يبدو أن الثورة السورية، وهي تكمل عامها الأول، كان قدرها أن تبتلى بنظام الطاغية بشار الأسد الذي يسابق الزمن من خلال مجازره المستمرة في حق الشعب السوري ليحطم الرقم الذي حققه والده حافظ الأسد من مجازر ضد شعبه إبان حكمه.

وتشهد على ذلك مجزرته ضد أبناء مدينة “حماة”، التي شن النظام السوري ضدها حملة عسكرية دامت 27 يوما سنة 1982 م، ذهب ضحيتها أكثر من 30 ألف شهيد 1 . واليوم يسير ابنه على نفس الخطى، بعدما أخذ الدرس من والده الذي استفاد آنذاك من التعتيم الإعلامي على الأحداث وصمت الأشقاء العرب وتواطئ المجتمع الدولي.

ثلاثون عاما مرت اليوم على مجزرة “حماة” وشلال الدم في سورية لازال ينهمر، حيث يمعن بشار الابن في قتل وتركيع الشعب السوري، الذي ظل يقدم إلى حدود هذه اللحظة قوافل من الشهداء في كل المدن السورية، حيث وصل عدد الشهداء الموثقين إلى 10553 شهيد في 362 يوما لغاية تاريخ 10/3/2012 2 ، أمام صمت دولي مخيف. فهل ينتظر العالم فناء الشعب السوري ليتحرك؟ أم إن لعبة الحسابات وتقاطع المصالح كفيلة بإسكاته عن الحديث؟

إن وضع الشعب السوري اليوم، الذي تلون بلون الدم، يشهد على مدى خسة القوى العالمية 3 ومدى استعدادها للتعامي عن الكل المجازر والجرائم في سبيل الحفاط على مصالحها، أمام نظام لم يعرف في تاريخه سوى الحديد والنار لإسكات وإقصاء كل المعارضين، فقد بلغت الهنجعية بالأسد الأب إلى حد مكافأة مرتكبي مجزرة “حماة” 1982م وترقيتهم في رتبهم، وأمعن في تهميش تلك المنطقة وعزلها عن محيطها الداخلي 4 .

إن الشعب السوري الذي بدأ ثورته يوم 15 مارس 2011 م، كان يعرف مسبقا أنه أمام نظام مستعد لارتكاب نفس تلك المجازر المرتكبة في الثمانينات، وأن بشار الابن ليس سوى نسخة لأبيه الطاغية. لكننا اليوم أمام متغيرات جديدة فرضها الربيع العربي فالثورة السورية يقودها كل الشعب السوري في جميع مدنه وقراه، وليست معزولة في “حماة” وحدها لذلك يحاول النظام السوري يائسا من خلال قواته استهداف وعزل النواة الأولى لثورة السورية مدينة “حمص” خاصة حي “بابا عمرو”، من أجل تخويف المناطق الأخرى في سيناريو مكرر لتجربة “حماة”. لكن النظام السوري الحالي لا يدري أن آهات المعذبين في سجون “تذمر” وثكالى مجازر “حماة” و”القامشلي” وغيرها من فظائع الأسد الأب لم تمحى من الذاكرة وجروحها لم تندمل ودماؤها لم تجف بعد. فالشعب السوري اليوم يتعهد ألن تتكرر مجزرة “حماة”، التي أسكت النظام بها الشعب السوري سنين عددا، وأنه سيستمر على نهج الشعوب العربية المسلمة في ثورتها حتى ينال وسام الحرية كما نالها الشعب التونسي والمصري وغيرهما من بعد، وأنه ليس أقل منهم تضحية وجلدا مادام الحق معه ومادام يستمد أسس استمرار ثورته من قاسم الجبارين ورب المستضعفين، فالله معك يا سوريا رغم كيد الكائدين وتخاذل العالمين.


[1] اللجنة السورية لحقوق الإنسان تقدر عدد الضحايا ما بين 30 و40 ألف شهيد. http://www.shrc.org/data/aspx/d3/53.asp\
[2] الموقع الإلكتروني لشهداء سوريا http://syrianshuhada.com/.\
[3] انظر مقال: الملف السوري والتوازنات الإقليمية والدولية، بقلم علي المغراوي.http://www.aljamaa.net/ar/document/53207.shtml\
[4] مجزرة حماة (1982) .. مسؤولية القانون تستوجب المحاسبة، اللجنة السورية لحقوق الإنسان.\