قال الله عز وجل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) سورة التحريم.

يضرب الله سبحانه وتعالى لنا الأمثال ليعلمنا ويربينا. يعلمنا أن الدنيا دار بذل وابتلاء نجتهد فيها فيما أمر فنفوز في الآخرة ونحبر، أو نغفل عنه فيها ونتكبر فتكون الآخرة سوآى أو أمر. ويربينا بذكر من سبقت لهم منه العناية وصدقوا واختصهم برحمته فطلبوه؛ كيف عاشوا في دنيا اللعب واللهو؟ كيف اقتحموا العقبات؟ كيف جاهدوا طواغيت الظلم والجبر؟ كيف استناروا فأناروا فكانوا منه مقربين وللخلق هادين؟ قصص القرآن وأمثالها لا تزال تقصص وتضرب لعلنا نعقل أننا إن نرم ما وعد الله تعالى فأمامنا جهاد كجهاد من سبقونا بالإيمان وطلب كطلبهم. والعاقبة للمتقين.

أم القضايا هي مصير الفرد إلى ربه. ما فرق الله عز وجل فيها بين الرجل والمرأة، بين العربي والعجمي… الحمد لله رب العالمين.

نبسط في الأسطر التالية جوانب من قضية المرأة، كيف عاشت على عهد النبوة والخلافة؟ كيف انحطت بها الدنيا ولم؟ أي محنة هي محنتها؟ ما موقعها في جسم الأمة وفي ساحة البناء؟…

النموذج الخالد.. نساء كاملات

لو أن الحياة دنيا بلا آخرة، موت بلا بعث، عمل بلا حساب، لكان من الغباء الحديث عن معاني الكمال ومتطلبات الجهاد، ولكان النموذج الحق مترفة حرصت في كل لحظة على إرضاء شهوتها وإشباع دوابيتها، ولكانت الحياة الحقة لعب ولهو وزينة مغبون غاية الغبن من لم يحزها ويعشها ما دام الدهر. أما وبعد الموت بعث وبعد البعث جنة أو نار، أما وللخلق رب أمر ونهى، خلق ونادى، فإن الحياة الدوابية الدهرية لا تعدو أن تكون نموذجا لشقاء الإنسان بدوابيته، لانحطاط الحضارة بماديتها، لابتعاد الكل عن منبع الوحي، كل الوحي.

النموذج والمثال الذي أراده الله لك أيتها المؤمنة، وللذين آمنوا، هو آسية امرأة فرعون، ربت موسى في حجرها وآوته في كنفها حتى اشتد عوده وتعلمت منه الهداية والإيمان، ما منعها أن كانت في بيت متأله جبار أن تحفظ رسالة الإله وكلمته، ما غرها أن حازت الدنيا بأم حذافيرها أن تؤمن بموسى، عليه السلام، وتنصره. صدقت وآمنت ونصرت وحافظت.

ومريم ابنة عمران، هذه الصالحة القانتة صاحبة الكرامات وهبة الله لوالديها الصالحين، ناداها الله كما ينادي الأنبياء ونفخ فيها من روحه، وهي الحصينة المحصنة لفرجها المحافظة على صلاح سلالتها، كما نفخ في آدم، وكلمها جبريل كما يكلم المرسلين. صاحبة المحراب المصدقة بكلمات ربها.

مثل هؤلاء الكاملات تطمح المؤمنات أن تكن وإليهن تشرئب الأعناق.

نذهب إلى عصر كمُل فيه من الرجال كثير ومن النساء، لنرسم معالم للمرأة الحقة ومكانتها. من زمن النبوة نستقي العبرة وفي زمن النبوة نجد النموذج، النموذج الخالد.

أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم امرأة هي أمنا خديجة رضي الله عنها، آمنت به حين كفر الناس وصدقته حين كذبوا وواسته حين خذلوا، فاستحقت أن تكون سيدة نساء العالمين. روى الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: “أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه إدام، أو طعام أو شراب. فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني. وبشِّرْها ببيت في الجنة من قصب، لا صخَبَ فيه ولا نصب””.

هل كان المجتمع الصحابي مجتمعا “ذكوريا”، المرأة فيه مكدودة مخروسة، لا تخرج من بيت أبيها إلا إلى بيت زوجها أو من بيت زوجها إلى القبر؟ هل كانت الصحابيات منعزلات عن نور الوحي وخطابه؟ أم أنهن سمعن نداء يأيها الذين آمنوا واستجبن؟

الجواب تجدينه ونجده عند سيدتنا أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وعند باقي الصحابيات الطاهرات المجاهدات.

“روى الشيخان في الصحيحين أنّ عمر رضي الله عنه دخل على أمنا حفصةَ وأسماءُ عندها، فقال عمر ‏حين رأى أسماء: من هذه؟ فقالت: أسماء بنت عميس. فقال عمر: الحبشية هذه البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم.‏ فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقّ برسول الله منكم، فغضبت وقالت: كلا ‏(‎يا ‏عمر)‎‏، كلا والله، كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكَم، وكنا في دار أو في ‏أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله عز ّوجلّ وفي رسوله، وايمُ الله لا أطعم ‏طعاماً ولا أشرب شراباً حتّى أذكر ما قلت لرسول الله ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ‏ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه.‏ فلما جاء النبي، قالت: يا نبي الله إنّ عمر قال كذا وكذا.‏ فقال رسول الله: فما قلتِ له؟ قالت: قلت له كذا وكذا.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل ‏السفينة هجرتان.‏ قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألوني عن هذا ‏الحديث، ما من الدنيا شيءٌ هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

آمنت الصحابيات كما آمن الصحابة وأوذين وهاجرن إلى الله ورسوله وتعلمن العلم وعلمنه. شاركن في الجهاد والبناء منذ أول لبنة. عن أنس رضي الله عنه قال: “لما كان يومُ أحُد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأمَّ سُلَيم وإنهما لمشَمرتان أرى خَدَمَ سوقهما (خلاخلهما) تنقُزان القِرَب -وقال غيره: تنقلان القرب- على متونهما، ثم تُفْرِغانِهِ في أفواه القوم. ثم ترجعان تملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم” رواه البخاري.

عندما انكسر الباب

وقفنا مع نماذج من خير نساء طلعت عليهن الشمس، وننظر إلى واقع المرأة اليوم فنجدها أُمًّا بائسة أو فتاة لاهية أو زوجا مكدودة… إن الحديث عن قضية المرأة بمعزل عن قضية أمتها، بمعزل عما سن الله في كونه من سببية سياسية اجتماعية اقتصادية وما بشر به في كتابه العزيز من بشائر وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم من صوى ودلائل، لهو تخبط في ظلام وعمى.

“عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضاً: الحكم، وآخرهن الصلاة”. أخرجه الإمام أحمد”.

انتقضت عرى الإسلام وانتقض الحكم، وانقلبت الخلافة العادلة إلى حكم الرقاب بالسيف، فانخرست الأصوات وانقلبت الأحوال، من النبوة والخلافة حيث الشورى تشارك فيها النساء كما يشارك الرجال، حيث العدل سمة الحكم، حيث التسابق لنيل رضى الرحمن ديدن المجتمع. نزلت الأقدار بالمسلمين إلى حكم أغيلمة قريش كما سماهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. حكم الأمة لقرون، ولا زال، من استبد بالسيف وكان أمره الأمر ونهيه النهي لا أمر القرآن ونهيه.

ما ابتعدنا عن قضية المرأة وإنما نريد أن نقول أن بعد النبوة والخلافة تجد ذكر النساء في فقه النوازل المتشدد أو في قصص الملوك والجواري.

عاشت المرأة لقرون حبيسة فقه متشدد جامد بما جمده نظام الحكم المستبد، إلى أن جاء الاستعمار وأعطى النموذج الغربي للمرأة المتحررة، متحررة من كل شيء حتى من دينها، متحررة من كل شيء إلا من دوابتيها. انهزمنا على كل المستويات بما انهزم الحكام على رقابنا وبما هزمونا، جعل للنموذج الغربي إغراء وأثرا في نفوسنا الضعيفة وواقعنا “المتخلف”، فانتحلت بناتنا نحلة الغربيات وقلدنهن في كل شيء. إن كانت المرأة في الجاهلية توأد تحت الرمال، فهي اليوم بين بائسة مقهورة توأد تحت الظلم والجهل ودمية فارغة توأد تحت ثقل النموذج المغري المنحل.

لنحيينه حياة طيبة

قال الله عز وجل: من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مومن فلَنُحْيِيَنَّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرَهم بأحسن الذي كانوا يعملون سورة النحل، الآية 97.

بشارتكِ أيتها المرأة، بشارتكَ أيها الرجل، بشارتكَ وبشارتي خروج من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة وسعادتهما. اختيار الآخرة على الدنيا يعني عملا صالحا نجد ثمرته المباركة في الآخرة، يعني نصرة وجهادا وهجرة مع المهاجرين إلى الله ورسوله، كما نصرت أمنا خديجة وكما هاجرت سيدتنا أسماء وكما جاهدت أمنا عائشة… خيار.

قال الله جل شأنه: يأيها النبيء قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالَيْن أمتّعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تُردنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما سورة الأحزاب، الآيتان 28-29. فماذا تختارين؟

لم يعن اختيار الآخرة لدى أمهات المؤمنين والصحابيات استقالة من حياتهن اليومية أو انعزالا عن اقتحام عقبات بناء الأمة، بل كان لب الاختيار عند كل واحدة منهن استقالة من شح النفس وأنانيتها لتبذل جهدها ونفسها ومالها في سبيل الله وسعيا إلى جانب الرجل لإقامة دين الله في الأرض ولتبليغ رسالة الإسلام للعالمين. كذلك اليوم بناء دين الأمة ودولتها مرتبط بأي حياة تختار المرأة.