كأنه كتب على دمشق أن يحكمها الطغاة والجبابرة -عدا استثناءات قليلة طبعا- الذين يسفكون الدماء بالشبهة والنزوة… هذه المدينة الجميلة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ والحضارة انطلقت منها أشد المؤامرات التي استهدفت الأمة واستقرارها ووحدتها وقيمها السامية… ويكفي أن نذكر في هذا الصدد، سقوط الخلافة، أم الرزايا التي رزئنا فيها، أقصد الخلافة الحقيقية القائمة على الحكم الراشد بكل ما يعنيه من سيادة للأمة -لا العائلة والعشيرة- وحرية وكرامة وعدالة اجتماعية وفصل للسلط… ولقد سقطت أول ما سقطت وقضي عليها نهائيا، في عهد الدولة الأموية التي درج على تسميتها الكثيرين بالخلافة الأموية نسجا على منوال الفقهاء الرسميين، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى هذا النوع من الحكم بالملك العضوض في الحديث المشهور، حيث يورث الحكم كما يورث المتاع. ومنذ ذلك الانكسار العظيم في تاريخ الأمة وجرح الحكم ينزف إلى اليوم.

فإذا استثنينا الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي يلقب بالخليفة الخامس، وحق له ذلك، فقد كان ورعا زاهدا عادلا، لا تأخذه في الله لومة لائم، فإن البقية الباقية من حكام بني أمية إنما كان حكمهم قائما على الإكراه والجور والسيف المصلت على الرقاب، ناهيك عن مظاهر الترف والبذخ والفجور التي سادت في القصور، حيث أحيوا سنن كسرى وقيصر الدارسة… ويبرز من بينهم يزيد حاملا للواء طغيانهم وفسادهم، لما ارتكبه هذا الغر اللعوب من فظائع وجرائم تشيب من هولها الولدان، وكان “الخليفة” و”أمير المؤمنين” كما يحلو للبعض تسميته، يشرب المسكر ويأتي المنكر، افتتح دولته بمذبحة فظيعة تقشعر لها الأبدان، في حق آل البيت الكرام في كربلاء حيث قتل سيدنا الحسين رضي الله عنه، وعبث برأسه وهو حفيد الرسول صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة، كما قتل الكثير ممن معه من آل البيت وغيرهم وسيق النساء الكريمات مساق الأسيرات إلى الطاغية… واختتم دولته بموقعة الحرة حيث استباح جنوده المدينة ثلاثة أيام وقاموا بارتكاب أفظع الجرائم، فقتلوا الآلاف من السكان ونهبوا الأموال، وأحرقوا البيوت، واعتدوا على الأعراض… فلم يمهله الله إلا قليلا حتى أخذه أخذ عزيز مقتدر.

وما أشبه اليوم بالبارحة فها هو بشار الأسد يوزع الموت بسخاء على مدن سورية المختلفة… لا يميز بين الصغار والكبار ولا بين الرجال والنساء ولا يراعي إلا ولا ذمة… تعذيب وتقتيل واغتصاب. يده الطويلة الباطشة مرتزقة وعصابات لا ضمير لها ولا قلب، تسمى رجال أمن وجيشا – حماة الديار!- وإن هي إلا كائنات متعطشة للدماء، شحنت وشحذت بالأكاذيب والأوهام ممزوجة بطائفية مقيتة ونتنة.

ومع ذلك لا يجد الرجل وأعوانه أدنى حرج، وهم يتحدثون عن الإصلاحات السياسية والمؤامرات… التي تستهدف نظام الممانعة والمقاومة!…

هكذا يستأسد طبيب العيون على شعبه ويذيقه الموت الزؤام بمساعدة ودعم إقليمي ودولي سافر، فروسيا والصين هما دولتان لا يهمهما في نهاية الأمر إلا مصالحهما، وهذا أمر واضح ومفهوم وجار به العمل في عرف السياسة الدولية المفلسة في ظل إنسانية مثقلة بالأمراض والأعطاب… لكن المحير فعلا هو موقف إيران وحزب الله وأغلبية الشيعة الداعم لنظام السفاح المجرم، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بكونهم يدورون مع الطائفية حيثما دارت، لا مع مبدأ المقاومة والممانعة ودعم الشعوب… وغيرها من الشعارات التي أسسوا عليها وجودهم وفلسفتهم وفكرهم. فكل مبرراتهم واهية ولا تستطيع أن تصمد أمام الحقائق على الأرض، فمرة يتحدثون عن مؤامرة صهيونية لضرب ظهر المقاومة الذي كانت سوريا في زعمهم تحميه وهو أمر مستبعد لأن النظام الحالي أفضل للأعداء ما دامت مدخلاته ومخرجاته معلومة، ومقاومته متحكم فيها وتعرف حدودها، في حين لا يعرف بماذا ستجود الثورة… ولماذا لم يقولوا عنها أنها مؤامرة حينما حلت بتونس ومصر؟!… ومرة يتحدثون عن الشباب الذين يفبركون الصور والفيديوهات ويضخمون الأحداث، فلماذا لا يسمح لوسائل الإعلام بالدخول إلى سوريا لنقل الأحداث كما هي؟

لكن أصل البلاء الذي يتجاهلونه هو أن النظام السوري مستبد وفاسد، يحكم بالحديد والنار، ولا يترك أي هامش للحرية، وهو مستعد أن يتحالف مع الشيطان من أجل أن يحكم ويسود، ولا يلقي بالا للطوائف والمذاهب والأيديولوجيات، إلا إذا كانت ستساعده على التحكم والتسلط والسيطرة… ولأنه كذلك، فهو المسؤول ابتداء على كل العواقب الوخيمة التي ستلحق بالبلاد، سواء أكانت تدخلا خارجيا أو حربا أهلية…..

فأين تراث سيدنا الحسين -أول شهيد سقط ضد استبداد الحكم- في نصرة المستضعفين والمظلومين؟ أتراه لو كان حيا كان سيدعم نظام الأسد الدموي؟

لعل من بركات هذا الربيع أن كشف حقيقة وتناقضات عدد من المفكرين والتيارات وحدود وضيق أفق مشاريعهم وفكرهم، وهم ما ظهر بشكل جلي مع الانتفاضة السورية ليس من قبل أعدائها وحسب، بل حتى من قبل الداعمين والمتحمسين لها خاصة أولائك العلماء الذين تجتذبهم المعارك الطائفية والمذهبية كما تجتذب النار الجنادب، فهم لم يكونوا يوما ما ضد الطغاة والحكام الظالمين بل كانوا سندا لهم من حيث يدرون أو لا يدرون، ولم يتحركوا اليوم إلا بعدما تلقوا منهم الإشارة تصريحا أو تلميحا، فمبدأ مقاومة الظلم غير متأصل فيهم.

لذلك ينبغي للشعب السوري أن يعول بعد الله على نفسه، وعلى نفسه فقط، ولقد أوشكت قضيته أن تصير لعبة الأمم، فالقوى الغربية المنهكة بالأزمة الاقتصادية غير متحمسة لحل عاجل وسريع مادامت الأحداث لا تجري أطوارها على أراضيها ولا تستهدف مصالحها الحيوية، الأنظمة العشائرية الخليجية الداعمة تفتقد للإمكانيات اللازمة لردع النظام السوري، و لا تملك غير الأموال الطائلة، وبعض الصراخ والعويل هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهي ينبوع الفساد والاستبداد… فلا يرجى منها خير وتدخلها في سوريا إنما هو تصفية حسابات وصراع حول النفوذ لا أقل ولا أكثر.