذا النظام الطاغي الزائل بإذن الله، تقول إحداهن:

أبلغ ثمانية وعشرين سنة، متزوجة من الشهيد.. وأنا أم لأربعة أطفال، ثلاث بنات وولد، كنا نعيش حياة هادئة في قريتنا… إلى أن جاء يوم الجمعة الثاني والعشرين شباط الماضي عند بداية القصف علينا في الصباح الباكر، أعطينا نصائح عبر مكبر صوت المسجد بالتزام المنازل في الأقبية والمخابئ الأرضية لتجنب قذائف القصف، ومن استطاع الخروج إلى البرية والجبال فليفعل.

هاجمت العصابات زوجي وسمعت ابني يبكي ولم أتمالك نفسي فأبقى حيث كنت اختبئ، تركت بناتي في القبو وخرجت مسرعة، وأنا أتوسل إليهم وأستحلفهم بكل ما هو غال عندهم، قلت لهم أننا مدنيون، ليس لنا أي ذنب، وأننا لا نأوي الثوار وجيش التحرير.

رد علي واحد منهم فقال: “أنتم تواجدكم على الأرض تهمة بحد ذاتها، لقد أخطأ من خلقكم معنا أيها الحثالة”).

وتضيف: كنت أرى زوجي ممددا على الأرض وهم فوق جسده يقفزون وهم يقولون له “أين ربكم”؟

وقالوا لي: “إذا أردت أن نعفو عنك، فلا بد أن نفعل بك ما يحلو لنا نحن الخمسة أمام مرآى ومسمع من زوجك وولدك”، رفضت هذا وقلت لهم أنا أختكم، أنا سورية حرة، أيطيب لكم قلب أن تفعلوا بأختكم هذا؟ ضربني بعدها شخص على رأسي بأخمص الرشاش وسالت دمائي، وهم يرددون أنتم لستم إخواننا، سمعت إطلاق نار من مسدس على جسد زوجي الممدد في الأرض، لتسيل دماءه، وبعدها أخذ أحدهم ابني وأخرج سكينا من سترته ليذبحه، رجوته أن يفعل ما يشاء على أن لا يقتل ابني.

شقوا ثيابي بوحشية، تداول علي خمسة من الجنود النظاميين، وبعد انتهائهم من الفعلة، قالوا إذا جئنا مرة أخرى إلى هنا ووجدناك فسيكون مآلك الذبح).

وتبكي المرأة بهستيريا وتقول: أيها المسلمون أدركونا، ألا تعقلون حالنا؟ هل حقيقة أنكم تجهلون ما يفعله بشار وجنوده بنا؟ نحن أخواتكم، سيحاسبكم الله على خذلانكم لنا، نشكوك إلى الله وحده يا بشار ومن معك، اللهم خذ حقنا منه).

ونِعم بالله، ونحن كذلك نشكو النظام السوري، وكل من خذل سوريا مخيَّرا إلى المنتقم الجبار. ونسأله تعالى أن يكشف غمة المسلمين في سوريا، وأن ينصرهم نصرا مؤزرا، إنه على كل شيء قدير.

ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. الآية 178 سورة آل عمران.


[1] انظر موقع قاعدة بيانات الثورة السورية على الصفحة الإلكترونية:

http://syrianshuhada.com/default.asp?a=la&s=f\