تمر الأيام تلو الأخرى، والشعب السوري الشهم يؤدي ضريبة التحرر والانعتاق بتقديم الآلاف الشهداء والجرحى، فالآلة البطشية الجبارة لنظام البعث تجلب بدباباتها وقنابلها على شعب أعزل إلا من إرادته في نشدان الحرية والكرامة، قتل وتدمير وارتكاب واضح للجرائم ضد الإنسانية بمعايير القانون الدولي، أمام ضعف واضح للدول العربية وفي مقدمتها الجامعة العربية؛ تلك المنظمة الإقليمية العقيمة، علاوة على تأرجح المواقف الدولية لأهم الفاعلين في المجتمع الدولي وبخاصة الدول التي لها تأثير في صناعة القرار الدولي كروسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، في مقابل ذلك اختلفت مواقف المنظمات الأهلية المدنية في الوطن العربي بمختلف مشاربها، فبين مناصر للشعب السوري ومتضامن مع محنته، وصامت مخرس بشكل مقصود يترصد الزمن مخافة فقدان مصالح معينة تربطه قوميا بالنظام السوري، وطرف ثالث داعم بشكل صريح للنظام السوري كما هو شأن الحركات الشيعية دولا وهيئات، اختلفت وجهات النظر والمواقف من الملف السوري، ليظل الشعب السوري رازحا تحت نير الطغيان البعثي والجبروت الأسدي، الذي يحصد يوميا مزيدا من أرواح الأطفال والنساء والشباب والشيوخ. والله غالب على أمره.

الجامعة العربية والقضية السورية

لم تقدم الجامعة العربية أي إضافة في تسوية الملف السوري رغم ما يمكن قوله عن تحركات متعلقة بلجنة المراقبين العرب والخطة العربية الأولى التي تهدف إلى تدشين حوار وطني بين المعارضة السورية ونظام بشار، فبعد مسار طويل وفر بحسب المعارضة السورية غطاء لمزيد من القتل وسفك الدماء من طرف عصابات بشار الأسد جاء البروتوكول العربي الذي لم يغير شيئا على الأرض، فالجامعة العربية ولدت ميتة ولم يسبق في تاريخها الطويل أن أثرت في الملفات الإقليمية، ورغم الزعامة القطرية غير البريئة والدفع نحو تدويل المسألة فإن جل المقاربات ظلت رهينة الحسابات السياسية والاستراتيجية للدول الكبرى، مما يدلل على أن الجامعة العربية كغيرها من المنظمات الإقليمية مجرد أداة تنفيذية في يد القوى العظمى المتحكمة في رسم الخريطة الدولية، ومما يؤشر على ذلك تحالف السعودية وقطر لحماية الاستبداد ودعمهما عبر مجلس التعاون الخليجي لقمع الثورة في البحرين عبر درع الجزيرة العسكري، الذي تدخل بشكل سافر في البحرين ضدا على الأهداف والمقاصد التي أنشئ من أجلها، وهما البلدان ذاتهما اللذان يدفعان بالملف السوري نحو التدويل، فيا للمفارقة؟ علاوة على كون هذه النظم السياسية تتسم بالشمولية والاستبداد والانفرادية في الحكم، فكيف لغير الديمقراطي أن يطالب بالديمقراطية في البلدان المجاورة، وعلى كل حال فالأحداث المتسارعة في الوطن العربي والإسلامي تعري حقيقة هذه الأنظمة وحساباتها وأجندتها وطبيعتها.

مجلس الأمن والملف السوري

أكيد أن للكبار حساباتهم السياسية في الملف السوري، فروسيا لها مصالحها الحيوية في النطاق الإقليمي لسوريا المحسوبة تاريخيا على المعسكر الشرقي، والأمريكان لهم اعتباراتهم الجيوسياسية في المنطقة، فالوضع الجغرافي والإقليمي لسوريا باعتبارها محتضنة لرموز المقاومة الفلسطينية، وقاعدة استراتيجة للحزام الشيعي الإيراني وحزب الله، ودولة محادية جغرافيا للكيان الصهيوني المحتل للأراضي الفلسطينية، كل هذه المعطيات مأخوذة بعين الاعتبار لدى صناع القرار.

فالولايات المتحدة الأمريكية تدرك جيدا أن أي تدخل في سوريا مكلف سياسيا وعسكريا وأمنيا واستراتيجيا، وقد يؤدي إلى إشعال المنطقة بكاملها دونما تكهن بالنتائج المترتبة عن ذلك وبالأخص التأثير المباشر على الكيان الصهيوني، فميزان القوى الإقليمي غير متحكم فيه لاسيما وأن سوريا حليفة إيران وحزب الله ومسنودة من روسيا بحق الفيتو في مجلس الأمن، فلقد أعلن غينادي غاتيلوف نائب وزير الخارجية الروسي أن المشروع الأمريكي الجديد لقرار مجلس الأمن الدولي حول سورية لا يختلف كثيرا عن المشروع الذي رفضته روسيا والصين سابقا.

وذكر الدبلوماسي الروسي يوم الاثنين 5 مارس 2012 في صفحته على موقع “تويتر” للتواصل الاجتماعي أن المشروع الأمريكي الجديد لقرار مجلس الأمن الدولي حول سورية هو نسخة معدلة قليلا للمشروع الذي تم رفضه من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) ويجب جعله أكثر توازنا).

فالتدخل في سوريا خاضع لحسابات أمنية واستراتيجية وليس للاعتبارات الإنسانية المنبئة بمقتل آلاف المدنيين، ولنأخذ على سبيل المثال نماذج أخرى تؤكد تشكل براديغم مرجعي يدلل على أن الحسابات السياسية والأمنية هي الحاسمة وليست الاعتبارات المتعلقة بحماية المدنيين والتدخل من أجل الإنسانية، فأمريكا تدخلت في أفغانستان سنة 2001 دونما اعتبار لمجلس الأمن وقراراته مرتكزة إلى القرار 1368 الذي لا يسوغ أي تدخل في أفغانستنان، وأمريكا نفسها تدخلت في العراق موظفة القرار رقم 1441 وهو لا يرخص لأي تدخل في العراق، وأمريكا هي التي فرضت قرارات من داخل مجلس الأمن لشن العدوان في حرب الخليج على العراق سنة 1991 تحت مظلة الشرعية الدولية (القرار 688)، واللائحة طويلة. لقد سبق للرئيس الأمريكي بيل كلينتون أن قال في معرض إجابته عن الوضع اللإنساني في البوسنة مطلع التسعينات ليس لدينا كلب سباق فيما يجري هناك)!!

إن الحسابات السياسية والاقتصادية هي العامل المحرك للمتحكمين في رسم المعادلات الدولية، ولنا الاعتبار بالطريقة السريعة للتدخل في ليبيا، ففي سياق الربيع العربي أصدر مجلس الأمن في 2011 قرارا أمميا يحمل رقم 1973 من أجل التدخل لحماية المدنيين في ليبيا، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في مادته 39 التي تخول لمجلس الأمن تكييف الأعمال، والمادة 42 التي تخوله اتخاذ تدابير عسكرية لحماية الأمن والسلم الدوليين، فتدخل عبر الناتو في ليبيا والقصة معروفة بنهاية القذافي. والحاصل أن السرعة في اتخاذ قرار أممي بخصوص ليبيا وتغييب الجامعة العربية وشن الهجمات الجوية على كتائب القذافي، كل هذه الحقائق تؤكد ما قلناه سابقا بخصوص الاعتبارات السياسية والأمنية، والنتيجة على الأرض صناعة شروط جديدة لحماية المصالح الاقتصادية، وقد عبر عن ذلك بشكل واضح الرئيس الفرنس ساركوزي على أرض طرابلس قائلا تدخُّلنا في ليبيا استثمار للمستقبل).

إن الضمير الحي لكل حر يجعله يدين أي تدخل عسكري وأمني في الشؤون الداخلية للدول، فمن حق الشعوب تقرير مصيرها ولها الحق في بناء النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي ترغب فيه، أو ليس ذلك ما تؤكده المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة والقرار رقم 2625 المتعلق بإعلان مبادئ التعاون الدولي.

إن الشعب السوري العظيم قادر على قلب المعادلة داخليا، وملك الملوك سبحانه وتعالى مدبر الكون له حكمة في الشهداء والجرحى والدماء، والمسؤولية الدينية الشرعية والتاريخية والسياسية تحتم علينا كشعوب مناصرة المستضعفين

المنظمات الأهلية في الوطن العربي والموقف من القضية السورية

لسنا بصدد بحث أكاديمي في القانون الدولي والعلاقات الدولية، ولكن رصد المواقف وحشد الهمم وتحميل المسؤولية من واجبات المسلم حي القلب والضمير المتهمم بأمر المسلمين.

لقد اختلفت مواقف المنظمات الأهلية في الوطن العربي بين اتجاهات ثلاث بخصوص القضية السورية:

اتجاه أول: أعماه الولاء القومي البعثي الشيعي، وانتصر كلية لمنهجية النظام في سحق الشعب السوري التواق للحرية والكرامة، مصدقا لما بين يدي بشار وماهر الأسدين من ذرائع مواجهة المؤامرة الخارجية لقلب النظام ومحاربة التدخل الأجنبي الهادف إلى إسقاط مركز قلاع المقاومة والممانعة، وفي هذا الاتجاه سارت إيران وحزب الله والتكتلات الشيعية أو المتشيعة في العالم.

اتجاه ثاني: صدم من هول الواقع، وتربطه مع النظام السوري وشائج تاريخية وقومية عميقة، ويتعلق الأمر بالحركة القومية العربية ورموزها في مختلف البلدان العربية، فبين سعيهم إلى إعادة الاستقرار لسوريا عبر مخاض من المحاولات لتقريب الشقة بين المعارضة والنظام وثقل الجرائم المرتكبة في حق الشعب السوري ضاعت أمانيهم وخابت مساعيهم، فارتهنوا إلى تلك الاعتبارات السيكولوجية والايديولوجية، وامتطوا الانتحار السياسي في ملف مصيري في تاريخ الشعوب وتاريخ الأمة الإسلامية، حتى أن هؤلاء لم يصدروا بيانا يدين جرائم نظام بشار، بل نصبوا مشجب العمالة والمؤامرة الأمريكية ليعلقوا عليه كل الخذلان والاصطفاف إلى جانب الظلم والبغي البعثي.

اتجاه ثالث: يمثل السواد الأعظم من الأمة، يعلن بوضوح دعمه المطلق للشعب السوري في تقرير مصيره، ويدين بشدة جرائم الأسد، ويسطر ميدانيا حركة مساندة للشعب الأبي بكل ما تتيحه الإمكانيات والفرص، ولا يتردد في إعلانه رفض أي مؤامرة ضد سورية.

بين مواقف الدول الكبرى والجامعة العربية والمنظمات الأهلية المدنية في الوطن العربي يظل الشعب السوري البطل يواجه آلة التقتيل النظامية بشجاعة وتضحية قل نظيرها، ويسطر مشاهد بطولية استشهادية راسمة لمستقبل جديد.