1.مقدمات

تحاول الورقة التالية عرض الخريطة النقابية وتحديد مفاتيحها بعد التحولات الاجتماعية والسياسية التي تعيشها الأمة منذ الربيع العربي عموما، وبشكل خاص من خلال مساءلة وتتبع تفاعلات الحَراك المغربي.

معلوم أن حكومة بنكيران تضم تحالفا رباعيا يتشكل، إلى جانب حزب العدالة والتنمية، من حزب الاستقلال، حزب الحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، وهي أحزاب لها إطارات نقابية موازية، كُتابها العامون أعضاء في هيئاتها السياسية التنفيذية. أقوى هذه الإطارات الموازية نقابة شباط، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، ثم نقابة يتيم، الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب؛ أما التقدم والاشتراكية فإن بعض قيادييه يتزعمون جامعات ونقابات وطنية 1 تابعة لنقابة مخاريق، الاتحاد المغربي للشغل، ورغم قلتهم نجحوا إلى حد كبير في استمالة الأمين العام لهذه المركزية وأغلب أعضاء أمانته الوطنية تحت عنوان العلاقة التاريخية التي تجمع الطرفين (الحزب والنقابة)، والتطابق في وجهات النظر بخصوص القضايا الأساسية ذات الصلة بالشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي، خاصة خلال المرحلة الأخيرة وما واكبها من حراك اجتماعي وسياسي توج بإقرار الدستور الجديد.) 2

ظاهريا، تختلف المرجعيات الفكرية لهذا التحالف 3 ؛ لكنها تتوحد جوهريا، في جبهة الدفاع عن البنية التقليدية للملكية المطلقة، وفي جبهة الهجوم للاستفادة من الامتيازات المخزنية ومن الريع السياسي، لذلك نجدها – أحزاب ونقابات هذا التحالف – تشترك في “معارك” الدفاع عن بركات دستور 2011 باستماتة قل نظيرها.

لا يسعنا أن نستعرض الشواهد على ذلك لكثرتها، لذلك نكتفي بشاهدين اثنين لدلالتهما الرمزية: في معرض رده على “تسريب” رفض الملك لاستوزاره، عبر الأستاذ البقالي – الابن البار لحزب الاستقلال – أحسن تعبير عن التصور السياسي لحزبه وعن القناعة التي يشترك فيها معه التحالف الحكومي الحالي، يقول عن نفسه: “فعبد الله البقالي معروف بوطنيته ودفاعه المستميت عن جميع القضايا الوطنية، وينتمي إلى حزب متجذر في الوطنية لدرجة وصفه بأنه حزب ملكي حتى النخاع” 4 . لاحظ تعريف البقالي للوطنية، وتعريفه أن يكون البقالي وأمثاله وزراء!

هذا شاهد حزبي، أما النقابي فيذكر فقط أن الاتحاد المغربي للشغل قررت هيئاته التقريرية 5 التصويت بنعم لصالح دستور 2011 في سابقة تاريخية، حيث تراوحت مواقف المنظمة من مختلف الدساتير السابقة بين “لا للدستور” (1962) و”عدم المشاركة في الاستفتاء” (1970 و1972) وترك حرية التصرف بشكل ضمني للأعضاء (1992 و1996)) 6 .

قد يتضايق المخزن بعض الشيء من خرجات بعض قياديي العدالة والتنمية، لكنه ينظر إجمالا إلى هذا التحالف الحكومي بعين الرضا، لكون الحكومة ليس لها -في أحسن الأحوال- من قوة إلا القوة الاقتراحية النابعة من النجابة والعذرية السياسية لبعض وزرائها، لكنها في شخص رئيسها والتحالف المشكل لها منزوعة الإرادة السياسية وتتمتع بأقوى درجات الانبطاح للتعليمات المخزنية، بل وتجتهد في تلقف واستباق الإشارات الملكية برهانا على حسن الطوية والسلوك.

شعبيا، تمثل حكومة بنكيران آخر أمل “للتغيير السلبي”، أي ذلك التغيير الذي يأتي بكل الحقوق دون أية تضحيات؛ أما عربيا وإسلاميا، فتمثل حكومة بنكيران خدعة كبرى 7 وتدليسا ماكرا للاستثناء المغربي؛ أما غربيا، فإن تعيين حكومة الظل (مستشارو الملك) قد كرس التدليس وطمأن الاستكبار العالمي على استمرارية مصالحه مع وجود حكومة تمثل طيفا إسلاميا كان معارضا بالأمس، لكنه اليوم لا يملك قراره بله قرار الدولة المخزنية.

حتى ولو اتبع إسلاميو العدالة والتنمية ملة المخزن، فإن هذا الأخير لن يرضى عنهم بعد سكون عاصفة الربيع العربي، لكنه سيضطر للتنازل عن بعض المُسَكِنات لصالح حكومة بنكيران وسيقوم بتضخيمها تمويها للرأي العام، وبعد خروجها من منطقة الإعصار ستتخلص سفينة المخزن من حمولتها الزائدة.

أدرك إسلاميو العدالة والتنمية هذه المعادلة أم لم يدركوها، فإنهم سيسعون بكل الوسائل التي سيتيحها لهم الموقع الجديد من أجل تقوية مؤسساتهم الموازية للحزب وللحركة.

تكتيك ضروري ستقوم به نقابة الحزب، الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، بتنسيق فوقي مع نقابات التحالف الحكومي، ألا وهو امتصاص الحَراك النقابي في قطاعات الوظيفة العمومية، في ذات الوقت الذي يقومون فيه باستعراض العضلات داخل القطاعات غير العمومية والتي لا تتحمل فيها الحكومة مسؤولية التدبير المباشر، وأخيرا التمدد النقابي في القطاعات التي هي تحت الوصاية الإدارية لوزير الحزب.

من أجل ذلك، ستشكل الانتخابات المهنية القادمة امتحانا عسيرا لكل الطيف النقابي المغربي، لأنها ستعيد رسم خريطة النقابات الأكثر تمثيلية، وهذه فرصة لن تتكرر لنقابة يتيم من أجل تجاوز عتبة 6 في المائة 8 والاستفادة من الامتيازات الداخلية والخارجية للتمثيلية النقابية؛ كما ستمكن بعض المَقصيين الغاضبين من الالتحاق بمجلس المستشارين الذي يمثل الحلقة الأضعف في التحالف الحكومي، بالنظر للقوة العددية للمعارضين في الغرفة الثانية.

خيوط اللعبة النقابية ليست كلها في يد التحالف الحكومي بنقاباته، بعضها في يد المركزيات الأخرى، وجل تلك الخيوط في يد “المخزن النقابي” الذي توفق إلى حد كبير في تحييد الفاعل النقابي من الحراك المغربي، لكن بأي ثمن؟

في تقرير لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب خلال دورة أبريل 2011، وهي تناقش بمعية وزيري النقل والتشغيل مقترح قانون يقضي “بتخويل العاملين بقطاع النقل الطرقي حق الاستفادة من الخدمات والتعويضات الاجتماعية التي يضمنها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لمؤمنيه”، نقرأ العبارة التالية: سعيا وراء تحقيق الحماية الاجتماعية والتخفيف من وطئ الحراك الاجتماعي والدينامية الاحتجاجية لمهنيي النقل الطرقي، ارتأت بعض الفرق البرلمانية تقديم مقترح قانون…) وجاء على لسان وزير النقل السابق قوله: إن الحكومة تؤيد هذا المقترح، والذي جاء في إطار ما عرفته الحكومة من مناقشات وحوارات مع ممثلي نقابات قطاع النقل على إثر مناقشة بنود مدونة السير… حيث عبر معظم مهنيي هذا القطاع من سائقين وغيرهم على أنهم ملتزمون مع الحكومة في إطار تنظيم هذا القطاع بشرط أن تجد لهم حلا لهذا الملف…) 9

عدد المستفيدين المحتملين من خدمات صندوق الضمان الاجتماعي بعد المصادقة على هذا التعديل القانوني يفوق 300 ألف سائق، غير أجير، بمعنى أن واجب الموازنة يقضي بأن تتكلف الدولة بشكل من الأشكال بتحمل القيمة المالية لمساهمة أرباب العمل، أو تتحمل هذه الفئة (مهنيو النقل) جميع واجبات الاشتراك المترتبة عن ذلك، وفي هذه الحالة لن يشكل القانون المقترح سوى حلا ترقيعيا لن ينفذ لعمق مطالب المنتظرين.

المقترح المذكور تقدمت به فرق الأغلبية السابقة في مجلس النواب برئاسة الاتحادي أحمد الزايدي، ولقي ترحيبا من طرف الاستقلالي غلاب، وزير سابق للتجهيز والنقل، والاتحادي أغماني، وزير سابق للتشغيل والتكوين، وجدير بالذكر أن واضعي المقترح في إطار تقديمهم أوضحوا أنه تمت بلورة هذا المطلب لشغيلة قطاع النقل الطرقي بتاريخ 21 فبراير 2011 على شكل اتفاق شراكة تم إبرامه بين ممثلي الهيئآت المهنية والنقابية لقطاع النقل الطرقي ووزارة الداخلية ووزارة التجهيز والنقل وزارة التشغيل والتكوين المهني والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي) 10 .

إزاء ذلك يمكن طرح فرضية أن هذا المقترح قد شكل (إلى جانب تكتيكات أخرى) مُسَكِنا قانونيا ولعب بذلك دورا محوريا في تحييد عمال هذا القطاع الحساس عن الحراك الاجتماعي، وهكذا فعلت الدولة في كثير من القطاعات الحساسة لامتصاص الغضب الشعبي.

بعد المتغيرات المتسارعة تحولت المواقع السياسية والنقابية، فأصبح واضعو المقترح في المعارضة ونقابة العدالة والتنمية (التي ساهمت في شل قطاع سيارات الأجرة قبل الاستوزار) ضمن الأغلبية “الحاكمة” ولم يبرح مقترح القانون مكانه؛ هذا باختصار كبير ما ينتظر ملفا واحدا من خلال الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، فما العمل والملفات من هذا الحجم كثيرة وقد اجتهدت الحكومات السابقة في تأجيل الحسم لِما كانت تعلم من عمق الاختلالات وكلفة التصفيات؟ وهي تشكل قنابل موقوتة لن يفوت الاتحاد الاشتراكي ونقابته، الفدرالية الديمقراطية للشغل، الفرصة لدحرجتها في ملعب حكومة بن كيران التي ستجد توترا اجتماعيا أنى ولت وجهها.عبد الحميد أمين: لهذه الأسباب قررت مقاطعة الاستفتاء على الدستور. هسبريس. 28 يونيو 2011


[1] الجامعة الوطنية للبريد، الاتحاد النقابي للبنوك، النقابة الوطنية للتجارة الخارجية…\
[2] تقرير صحافي للزيارة التي قام بها وفد الاتحاد المغربي لشغل للتقدم والاشتراكية. بيان اليوم. 1 غشت 2011\
[3] يذكر أن قيادي التقدم والاشتراكية “نور الدين سليك” صرح في مداخلة باسم نقابته “جامعة البريد” في المؤتمر العاشر للاتحاد المغربي للشغل بالحرف الواحد:” التحالف يجب أن يكون داخل الأسرة التقدمية وليس مع غيرها”\
[4] جريدة المساء. ص6. عدد 1654. الأربعاء 18 يناير 2012\
[5] الأمانة الوطنية المجتمعة بمراكش يوم الأحد 19 يونيو 2011، ثم اللجنة الإدارية المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ الاثنين 20 يونيو 2011\
[6] عبد الحميد أمين: لهذه الأسباب قررت مقاطعة الاستفتاء على الدستور. هسبريس. 28 يونيو 2011\
[7] وهو ما يسميه مصطفى الخلفي الناطق الرسمي للحكومة “بالخيار الثالث” أو “ثورة الصناديق”.\
[8] المادة 425 من مدونة الشغل التي تحدد المنظمة النقابية الأكثر تمثيلا، قانون رقم 65.99 بتاريخ 11 سبتمبر 2003.\
[9] تقرير لجنة القطاعات الاجتماعية حول مقترح قانون يقضي بتغيير وتتميم الظهير الشريف المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي. مجلس النواب. دورة أبريل 2011 . مقررة النص التشريعي: السعدية السعدي.\
[10] نفس المرجع السابق.\