لم يكشف الربيع العربي عن حجم الاستبداد الجاثم على هذه الأمة من محيطها إلى خليجها وحسب، بل كشف عن هول سرطان الفساد المستشري في أوصال أوطاننا، فقد تجمعت السلطة والثروة في يد أنظمة الجبر المتسلطة على رقاب الأمة، فأنتجت أسوأ وأبشع أنواع الديكتاتورية والاستبداد، وأسوأ أنواع الحاكمين الذين لا هم لهم إلا تكديس الثروات ونهب المقدرات بشتى الوسائل والأساليب، صفقات مشبوهة وعمولات ورشاوي ومشاريع وهمية وتجارة للمخدرات وتفويت لأملاك الدولة وخوصصة فاشلة، لهذا لم يكن من المفاجئ للشعوب ما كشفته الصحافة وبعض المصادر عن ضخامة هذه الثروات القارونية التي هربها حكام العرب وأقاربهم وحاشيتهم إلى أبناك الغرب وبورصاته قيد حياتهم، ومنها ثروات طائلة في حسابات سرية صار من الصعب استردادها -إن لم يكن مستحيلا- بعد مماتهم.

للأسف نهبوا أموال الأمة في حياتهم وضيعوا أرزاقها بعد مماتهم، خزي مضاعف في الدنيا والآخرة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما.

لم يستثمر هؤلاء الحكام تلك الثرواث الهائلة التي هي في ملك الشعوب أصلا في تنمية بلدانهم وإخراجها من التبعية والتخلف والفقر والهشاشة، بل بذروها على نزواتهم وأنانياتهم ولوثات جنونهم وصراعاتهم دون حسيب ولا رقيب، فأضاعوا على الأمة فرصا كبيرة للتقدم، حكام أنانيون مستحوذون هيمنوا على الاقتصاد وقتلوا روح المنافسة والمبادرة وطردوا الاستثمارات وقلصوا فرص الشغل، وأشاعوا وقعدوا لسياسة التملق والارتشاء وانتهاز الفرص في دواليب القضاء والإدارة والاقتصاد، وقسموا الثروة على أرضية الولاء لا أرضية الجدارة والاستحقاق، فتكونت طبقة طفيلية من مصاصي الدماء شاركت في تفقير الشعوب وأثرت من مآسي الناس وهمومهم.

تركة ثقيلة خلفهتا وتخلفها هذه الأنظمة المتساقطة تباعا لمن يرثها من بعد، تشكل تحديا لضخامتها وتوسع قاعدة المستفيدين وتشابك المصالح، فالاستبداد والفساد وجهان لعملة واحدة، والمعركة ضد الفساد المتراكم أكبر من الحملات الموسمية وأكبر من إجراءات زجرية آنية وإن كانت ضرورية ومطلوبة، المعركة رد مظالم الناس الاقتصادية وإعادة تقسيم عادل للثروة وفق معايير واضحة ودقيقة، المعركة محاسبة الكل من أعلى هرم الدولة إلى أدناه بـمن أين لك هذا)، المعركة إرساء قواعد تنافسية عادلة واقتصاد مفتوح معافى من الرشوة والزبونية وأظرفة ما تحت الطاولة، المعركة نفس طويل لتحقيق شعار: “الشعب يريد إسقاط الاستبداد والفساد”، وأول خطوات إسقاط الفساد محاربة الفاسدين والمفسدين الأصليين لا المشاركين الفرعيين أو العرضيين.