من سنن الله سبحانه وتعالى على طريق الدعوة الابتلاء والتمحيص، والحكمة في ذلك تمييزالصادقين من الكاذبين، ولتتباين الدرجات عند الله سبحانه وتعالى في الجنة التي أعدها الله لعباده الصادقين. فمن صبر واحتسب لله سبحانه وتعالى فقد فاز فوزا عظيما، ومن شعف وتخاذل وركن إلى الدنيا فاته خير كثير.

ومن هنا نجد أن القرآن الكريم يؤكد على هذه الحقيقة في سورة آل عمران: لتبلون في أموالكم وفي أنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور. الآية 186. كما أن الحق سبحانه وتعالى يعلمنا في آيات كثيرة أن الابتلاء من سننه في عباده المومنين ليميز الخبيث من الطيب وليطهر الصف المومن من المنافقين ومن ضعاف النفوس حيث يقول: ما كان الله ليذر المومنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، فآمنوا بالله ورسله وإن تومنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم. سورة آل عمران الآية 179.

فالإيمان ليس كلمة تُقال أو شعارا يرفع بل هو حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر واحتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا، بل لابد من برهان ودليل. فالفتنة في الإيمان سنة جارية كما يقول الله عز وجل في مطلع سورة العنكبوت: الم، أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم. فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين.

وحاشا لله أن يعذب المومنين بالابتلاء أو أن يؤذيهم بالفتنة ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة. فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام والمحن وإلا بالثقة في نصر الله وفي ثوابه على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء. فـالنفس -كما يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله- تصهرها الشدائد كما تفعل هده الشدائد بالجماعات البشرية فلا يبقى صامدا إلا أصلبها عودا وأقواها طبيعة وأشدها اتصالا بالله، وهؤلاء هم الذين يستحقون تسلم الراية في النهاية مؤتمنين عليها بعد الامتحان والاختبار). أما الذين يفتنون المومنين والمومنات فقد بشرهم الحق سبحانه وتعالى بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة مهما انتفخ باطلهم وانتفش وبدا عليه الانتصار. يقول الله عز وجل في سورة البروج: إن الذين فتنوا المومنين والمومنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق.

والابتلاء يتفاوت بين المبتلين حيث يأتي في مقدمتهم الأنبياء. فقد أخرج الترمذي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: “الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على قدر دينه. فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه. فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة”. فسنة الابتلاء إذن هي سنة إلهية ليس فقط في عباده المومنين بل حتى في أنبيائه ورسله، وهي سنة ماضية من آدم عليه السلام إلى يوم القيامة. وقصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم تؤكد بشكل جلي هذه الحقيقة. فسيدنا نوح عليه السلام دعا قومه قرابة ألف عام ليلا ونهارا، سرا وجهارا، فكفروا واستكبروا وسخروا منه وأصروا إصرارا فأنجاه الله بالفلك من القوم الظالمين، فكان الطوفان جزاء وبيلا لأهل الطغيان. وسيدنا إبراهيم محطم الأصنام أراد به قومه كيدا فجعل الله نارهم بردا وسلاما عليه. وسيدنا يوسف السجين ابتلي بامرأة العزيز. وسيدنا موسى وهارون عانيا من بني إسرائيل من أنواع الخذلان ومن فرعون وهامان من ضروب الظلم والطغيان الكثير.

وعلى رأس جميع الأنبياء والمرسلين الذين ذكرهم القرآن نجد سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم حيث أوذي بدوره وتعرض لحصار شديد في شعب مكة من طرف قريش الذين وصل بهم الحقد إلى فرض مقاطعة اجتماعية عليه لمدة سنتين كما أطلقوا علية الأقاويل والأكاذيب كوصفه بالمجنون والساحر والشاعر وذلك في محاولة يائسة لوأد الدعوة الفتية قبل أن تترعرع وتشب في الجزيرة العربية. فهل كانت دعوته صلى الله عليه وسلم تتسم بالشدة لكي يلقى كل هذا الأذى؟ كلا! فقد كان بشيرا ونذيرا وكان رحيما بقومه، فهو الذي كان يقول كلما رجموه بالحجارة حتى تسيل قدماه دما: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”. الأمر يتعلق بابتلاء وامتحان لتقوية عزيمته، فما زاد كل هذا دعوته إلا انتشارا وتوسعا حتى عمت الجزيرة العربية وخارجها. وهذا التفاوت في تحمل الأذى نجده كذلك في قصص الصحابة رضوان الله عليهم. فسيدنا بلال رضي الله عنه الذي عذب في بطحاء مكة قاوم ذلك بصبر قل نظيره، حيث لم ينطق بأية كلمة تؤذي رسول الله بل كان يردد: لا إله إلا الله. أحد أحد). وفي المقابل لم يتحمل سيدنا عمار رضي الله عنه الأذى والتعذيب من مشركي مكة فنطق بما أمر به من طرف معذبيه ليكفوا عنه. ولما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كيف تجد قلبك يا عمار”؟ فيقول: أجده مطمئنا بالإيمان). فيقول له المصطفى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: “فإن عادوا فعد”. وعلى إثر هذا الحدث نزل قوله تعالى: من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان سورة النحل الآية 106.

هكذا إذا يتوجه إلى المومنين الذين كانوا يعانون في واقعهم مشقة التدافع بينهم وبين الأعداء وما كان يجره هذا التدافع من مشاق ومتاعب، يتوجه إليهم بأن هذه هي سنة الله في تمحيص المومنين وإعدادهم لتحمل هذه الأمانة الثقيلة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، حتى إذا صبروا وثبتوا على هذه الأمانة وتبعاتها وتكاليفها جاءهم نصر الله والفتح واستحقوا الجنة والرضوان لأن أرواحهم تحررت من الخوف والذل وتحررت من التثاقل إلى الأرض وأخضعت عقولهم لسيادة الوحي بعدما كانت خاضعة لسيطرة الهوى.

إنها حكمة إلهية أن يلقى دعاة الحق الصادقون كل هذا الأذى في بداية الطريق. هذا هو الطريق كما يصفه الله عزوجل للجماعة المومنة الأولى وللجماعة المومنة عبر الأزمنة والأمكنة. إنها عبرة ودرس لكل الأجيال خاصة إخوان المصطفى صلى الله عليه وسلم الذين ود لو رآهم. فهلا اعتبرنا واستوعبنا الدرس جيدا؟ وهلا ربطنا بين محنة اليوم ومحنة الأمس؟ أم عميت بصيرتنا وبصرنا وصمت آذاننا فأصبحنا ننظر إلى الأحداث بمنظار مادي أرضي تاركين تحليلنا وتفكيرنا تائهين بين ثقل الفتنة الداخلية وثقل الجاهلية الخارجية بعيدا عن التفكير المنهاجي الواضح؟

المتأمل محنة المستضعفين اليوم لابد أن يستحضر في ذهنه محنة آبائنا وأجدادنا الصحابة من الآل والصحب رضوان الله عليهم أجمعين وهم يشقون الطريق لتغيير النفوس والمجتمع من ظلام الجاهلية إلى نور الإيمان رغم أنه لاقياس بين هذه المحنة وتلك. كيف والحق سبحانه وتعالى يصف محنتهم بالزلزال كما جاء في سورة البقرة الآية 214 أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب، وعلى هذا الأساس لا نستغرب إذا اشتد الأذى على المومنين والمومنات في هذه الأيام؛ فالتاريخ يعيد نفسه في زمن القرن الواحد والعشرين زمن الفتنة والقهر زمن التسلط المادي والفراغ الروحي.

إن الأمة الإسلامية مقبلة على مرحلة حاسمة في تاريخها استعدادا للامتحان. ولابد من تربية إيمانية إحسانية مبنية على ذكر الله والحضور مع الله والعيش مع الله وعدم الغفلة عن الله حتى يتقوى الإيمان في النفوس وتهون المصائب الدنيوية. فالأمة الإسلامية تمر بمخاض عسير يزداد يوما بعد يوم بشكل يبشر بقرب الوعد الإلهي والموعود النبوي.