سنتحدث اليوم عن موضوع في غاية الأهمية يندرج ضمن موضوعات التنمية الذاتية أو ما يسمى بالتدريب القيادي، هذا الموضوع وإن كان نظريا لكنه مهم باعتباره يعطي للمتدرب مجموعة من الخطوات العملية التي يسترشد بها في مسيرته العملية أو مهامه ومسؤولياته.

1- تعريف القيادة والقائد

جاء في لسان العرب: (القود) نقيض السوق. يقال يقود الدابة من أمامها ويسوقها من خلفها 1 .

وعرفها الدكتور طارق السويدان بأن القيادة هي عملية تحريك الناس نحو الهدف وهي مكونة من ثلاث عناصر:

– وجود هدف يحرك الناس إليه.

– وجود مجموعة من الأفراد.

– وجود قائد يجعل ذلك في قوالب عملية تؤثر في الناس.

القيادة: هي القدرة على التأثير على الآخرين وتوجيه سلوكهم لتحقيق أهداف مشتركة. فهى إذن مسؤولية تجاه المجموعة المقودة للوصول إلى الأهداف المرسومة.

وفي تعريف آخر: هي عملية تهدف إلى التأثير على سلوك الأفراد وتنسيق جهودهم لتحقيق أهداف معينة.

وعرفها أحدهم بعملية تحريك مجموعة من الناس باتجاه محدد ومخطط وذلك بتحفيزهم على العمل باختيارهم).

وآخر: القيادة الناجحة تحرك الناس في الاتجاه الذي يحقق مصالحهم على المدى البعيد.

القائد: هو الشخص الذي يستخدم نفوذه وقوته ليؤثر على سلوك وتوجهات الأفراد من حوله لإنجاز أهداف محددة.

القائد هو المجاهد الذي لا ينكشف عن الصف إن هرب الناس، ولايقعقع له بالشنآن هو المؤمن المسؤول، حوله تتآلف الجماعة يشيع فيها بنورانية قلبه معاني الإيمان وبلطف معشره، ولين جانبه المحبة، وبصرامة إرادته وضبطه الثقة. هو المجاهد القادر على بعث الإرادة الجهادية في الآخرين 2 .

والشخص القيادي هو الذي يحتل مرتبة معينة في المجموعة ويتوقع منه تأدية عمله بأسلوب يتناسق مع تلك المرتبة.

والقائد هو الذي يُنتظر منه ممارسة دور مؤثر في تحديد وانجاز أهداف الجماعة.

والقائد الأمين هو الذي يمارس الدور القيادي فعلاً.. وليس الشخص الذي يناور ليتزعم الناس.

2- أهمية القيادة

نخلص من خلال التعريفات السابقة إلى أهمية القيادة وحاجة المجتمعات البشرية إليها، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي: إنه تغيير واقع أمة فلا بد له من رجال أوتاد يمنعون الخيمة أن تعصف بها الرياح) 3 .

وتحدث الأستاذ محمد أحمد الراشد عن أهمية القيادة قائلا: .. فهي قلب العمل وأداة الانسجام والتناغم وطريق المناقلة وحزام الربط، فوق أنها الرمز العاطفي الذي يملأ الحاجات النفسية للعاملين. وركن الإستناد الذي يسند المتعب ظهره إليه) 4 .

والجماهير المتحمسة التواقة إلى التحرر بدون قيادة تضبطها وتوجه حماسها تحل الفوضى والعنف والأعمال الطائشة الغير مبنية على مقادير وقراءة للواقع.

الأمة بحاجة إلى قيادة راشدة نورانية لجمع جهودها المبعثرة قيادة توضح خط الجهاد الذي ينتظر الأمة وتربيها أي الأمة تربية إيمانية وتنظم فيها الإرادة الإيمانية كل هذا لابد له كما قال الأستاذ عبد السلام ياسين نحتاج إلى قيادات مؤمنة وعلم تربوي، وحكمة تنظيمية، لكيلا تذهب جهودنا في فوضى ردود الفعل الموقوتة الانفجارية أمام تحرك الأعداء) 5 .

3- شروط القيادة

هذه القيادة التي تحدثنا عنها والتي تحتاجها الأمة، لابد لها من شروط أساسية نجملها في:

– التربية الإيمانية الاحسانية.

– ضرورة المنهاج.

– العلم النافع.

– الرحمة والحكمة.

– وحدة التصور (الانسجام).

– الاستيعاب للصف.

أ‌) التربية الإيمانية الإحسانية

إن أي قيادة تروم قيادة الجماهير لابد لها من زاد وحظ من التربية الإيمانية الإحسانية لتقدر على مواجهة مدلهمات الليل البهيم وأشواك الطريق المملوءة بالعقبات والعوائق، وتستطيع الثبات في ميدان الابتلاء عند مواجهة أعدائها بحيث لا تزيغ ولاتبيع ولاتتنازل.

وهنا يحضرني كلام نفيس للأستاذ أحمد الراشد رحمه الله تعالى: ألا وإن أزمة الإسلام ومشكلته الخاصة تكمن في حاجته إلى القادة، ولن يصل مخلص إلى وعي فن القيادة حتى تتعود قدمه المشي في درب الطاعة اللاحب السليك) 6 .

والتربية الإيمانية هي من أهم الأسباب التي تعين على الثبات على دين الله ومن خلال ذلك الصبر على قيادة الجماهير في كل الأوقات خصوصا الصعبة التي يشتد فيها الضغط.

لكن السؤال الذي يطرح هنا عن أي تربية نتحدث؟ وأي تربية هذه التي يمكن أن تخرج لنا قيادة بهذه المواصفات؟

سؤال عريض يحتاج منا جوابا شافيا كافيا، لكن إذا أمعنا النظر جيدا سنجد أن هناك من أجاب عن هذا السؤال، وهو الأستاذ عبد السلام ياسين الذي أجاب عنه منذ أربع عقود، والقارئ لأنتاجاته الأدبية والفكرية والمتأمل في المشروع الذي طرحه تحت عنوان “المدرسة المنهاجية الاحسانية” سيلمس هذا بقوة في كل كتاباته، حيث تحدث عن رؤيته للتربية وأصل لها وقعد قواعدها، ولعل الشعار الذي رفعه “التربية أولا والتربية ثانيا والتربية ثالثا” وذلك بعد خروجه من محنة الحصار الجسدي (الإقامة الإجبارية) ليوضح أهمية التربية.

ويعرف الأستاذ عبد السلام ياسين التربية التربية الإسلامية تخاطب أعمق ما في الإنسان وهو شعوره بالخواء والعبث ما دام بعيدا عن الله. ثم ترفعه في صحبة المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين إلى طلب أسمى غاية وهي وجه الله والاستواء مع أصحاب الميمنة) 7 .

وهذه التربية الإيمانية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوؤه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية 8 .

ويحدد الأستاذ لهذه التربية ثلاثة شروط يراها ضرورية ومهمة:

الشرط الأول: الصحبة والجماعة.

الشرط الثاني: الذكر.

الشرط الثالث: الصدق.

ب) ضرورة المنهاج

إن من أهم الشروط التي تحتاجها القيادة أن يكون لها منهاج تسير عليه وهو ضروري باعتباره جسرا علميا بين الحق في كتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم وبين حياة المسلمين.

والمنهاج ضروري كذلك لكي يجمع الشتات، ويوحد الجهود لجهاد في سبيل الله، ويوحد العقول للفهم عن الله عز وجل، يجمع خلاص الفرد وخلاص الأمة في مشروع متكامل، يجمع العدل والإحسان، ويشمل الدنيا والآخرة، ويؤاخي بين الدعوة والدولة.

ت) – العلم التربوي:

العلم النافع وليس العلم الذي تكدست فيه النقول، وقل الفهم، وانتكست الإرادة، العلم فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده بالإرادة الجهادية. هو ذاك العلم الكلي النافع الذي يثمر لنا:

1- يدلنا على الله ويثمر في قلوبنا ذلك السير الثابت بلا فتور نحو ساحة الشهادة.

2- يعلمنا آليات تنفيذ حكم الله في إقامة الدولة وتسييرها.

2- يعلمنا آليات تنظيم المجتمع وإقامة العدل فيه.

3- يعلمنا تربية وتنظيم جماعة المؤمنين.

4- يعلمنا إدراة شؤون المسلمين إنتاجا وتوزيعا ومعالجة للمعايش.

5- يعلمنا إدارة الاقتصاد ووظائفه.

6- يعلمنا كيفية جعل أمور الأمة شورى بين رجالها من أهل الحل والعقد.

7- يعلمنا تنظيم الاجتهاد لاستنباط أحكام الله من كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لهذا العصر ولهذه الشعوب الموزعة في الأرض.

ج) الرحمة والحكمة

قال الأستاذ عبد السلام ياسين: فالحكمة أن يرتب جند الله علاقاتهم قبل الحكم وبعده مع هذه المعطيات الاجتماعية، وأن يحسنوا تعبئة الجهود، وأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم، وأن يسعوا بعد تولي الحكم إلى إيقاف الأعرابية عند حدها، وتصفية الأمة من عناصر المفسدين في الأرض، بالعدل والرفق) 9 .

وتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين عن الرحمة والحكمة في كتابه مقدمات في المنهاج قائلا:

فأقصد بالرحمة العلاقة القلبية للعبد بربه، وأقصد بالحكمة تصرف العقل، عقل المؤمن المرحوم، أثناء فهمه لشريعة الله عز وجل، وأثناء صياغتها صياغة قابلة للتطبيق، وأثناء السهر على تنفيذ أوامرها والامتناع والزجر عن نواهيها.)الرحمة ما جاء من الله تعالى للعبد هداية كبعث الرسل إليه، والرحمة تعلق القلب بتلك الهداية، والاستمساك بعروتها حتى تنور كيانه ويتمكن في محبة الله عز وجل، تلك المحبة التي تؤدي للعمل والجهاد:)يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم 10 .)أقصد بالحكمة “معرفة الدين والعمل به” كما فسر الكلمة الإمام مالك رحمه الله. قال ابن قتيبة: “الحكمة عند العرب العلم والعمل”. والعلم والعمل آلتهما العقل”.)الرحمة قلبية، والحكمة عقلية راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكن الإنسان من ضبط حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع) 11 .

د) وحدة التصور (الانسجام)

الانسجام شرط أساسي لأي قيادة لأن عملها هو جماعي ومن هنا يستمد هذا الشرط ضرورته وهو ثابت من ثوابت العمل، لكن على أي مستوى يكون الانسجام؟

الانسجام المطلوب من القيادة لابد له أن يحقق مطلبين أساسيين:

– المطلب الأول: وحدة التصور.

– المطلب الثاني: تصافي القلوب (الرابطة القلبية).

ومن أهم شروط الانسجام:

– الجرأة.

– التجرد من النفس. ولا يتحقق هذا الشرط إلا بالصحبة.

و) الاستيعاب للصف

يقول أحمد الراشد: والقيادة من بعد يجب أن تكون سابقة في توفير مناخ العمل للجميع وفقا لتطور كفاياتهم، ونمو آمالهم، وتوسع آفاقهم، وإلا فإن من لم تصرف طاقته في دروب الخير المستقيمة سيبددها في متاهات الشر، أو يجمعها ليعصف بك) 12 .

وما أجمل قول الشاعر:

هو السيل إن واجهته انقدت طوعه *** وتقتاده من جانبيه فيتبع

فأمر الطاقة المعطلة المحبوسة كالفيضان والسيل تمامًا، يكون خيرا لمن عرف شق الجداول للاستفادة منه، وضررًا لمن أهمل، فكل جيل سيل، بيدنا أن نجعله مفيدًا أو نتركه يضر.

واستيعاب الناس يحتاج من القيادة إلى أن تكون حليمة عليهم رفيقة بهم فالناس يمقتون العنف وأصحابه وينفرون من القسوة وأهله وصدق الله العظيم حيث يقول: ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر 13 .

والاستيعاب الذي نقصد هنا هو أربع أنواع:

1- الاستيعاب التربوي .

2- الاستيعاب الفكري.

3- الاستيعاب التنظيمي.

4- الاستيعاب الحركي/الجهادي.


[1] لسان العرب لابن منظور.\
[2] المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين الطبعة الثانية ص 42.\
[3] المنهاج النبوي ص 42.\
[4] صناعة الحياة للأستاذ أحمد الراشد ط. الأولى 1989 ص. 115.\
[5] المنهاج النبوي ص 6.\
[6] كتاب العوائق للأستاذ أحمد الراشد ص11.\
[7] المنهاج النبوي ص13.\
[8] المنهاج النبوي ص 43.\
[9] المنهاج النبوي ص374.\
[10] سورة المائدة الآية 54.\
[11] مقدمات في المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين ص 6.\
[12] كتاب العوائق ص7.\
[13] سورة ال عمران الآية 159.\