خطوات على درب التحرير

إذا كانت مسألة تحديد المنطلقات جوهرية ومركزية في أي حوار وخاصة مع الآخر المختلف ثقافيا وفكريا وحضاريا، فهي في حوارنا مع ذواتنا أهم وأوكد، حيث ينبغي أن نتحلى بالصبر وأن نمتلك نفسا طويلا حين نقوم بقراءة تراثنا الحضاري، نفسا يمنعنا من الجنوح إلى رفض كل ما يمت إلى تاريخنا بصلة، وفي نفس الآن لا يدفعنا إلى اعتناق كل ماض وتقديسه واتخاذه وثنا يعبد من دون الله، لأن قضية تحديد موقفنا من تاريخنا وميراثنا وفحصه بعين بصيرة ناقدة من أولى أولويات الحركة الإسلامية، وهي حتما من المهام الشاقة والحساسة في الوقت ذاته. وتأتي حساسية وصعوبة الطرح من كيفية المزج بين روح الإجلال والتعظيم لميراثنا، علم العلماء ورثة الأنبياء، وعدم التقوقع والجمود داخله، أي كيف لا نصبح مقلدين بلداء بدعوى القداسة والإجلال. لاشك أن سادتنا العلماء ممن سبقونا بإحسان تركوا لنا كنوزا ثمينة في علوم شتى وقدموا إجابات جلى على أسئلة عديدة، لكن هل ترى تمنعنا إجاباتهم أو اجتهادهم من أن نطرح مزيدا من الأسئلة على تلك الإجابات نفسها بسبب تغير الزمان والمكان والأحوال والعلل؟ أم ترانا نضفي عليها إهاب القداسة كأنها وحي من الوحي… فكل دعوة إلى تحرير العقل المسلم من أرطان الحضارة المادية وما خلفه الاستعمار فينا وما بثه ويبثه سدنة الفكر اللائيكي لا تسبقها دعوة مماثلة إلى تحريره من قرون الانحطاط والتحجر والتيبس تظل دعوة قاصرة، تجانب الواقع والصواب، وخطوة إلى الوراء.

إذ إن الفكر الإسلامي ملزم بإعادة قراءة كل أوراق الماضي وملفاته، وما أكثرها، قراءة رزينة، والأهم من كل هذا بأدوات من صنعنا وبعقول شكلت في مدرسة الإسلام نفسه لم تغذ بلبان شرقي أو غربي يختفي وراء أزيائنا ويتحدث لغتنا. إن مشارط التشريح ومباضعه والطبيب يجب أن يكونوا محليين لا مستوردين حتى نضمن سلامة العملية ونجاحها، نعم نحتاج إلى مشارط لتشريح جثة محنطة عمرها أربعة عشر قرنا قرَّحها الظلم السياسي والاستبداد بكل أنواعه وقيَّحها تواطؤ علماء وفقهاء السلطة وسكوت الشياطين الخرس وما يزال يملأها صديدا كيد المنافقين، تشريحا يضمن للأجزاء الحية حياتها ويرمي بالأعضاء التي أكلها السرطان إلى مزبلة التاريخ.

سمى رسول صلى الله عليه وسلم “ملكا عاضا أو عضوضا” زمانا يتحول فيه الحكم من حكم يساوى فيه بين الأفراد والجماعات في الحقوق والواجبات وتصان فيه الحريات السياسية والاجتماعية وحتى الدينية وتضمن فيها الدولة للفرد أمنا دينيا وروحيا، واكتفاء في الغذاء والملبس والمسكن وحقه الأسمى في عبادة ربه إلى حكم تكمم فيه الأفواه وتقطف فيه الرؤوس ويزج فيه العلماء في السجون وتسفك فيه أزكى الدماء باسم الإسلام وتخبو فيه أصوات الحق والتغيير ولا دين إلا ما يدين به الحاكم ولا رأي إلا ما يراه، ملك يعض على الأمة قهرا وظلما وتعطل فيه حرية إبداء الرأي ومخالفة البلاط.

يتعين الحديث عن “قضية المرأة” من هنا بالضبط، لأنه من هنا بدأت تاريخيا مأساة الأمة رجالا ونساء، فالعقل المسلم جال جولات في مختلف المجالات، ودار دورات دون أن يجرأ على مناقشة الوضع السياسي القائم حينذاك، لأن ذلك يعد مواقعة للحمى حمى آل أمية وآل عباس ومن خلفهم ممن أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. إذ إنه لا يمكن الحديث عن المرأة دون الحديث عن تحرير العقل المسلم، لأن العقل الذي سبب الأزمة لا يمكن أن يبدع حلولا لها إن لم يغير منهج تفكيره، فبكل بساطة فالفقه الجامد والاجتهاد الجامد لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية تاريخية وسياسية لم يستطع الخروج عن المسار الذي رسمته له السلطة المستولية بل في حالات عديدة بدأ يشرعن لها من خلال التقعيد لـ”إيديولوجيا الاستبداد” أو ما سماه المفكر ابن خلدون “دين الانقياد” وذلك بشحذ ترسانة “نقول ونصوص” تكرس لواقع الظلم وتشكل غطاء إعلاميا ودعائيا له. فالأنظمة الوراثية رغم نجاحها عسكريا بعد استيلائها على السلطة بـ”السيف” ظلت تفتقد لشرعية شعبية ودينية حقيقية مؤسسة على الشورى والاختيار.

في ظل واقع الإكراه والاستبداد والجمود، همش الفكر الحر والاجتهاد الحر واعتقل الرأي، وبدأ التأسيس للمذهب الواحد والرأي الواحد والاختيار الواحد والإجماع الواحد والاجتهاد الواحد، والواحد يعني السلطة. وكل من يخرج عن هذه “الرحى الدائرة” يشهر في وجهه سلاح التكفير والزندقة والخروج عن أهل “السنة والجماعة” فالمحاكم معدة سلفا والفتوى المبررة موقعة والسيف أصدق أنباء من الكتب وعد إلى كتب “تاريخ المسلمين” لترى العجب العجاب من هذا القبيل.

كل هذا أمعن في شل “الفاعلية التاريخية للأمة” فسياسيا اختلس منها حقها في المشاركة لاختيار السلطة الحاكمة بآلية الشورى، واجتماعيا تفتتت روابطها القائمة على “الولاية الإيمانية” لتشكل روابط أخرى مصلحية عصبية، وفكريا تم تحييد أو استقطاب النخب (المتعلمة / العالمة / المثقفة) المتمثلة في مؤسسة العلماء، واقتصاديا تم استغلال موارد الأمة والسطو على ممتلكاتها وغيب التوزيع العادل للثروة فتكدست الثروة في طبقة واحدة تمتلك السلطة والثروة وآلية الدعاية، فدشنت أكبر عملية تزوير وتحريف تعرض لها تاريخ الأمة. فسميت “الملوكية الهرقلية القيصرية” خلافة وسمي علماء الأمة ورجالاتها ومفكروها المنتفضون وآل بيت نبيها صلى الله عليه وسلم “شاقين لعصا الطاعة” وخارجين عن الأمة وسمي السطو على ثروة الأمة فضل الله يؤتيه من يشاء، والله فضل بعضكم على بعض في الرزق وأصبح تاريخ المسلمين، الذي هو فعليا تاريخ فهمهم واستيعابهم وممارستهم للدين والذي هو أولا وأخيرا تاريخ بشري وتجربة إنسانية فيها من هامش الخطإ أكثر مما فيها من الصواب، تاريخ “الإسلام” فاصطبغ بصبغة القدسية فأصبح الدين “مؤسسة إكليروس” تبقي على امتيازاتها بالإبقاء على السلطة السياسية القائمة عن قصد أو عن غير قصد بمبررات قد تكون منطقية ومعقولة في فترات سابقة مفتقدة لأدنى منطق أو شرعية حاليا.

“عقل فروعي” مسلم تشكل في هذه الظروف ووفق هذه الشروط التاريخية لم يستطع الانقطاع عن امتداده الجاهلي عاطفيا وفكريا وحتى معرفيا “لقصر مدة الخلافة والنبوة” التي لم تتعد 40 سنة، عقل نشأ متناقضا “منفصم الشخصية” بين ما يعرفه كأصول وثوابت ونماذج عاشها خلال فترة النبوة والخلافة وما أريد له أن يؤمن به من “دين الانقياد” بعد الفتنة الكبرى تلك الهزة التاريخية العاصفة عقليا وروحيا ووجدانيا، تعرض خلالها العقل لتزوير تاريخي رهيب وعملية غسيل مخ نجحت فيها إلى حد بعيد “ماكينة التربية المضادة” التي أبدعتها العصبية الأموية المروانية. عقل محاصر بهذه العوامل فاقد لمحور الارتكاز كان أمام خيارين كبيرين فقط:

الأول: الارتداد إلى الجاهلية -سلوكيا وفكريا وليس عقائديا- فقيمها أكثر رسوخا في نفسه ووجدانه وهي النموذج الأقرب إليه زمنيا، وبهذا يمكن أن تفسر جزئيا حركة الردة والتمرد التي شهدها المجتمع المسلم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن هنا نتحدث عن عموم الإنسان المسلم لا عن “جيل الصحابة رضي الله عنهم “الذي كان جيلا فريدا”.

الثاني: الانخراط في سلك “دين الانقياد”، أي أن يعيش منفصم الشخصية بين نموذجية تحققت وعاشوها تاريخيا، -رسم القرآن الكريم معالمها إلى يوم القيامة وحددت السيرة النبوية خطها الاستراتيجي الواضح (المحجة البيضاء) وقدمت الدليل التاريخي على واقعيتها، وحققها العهد الراشدي- وطاغوتية أموية عباسية وواقع أموي عباسي عثماني إلخ… حين حوصر “الدين” في طقوسية شكلية وأبعد عن إدارة الحياة العامة، فأنتج كل ذلك ثنائية متعددة الصور أعلنت عمليا عن ميلاد لائكية مبكرة في الفكر الإسلامي. ففي مقابل إسلام شعبي يلتف فيه المسلمون حول العلماء ليتفقهوا في “الدين” الذي هو كل شيء سوى “منازعة الأمر أهله” بمعنى إلا الخوض في شؤون الحكم أو انتقاد السلطة الحاكمة ولو حتى على مستوى الاجتهاد الفقهي حيث تم إغفال الشأن العام في كلياته، نجد إسلاما رسميا خادما للسلطة الحاكمة يبرر تصرفاتها ويحيطها بتحصينات وضمانات شرعية باستصدار فتاو غذاها بالأمس الدرهم والدينار ويغذيها اليوم البترودولار. هذه الثنائية تولدت عنها ثنائية أخطر، فقد أدى الصراع على السلطة ظاهريا كما يحلو للبعض أن يسميه والذي هو في جوهره صراع ديني للحفاظ على قواعد الإسلام وعن الشرعية التي تم انتزاعها من الأمة قهرا إلى توزع ولاء الأمة بين آل البيت الذين هم حماة الشرعية وبين الإذعان لمسلمة الفتح الذين نزوا على الأمر وهكذا ضاعت المرجعية بين هذه الثنائيات المتناقضة، لهذا فكل حديث عن “قضية المرأة” وغيرها من القضايا خارج هذا الإطار هو حديث سطحي تبسيطي لأنه عندما شلت “فاعلية الأمة التاريخية” حكم على جميع المسلمين ذكرانا وإناثا بالعودة إلى بعض مظاهر الجاهلية فكرا وسلوكا رويدا رويدا وقبول الاستبداد، قد تحدثنا كتب التاريخ (عن العدل القضائي) عن المظلمة أمر برفعها السلطان أو عن قاض أرغم حاكما على حضور مجلس القضاء هذا نوع من العدل وليس كل العدل، وذاك نوع من الظلم وليس كل الظلم…

تحرير العقل المسلم

أقررنا بوضعية المرأة الكارثية وبمظلوميتها في مجتمعاتنا من المحيط إلى الخليج وعبر تاريخنا الدامي وإلى الآن، ولسنا في حاجة إلى التذكير بأرقام الأمية المفزعة والعنف والتحرش والتهميش. نعم ظلمت المرأة وسيمت الخسف باسم دين مغيب، كما جثم الطغاة على أرواحنا باسم الدين، ولا زالت تظلم باسم الدين كما أنها تظلم باسم الحرية. صراحة قد لا تعجب دعاة التحجر وتقليد وتقديس التاريخ والتراث دون تمييز. ظلمت المرأة باسم دين غائب عن الميدان مختزل في عبادات فردية وخلافات فقهية أكثر من أن تعد أو تحصى، دين ضيق على دعاته وعلمائه المتنورين المتمردين على “الأحكام السلطانية” فحوصرت أفكارهم واضطهدوا ويا محنة مالك وأحمد اشهدي؟؟

في هذه الفترات، فترات “العض”، صار الإسلام جسدا بلا روح وأضحى موروثا من الموروثات، وغيبت مقاصد الشريعة وغاياتها الكبرى، وقزم العملاق ليعود مسخا من المسخ لذلك أسباب وعوامل بسطنا بعضا منها، فبدل إسلام شامل كامل ارتضاه الله لعباده واصطفاه لهم في قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وعاشته الأمة في القرون الخيرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد صحابته الراشدين روحا وجسدا مبنى ومعنى عقيدة وشريعة، وعوا واستوعبوا فيه الكليات والمقاصد، وعلى رأسها تحرير الإنسان من الظلم كيفما كان ومن أي جهة أتى بدء من ظلمه لنفسه وانتهاء بظلمه لغيره، ولو حيوانا أو بهيمة من البهائم.

فمن هذه العهود الخيرة عهود النبوة والخلافة الراشدة، وبنفس الفهم الذي فهموه وطبقوه وبنفس الروح الشمولية التي تلامس اللب لا القشر، ونفس الضوء الكاشف ضوء الكتاب والسنة المنهل العذب الصافي لكل وارد ظامئ، يجب أن تكون القراءة ليس لقضية المرأة وحدها بل لكل القضايا التي تطرح على الفكر الإسلامي، من قبيل شكل الحكم السياسي والتعددية السياسية وطبيعة المؤسسات السياسية وحقوق الأقليات والعلاقات الدولية وغيرها من القضايا الملحة والمحرجة الآن. فنحن حين نسائل اليوم العقل المسلم عن “مظلومية المرأة” وحدها، فنحن نغيب عن قصد أو غيره الحديث عن مظلومية مجتمع وأمة بدأت منذ بداية التحول أو لنقل الشرخ التاريخي الهائل الذي نتج عنه ظلم عم البلاد والعباد وقضية المرأة جزء منه.

حين نقلب صفحات الماضي، نجد صدى قضية المرأة في كتب فقهائنا القدامى على شكل متون حيض ونفاس وحواشي ورق وفتاوي وبلاوي -لا نقلل من قيمة فقهائنا العظام ولا من فقههم معاذ الله- تخفي وراءها انهزاما أو حتى تواطؤ بعض الفقهاء الذين شغلهم هاجس الخوف من تشتيت الأمة وتفريق كلمتها، فحوصروا في الحواشي وتفسير الحواشي ونقدها وتعديلها ونظمها، كالنعامة تغرس رأسها في الرمال خوفا من مواجهة واقع الظلم والنقض، الذي بدأت تشهده دعائم الإسلام. استقال الفقيه والعالم من مهمة الدفاع عن الأمة برجالها ونسائها فلا قضية هناك!

كما نجد صدى هذه القضية في قصائد الشعراء الملهمين في أي عهد شئتم عباسيا أم أمويا أم غيرهما من العهود التي لا تعدو أن تكون المرأة فيها ملهمة أو جسدا يوحي بأحلى قصائد النسيب والغزل أو هي مأساة العاشقين. وحين نسأل أعرف الناس بالمرأة، الأمراء وما أدراك ما الأمراء، فهي جارية من الجواري وجسد غض عارٍ، ومضيعة للوقت ولثروات الأمة الطائلة. وما أكثر ما روي ونقل إلينا، ونفتح الباب مواربة لنغلقه سريعا، خشية من نتن سوق نخاسة رائجة، تعرض فيها المرأة وفق مقاييس جمال يتداول حولها ويستشار.

قال عبد الملك بن مروان لرجل من غطفان‏:‏ صف لي أحسن النساء فقال: خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين درماء الكعبين مملوءة الساقين جماء الركبتين لفاء الفخذين مقرمدة الرفغين ناعمة الأليتين منيفة المأكمتين بداء الوركين مهضومة الخصرين ملساء المتنين مشرفة فعمة العضدين فخمة الذراعين رخصة الكفين ناهدة الثديين حمراء الخدين كحلاء العينين زجاء الحاجبين لمياء الشفتين بلجاء الجبين شماء العرنين شنباء الثغر حالكة الشعر غيداء العنق عيناء العينين مكسرة البطن ناتئة الركب‏.‏ فقال‏:‏ ويحك‏!‏ وأين توجد هذه؟ قال‏: ‏تجدها في خالص العرب أو في خالص الفرس).

ولنستمع إلى عبد الملك بن مروان‏، وقد راكم الخبرة ووعى الدرس وصار ناقدا بصيرا ونخاسا خبيرا من أراد أن يتخذ جارية للمتعة فليتخذها بربرية ومن أرادها للولد فليتخذها فارسية ومن أرادها للخدمة فليتخذها رومية‏) امرأة هي في مبلغ علمه جارية للمتعة ووعاء ولد وخادمة.‏ ولأن الأمر في تاريخنا وراثة، فكما يورث الملك والمنصب تورث مهنة النخاسة فمن شابه أباه فما ظلم. يروي محمد بن أحمد التجاني كتب هشام بن عبد الملك إلى عامله على إفريقية: أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين لما رأى ما كان يبعث به موسى بن نصير إلي عبد الملك (أي إلي والده عبد الملك بن مروان) أراد مثله منك، وعندك من الجواري البربريات المالئات للأعين، الآخذات للقلوب ما هو معوز لنا بالشام وما والاه، فتلطّف في الانتقاء، وتوخّ أنيق الجمال، وعظم الأكفال، وسعة الصدور، ولين الأجساد، ورقّة الأنامل، (…) وجدالة الأسوق (السيقان)، وجثول الفروع، ونجالة الأعين، وسهولة الخدور، وصغر الأفواه، وحسن الثغور، وشطاط الأجسام، واعتدال القوام، ورخامة الكلام)، أوصاف دقيقة ومفصلة تبز نخاسي العصر من منظمي مسابقات الجمال ودور الأزياء والموضة.

وحتى لا يعتبر إخواننا البربر أن في الأمر عنصرية أو تمييزا عرقيا -فكلنا في الاستبداد سواء- نستمع إلى الدكتور حسن إبراهيم حسن جلبت إلى بغداد الجواري الملاح من جميع أطراف الدنيا، فكان فيهنّ الحبشيات، والروميّات، والجرجيات، والشركسيات، والعربيات من مولدات المدينة والطائف واليمامة ومصر من ذوات الألسنة العذبة، والجواب الحاضر، وكان بينهنّ الغانيات اللاتي يعزفن مع ما عليهن من اللباس الفاخر وما يتّخذن من العصائب التي ينظمنها بالدرّ والجواهر، ويكتبن عليهنّ بصفائح الذهب) ويجلي لنا الأصفهاني صورة الترف والبذخ أكثر حين يقول قد كان عند الرشيد زهاء ألفي جارية، وعند المتوكّل أربعة آلاف جارية)، ويزيد الجاحظ أنهن، أي الجواري، كن من نفيس المتاع الذي يتهاداه الناس وكان عدد الجواري يزيد على عدد الحرائر في منازل كبار القوم والأثرياء). وحين عاد موسى بن نصير فاتح المغرب إلى دمشق كان معه 30000 جارية، أهدى عددا منهن إلى الوليد بن عبد الملك. ويذكر أن سعيد أخو سليمان بن عبد الملك اشترى جارية مشهورة بحسن غنائها بألف ألف دينار، أما يزيد بن عبد الملك فاشترى المغنية “شامة” بعشرين ألف دينار. واشترى هارون الرشيد إحدى جواريه بمبلغ مئة ألف دينار. وأحب محمد الأمين بن هارون الرشيد أن يشترى جارية اسمها “بذل” من سيدها لكنه رفض فملأ له قاربا من الذهب وأرسله إليه لكنه رفض وفضل الاحتفاظ بالجارية وكان عند والدة جعفر البرمكي مائة وصيفة لباس كلّ واحدة منهنّ وحليّها غير لبوس الأخرى وحليّها.

كل هذه الروايات تؤكد أننا لسنا أمام حالات شاذة أو نزوات استثنائية، وإنما هي حالة عامة من الترف والمتعة والمتاجرة بالأجساد والتفسخ والانحلال طبعت أغلب مراحل تاريخنا السياسي، واليوم يراد لنا بهتانا وزورا أن نقبل ونقر أنها “خلافة”! و”إسلامية!”.

إننا أمام وضعية من الظلام الحالك، أهينت فيها المرأة أسوأ إهانة، ومست في كرامتها وآدميتها وحريتها. نبصر قليلا من النور فقط إذا استثنينا فهوما سليمة لمكانة المرأة أما كانت أو أختا أو زوجا، فهوم علماء الأمة العاملين أعلام الهدى، واستثنينا أيضا نماذج لنساء خالدات. فلم يفهم ولم يعرف من سبقونا من أمراء وشعراء ونخاسي عهد العض المرأة إلا كما يعرفها الآن دعاة التحرر بالغرب، فهي في أعلى وأسمى مراتبها عندهم حيوان أليف لطيف أو جسد يباع على صفحات المجلات وشاشات الفضائيات، يزيد ثمنه وينقص كل ما زاد العري وخضع لمقياس ملكات الجمال وعارضات الأزياء، أو هي منتوج يستهلك كما تستهلك آدميتها في الوصلات الإشهارية.

جماع القول أنه ما ظلمت المرأة فينا إلا بابتعادنا عن النور وانزوائنا في الظلام كالخفافيش، لا نبارح أمكنتنا ولا نفكر في مبارحتها مطلقا، وحتى إن قدر لبعض المتنورين منا الحراك، فإنهم يظلون يحتكمون إلى عصور “الخلافة المزورة” والخلافة الراشدة أو حتى النبوة دون تمييز، بتقليد بليد ومثالية مرضية، فيصبغون على المجتمع والناس صبغة ملائكية كأنهم لا يخطئون أو يعتريهم ما يعتري البشر من خطإ ونسيان وسهو وتقصير، فيغيب عنهم أن كل ذلك -أي الخطأ والنسيان والسهو والتقصير- يثبت النموذج ولا ينفيه أو ينتقص من قيمته، فالسمو الحقيقي يكمن في كونك تسمو لتقارب الكمال، رغم بشريتك وطينيتك التي تشدك إلى أرض واقع لا يرتفع، بل خلق الإنسان ليعيشه ويبتلى فيه ليبلوكم أيكم أحسن عملا. في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت الآيات المتواترة ولأسباب ومناسبات مختلفة، فيها المديح الكريم والثناء العظيم، كما فيها اللوم والتأنيب والعتاب اللطيف، ففي المجاهدين تحديدا رضي الله عنهم -مثلا- نزلت الآيات من سورة آل عمران: مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الآَخِرَةَ، فقال سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه مستغربا وكان حاله كحال بعض الحالمين والمثاليين من أبناء الصحوة الإسلامية الذين ردهم القرآن الكريم إلى الصواب والواقع: ما كنت أظن أن أحدا من أصحاب محمد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية). ففي كل مجتمع وحتى في المجتمع الإسلامي الأول أيضا كان السابقون والمهاجرون قبل الفتح والأعراب والمنافقون سنة من سنن الله في كونه، وحقيقة يجب أن نعيها جيدا لنرسم معالم المستقبل بواقعية تامة لأن الشريعة ما جاءت إلا لتحقق مصالح الناس كل الناس بمختلف طبقاتهم وقدراتهم ومراتبهم حالا في الدنيا ومآلا في الآخرة بمنتهى الواقعية التي تراعي الفروق الاجتماعية والشروط المجتمعية عرفا وتقليدا في الرخاء والشدة. إذا استقر هذا في أذهاننا وعقولنا سهل علينا التخلص من هذا الاستلاب والخضوع غير المبرر لأنظمة العض والجبر نقلدها ونقدسها ونبحث لها عن مبررات لنستر عوراتها، كأنه لا يكفينا وصم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بـ”العض” لنعلم أنها مرفوضة شرعا. روى الإمام البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: أخبرني جدي قال: “كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: “هَلَكَةُ أمتي على يديْ غِلْمَةٍ من قريش. فقال مروان: لعنة الله عليهم غِلْمَةً! فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان، بني فلان، لفعلت. فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا الشام، فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم! قلنا: أنت أعلم””. والحديث عند الإمام أحمد من طرق متعددة.

الخلاصة أن كل خطوة لتحرير عقولنا من “إيديولوجيا الاستبداد” وأنشوطة التقليد، هي خطوة كبرى على درب تحرير المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية.

المرأة: من عصر الموءودة إلى عصر الحريم

وجد الإسلام المرأة متاعا من المتاع ومتعة من المتع، وإرثا يورث كما يورث المال، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الطبري أنه قال: “إذا مات الرجل وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه، فيمنعها من الناس، فإن كان جميلة تزوجها وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت”، هذا إن سمح لها بحق الحياة في مجتمع جاهلي يخشى أن يلحقه من بناته العار والشنار، وكان لسان حاله يقول:

القبر أخفى سترة للبنات *** ودفنها يروى من المكرمات

كان الرجل الجاهلي الذي يشارك في العار ويستلذ به في مجالس لهوه وأنسه وسط محظيات وجوار وصاحبات رايات حمر –هو نفسه – من يئده ليتخلص منه وهي مفارقة عجيبة وغريبة، تزول متى علمنا أنه نفس العقل الذي يصنع ربه بيده من تمر ليعبده فإذا جاع أكله. كانت المرأة في اعتقادهم سوء وشرا وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ، يتحاشى المرء أن يلحق به لذا يئده متواريا، في رمال شبه الجزيرة العربية ويا صحراء ابلعي!!!

استنكر الإسلام وأد البنات وهو قتل فعلي ساذج، عوضه العرب بعد ذلك بوأد معنوي طوال قرون، اعتبرت فيه المرأة حريما يحشر في المقصورات والقصور لا إرادة ولا روح ولا شخصية. واستهجن سلبهن حق الحياة: وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، وجعل سؤالها آية من الآيات الكبرى كتكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال، لشناعة الفعل وفحشه العظيمين. كما جعل شعاره: “ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم”. والأحاديث أكثر من أن تعد وتحصى في وجوب رعايتها والإحسان إليها إنسانا قبل كل شيء، فإذا كانت أما أو أختا أو بنتا تأكد وجوب الرعاية، أليست الجنة مأوى المؤمنين بجلال قدرها وما فيها تحت قدمي الأم!!

تواترت النصوص الزاجرة والحاثة، الموجبة لحسن رعاية المرأة وتكاثرت لتمحو من العقل العربي الجاهلي رواسب علقت به منذ أزمان سحيقة، وموروثات وجاهليات حجبته عن الله وعن العدل، بما هي ظلم في أحد معانيها، وحاربت فيه عادات متجذرة ومعاني من قبيل حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا وكان الآباء يئدون البنات بلا شفقة ولا رحمة، فالميداني صاحب الأمثال يقول: إن عادة وأد البنات، كانت متبعة عند قبائل العرب قاطبة، وظلت هذه العادة جارية ومتبعة عند جميع القبائل العربية حتى جاء الإسلام فأبطلها وحرمها). وقد اختلفت القبائل العربية في أسباب الوأد، فمنهم مَن كان يئد البنات غيرة على العرض، ومخافة من لحوق العار بسبب انتشار الحروب والغزو، حيث كانت تساق الذراري مع الغنائم والسبي، فتكون بناتهم عند الأعداء أو إذا ولدت البنت مشوهة أو بها عاهة، أو بسبب الفقر والفاقة مخافة الوقوع في الغواية وكانت بنو تميم وكندة وربيعة من أشهر القبائل التي تئد البنات. ويرجع البعض أول الوأد ومبتدأه إلى قصة بني تميم، الذين يروى أنهم منعوا الملك النعمان جزية كانت عليهم، فجرد عليهم النعمان أخاه الريان مع (دوسرا) إحدى كتائبه وكان أكثر رجالها من بني بكر بن وائل، فاستاق النعمان سبي ذراريهم. فوفدت وفود بني تميم على النعمان بن المنذر، وكلموه في الذراري، فحكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء، فأية امرأة اختارت زوجها ردت إليه، فشكروا له هذا الصنيع.

وكانت من بين النساء بنت قيس بن عاصم فاختارت سابيها على زوجها فغضب قيس بن عاصم، ونذر أن يدس كل بنت تولد في التراب، فوأد بضع عشرة بنتاً فكان أول من وأد في الجاهلية -مما يرجح أن يكون الوأد من عادات الجاهلية المتأخرة- غير أن رواية له مع أبي بكر الصديق تقدم لنا سببا آخر للوأد فقد سأله أبو بكر: ما حملك على أن وأدت؟) فقال: خشيت أن يخلف عليهنّ غيرُ كُفْوءٍ) وقد جاء قيس بن عاصم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: “إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، (وفي رواية أخرى اثنتي عشرة) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اعتق عن كل واحدة منهن رقبة”، فقال: إني صاحب إبل، قال: “أهد إن شئتَ عن كل واحدة منهن بدنة””.

ولئن بدل الإسلام صحابيا جليلا مثل قيس بن عاصم، وغيره تغييرا شاملا وغير نظرته للمرأة، فندم على ما قدم من وأد لبناته وتاب كما سلف في الحديث، فتخلص من سلطان العادة واستجاب لأمر الله ورسوله، فإنه لابد أن نقف لنسأل: هل استطاعت مدة أربعين سنة هي كل عمر النبوة والخلافة أن تمحو قرونا من رواسب الجاهلية في العقل العربي الذي أسلم؟ هل استطاعت أن تحرّره من ربقة العصبية والقبلية وتخرس فيه نعرات العبية؟ هل استطاعت أن تحرّره من سلطان الموروث الجاهلي ومن ضمنه نظرته للمرأة ومكانتها ودورها؟ اللهم لا. حيث نجد أنه حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطفو هذا المخزون على السطح. وقوله صلى الله عليه وسلم لواحد من الصحابة الكرام: “أنت امرؤ فيك جاهلية” شهير، ومنازعات الخزرج والأوس ودعواتهم لإحياء روح العصبية وثاراتها معروفة.

عادت هذه الروح روح الموروث الجاهلي، الذي جاء الإسلام ليزيل مثالبه ويثمن مكارمه، لتتأجج بعد أربعين سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أو أقل، ويجانب الصواب من يفصل قضية المرأة ومسيرة الأمة ككل عن تحول الحكم السياسي من العدل والمساواة إلى الظلم والجور والاستبداد. وكان تأججها (روح الجاهلية) يعني إزهاق روح الإسلام وإقصاءها والحفاظ على قشوره لجعلها تكأة تعتمدها أنظمة القهر لمصادرة حق الرأي وإخفاء رغبة التغيير، فانزوى الإسلام في فردية العبد/المواطن فردية ربما لا تشتمل حتى الحيوان، وبدأ الحس الجماعي يموت وسادت روح أنا وبعدي الطوفان، واستطاعت أنظمة القهر الفردية أن تدجن الأمة، وتدفع بها إلى جدران الصمت… وحاول من فيه بقية غيرة وعزة وأنفة أن ينتفض أو يثور، لكن سيوف الحجاج وأمثاله كانت بالمرصاد تريق دماء الأشراف والأطهار، وكانت المرأة شاهدة حاضرة، أسماء الصديقية بنت أبي بكر رضي الله عنه، وزينب بنت سيدنا علي رضي الله عن الجميع وأرضاهم. وصار العدل مطلبا عسيرا تتشوف إليه النفوس ولكن من يتكلم فجيوش القهر جاثمة..

وهكذا قيدت مظلومية المرأة التاريخية ضد مجهول قد يكون الإسلام، وقد يكون رجلا، وقد يكون أنظمة القهر والاستبداد والملكيات الوراثية -وهو فرض لم يطرح للأسف-، ولكن تبنى دعاة الحرية والتحرير قضية المرأة في عهدنا الذي سماه الرسول صلى الله عليه وسلم “ملك جبرية أو جبري” بكل ما تعنيه كلمة الجبر من قهر وتسلط وحديد ونار ومعتقلات. وهو في كل هذا لا يختلف عن تلك الصفحات التي عشناها مع عهد العض، فالموصوف واحد والصفات متعددة؛ الأول تخفى بأستار الإسلام ولفها على نفسه جيدا مستمدا منها مشروعيته وقدسيته وهذا حال بعض أنظمتنا الحالية، والثاني أعلن قطيعته مع الإسلام وعده رجعية وأعلن عليه الحرب جملة وتفصيلا يزين له ذلك أبناؤنا جغرافيا، وإلا فهم في الغرب ترعرعوا وبألبانه تغذوا وأعلنت الحرب على العقل الشرقي المتخلف والدين سبب تخلفه، وتوالت الدعوات لتحرير المرأة وفتح الملف من جديد يشرف عليه دعاة التغريب والغرب قضاة وحكاما.

ومن هنا تبدأ مرحلة أخرى، وتسعر حرب جديدة، المتهم فيها هو الإسلام ذلك الغائب المغيب الذي لم يقترف جرما ولم يجد من يدافع عنه، فالفقهاء والعلماء قد انخرطوا في سلك أنظمة الجبر ودانوا بدينه والسلام عليك يا إسلام! والشعوب لا تمتلك إلا إسلاما موروثا جثة بلا روح وعاطفة جياشة تحنُّ إلى عهود النبوة والخلافة الراشدة، فضيق على الإسلام وبدأت محاربة كل ما يمت إليه بصلة وأي مظهر من مظاهره والأمثلة عديدة: تركيا، تونس… فانزوى الإسلام عهودا في دائرة الأحوال الشخصية التي لم يجرؤوا على طرده منها علانية حفاظا على خيط رفيع يربطهم بـ”تقاليد المجتمع ومخزونه العاطفي” وصمام أمان يقيهم شر شعوب مسلمة بالفطرة لا يمكن أن تتنازل أكثر.

ووجد الاستعمار القابلية فكان ما كان، طالعتنا وجوه النساء الأوروبيات المتحضرات الحاذقات المتعلمات الطبيبات، وبهرتنا أوربا بكل بريقها وتحولت القبلة والوجهة فصارت غربا، وظل فقهاؤنا في محاولات يائسة للدفاع عن الإسلام يشهرون سيف الارتداد في وجه حتى من يزور أوربا ويرمون كل آت من هناك بالكفر، ولكن محاولاتهم تلك كانت ردود أفعال طفولية ساذجة على هجمات لا أفعال ذاتية. حتى ظهرت حركة البعث الإسلامي التي لم تمتلك شمولية الطرح في بداياتها ولم يتخلص جزء كبير منها من تقديس إسلام بني أمية وبني العباس.

بهرت الأمةَ مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة التي فجرتها الثورة الفرنسية وفلاسفة الأنوار خاصة بعد غزو نابليون بونابرت لمصر والشرق المتخلف، (ولما كان المغلوب مولعا بتقليد الغالب والضعيف على دين القوي) فبدأت حمى التقليد تتسلل إلى جسد الشرق الذي أفقدته سنوات التحجر مناعته وشجاعته، وبدأ الانحطاط والانحدار الحضاري: فالحجاب في زعمهم قيد يكبل العمل والإنتاج، والعفاف والطهر مسألة شخصية، والمرأة مظلومة محرومة من التعليم والعمل والإنتاج.

فوجدت هذه الصرخات والدعوات صداها في أنفس بناتنا ونسائنا، ليس لأن النموذج الغربي يكتسب جاذبيته من قوته الاقتصادية وتفوقه المادي والتكنولوجي فحسب، بل لأن الإسلام تهرأ في دواخل الأمة وصار أسمالا رفيعة واهية تنسل عند أول محك فبدأ السقوط. لا يستطيع أحد إنكار أن هذه الدعوات حملت في طياتها إيجابيات ولعل من أهمها تلك الصفعة التي وجهتها إلى المسلمين فبدأ السؤال عن الهوية وعن الذات عن الأصل والفصل ورب ضارة نافعة، لم يفجر سؤال الهوية قضية المرأة وحدها ولم يكن كتاب “تحرير المرأة” لقاسم أمين فحسب سبب المعركة، بل أسهم في ذلك “في الشعر الجاهلي” لطه حسين و”أصول الحكم” لعلي عبد الرازق و”طبائع الاستبداد” للكواكبي، فالقضية كانت كلا لا يتجزأ، قضية أمة وجدت نفسها تحمل إجلالا لتاريخ متقيح لا تستطيع تحديد موقفها منه، وواقع يرفض ما تبقى فيها من فطرة نقية التردِّي إليه، ووجدت أجيال من أبناء المسلمين عقولها موزعة الولاء رجل هنا وأخرى هناك، منهم من قاوم ببقية عناد واعتزاز بإسلام فردي ومنهم من غاص في مرق الغرب ومنهم من حمل مشعل التجديد حاميا أصالته من اللوث في غير ما انغلاق أو تحجر.