قامت الثورة السورية في 15 من مارس 2011 في سياق الربيع العربي، بعد ثورات تونس الزيتونة ومصر الأزهر وليبيا عمر المختار. هبت رياح التغيير فأسقطت نظما كانت بالأمس القريب جاثمة على قلوب العباد والبلاد، وحذا الشعب السوري حذو إخوته فقام منتفضا طلبا للحرية والانعتاق من ربقة الحاكم الظالم ومن سنين الجبر والعض وقسوة الفساد وتجبر الاستبداد.

صاح أحرار الشام في وجه الطاغية الله سورية حرية وبس)، فكان الرد رصاص ومدافع ودك للمدن واعتقالات وتعذيب حتى الموت، ما استفاد جزار سوريا من دروس التاريخ ولا من سنن الله في كونه القاضية بغلبة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.

لم يغب عن مخيلة الثورة السورية، أو بالأحرى ثورة الشهداء، المجازر التي اقترفها الرئيس الأب حافظ الأسد مطلع ثمانينيات القرن الماضي في حماة، حين قتل عشرات الآلاف من شعبه ودمر بيوتهم وهتك أعراضهم، وها هو الزمان يعيد نفسه، فقد جاء الأسد الابن ليكمل ما بدأه أباه وترعرع فيه، فلا عجب من نظام قام على أنهار من دماء السوريين الأسلاف أن يكترث بعدها لدماء خلفائهم.

اختار الشعب طريقه اللاحب سالكا درب التظاهر السلمي المشروع، فخرج في العديد من المدن السورية مطالبا بإسقاط النظام وتحرير أرض الشام من النظام البوليسي الذي وضع يده على كل مناحي الحياة في سوريا ولم يرقب في مومن إلا ولا ذمة، وصدق الشاعر حيث قال أسمعت لو ناديت حيا لكن لا حياة لمن تنادي. هتف ابراهيم قاشوش ومعه الشعب السوري حرية، فانتزع النظام للأول حنجرته وأجاب الشعب بصوت الرصاص.

قفز نظام الطاغية بشار الأسد فوق خراطيم المياه والرصاص المطاطي إلى الرصاص الحي، يبدو أنه كان في عجلة من أمره يريد إسكات شعبه بأي شكل من الأشكال وفي زمن قياسي وهو الذي قال سنعطي دروسا للعالم، لم يستسغ الدرس المصري ولا التونسي قبله ولا خاتمة القذافي فجند جنده واستل سيفه بل دباباته وصواريخه وأطلق زمام شبيحته فعاثوا في الأرض فسادا، قتلوا الكبار والصغار وخربوا الديار وقالو إنها حرب على الإرهاب،لم يسلم من بطش النظام شيخ ولا عجوز ولا امرأة ولا طفل، وتحولت سورية إلى بحر من الدماء.

كانت حصيلة الشهداء قياسية من حيث وقتها ومستهجنة في كيفيتها ومستغربة أمام شهود المنتظم الدولي، حيث بلغ عدد شهداء الثورة السورية 10709 شهداء إلى حدود 10 مارس 2012، 94 في المائة ذكور و6 في المائة إناث، توزعوا بين الأطفال والشباب والشيوخ في عدة مدن ومحافظات، كان لمدينة حمص حصة الأسد كيف لا وهي التي حوصرت لعشرات الأيام تحت رحمة مدافع “حماة الديار”، سقط في محافظة حمص 4488 شهيدا وفي درعا 1188 شهيدا أما حماة فقدمت 1113 شهيدا، واللائحة طويلة ومفتوحة، ففي كل يوم يسقط فيه معدل 100 شهيد سوري حسب تقرير للأمم المتحدة.

أبدع النظام البعثي في اعتقال شعبه، داخل البيوت ومن المساجد فالأزقة والشوارع كما تفنن في قتلهم وتعذيبهم، أهونهم حالا من استشهد برصاص الأمن أو الجيش السوريين. سئم الشعب السوري من انتظار الحل الخارجي فهتف الموت ولا المذلة وفوض أمره إلى الله، وأصبح أكثر عزما من ذي قبل على إسقاط نظام الأسد الطاغية، فالشعب الذي أطلق صرخة الحرية بعدما كُتمت 40 عاما عاقد العزم على إزاحة قاتل الأطفال ونظامه.

رغم بطش النظام وتسخيره لكل عدته وعتاده، الذي حاصر به العديد من المدن واقتحم به أخرى وخلف وراءه مجازر يندى لها جبين الإنسانية، ازدادت جذوة النضال السوري وتوسعت دائرة الاحتجاجات حتى دقت أبواب القصر الجمهوري في العاصمة دمشق، ورفع بعيد أمتار منه علم الثوار الأحرار. ليبرهن الشعب السوري أن التقتيل يزيده إصرارا على تحقيق أهدافه وكسب معركة الحرية أو الفوز بحسنى الشهادة، لذلك ما زال أحرار وحرائر الشام، بعد مرور عام كامل على انطلاق ثورتهم المجيدة، يخرجون في جل المدن السورية مطالبين بإسقاط نظام الأسد المستبد ومحاسبته على جرائمه الدموية.