اختارت جماعتنا المباركة شعار “العدل والإحسان” لسمو هاتين الغايتين اللتين ما جاء الإسلام إلا لتحقيقهما. جاء الإسلام ليخرج الإنسان من ظلمات الجهل بالله إلى نور الإيمان والسمو به نحو الإحسان، الذي عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف بحديث جبريل أو حديث الدين بقوله: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك…” 1 . كما جاء الإسلام ليكسر كل أغلال الظلم وينصر المستضعفين وفي مقدمتهم النساء ويعيد لكل ذي حق حقه. بل قرن الإسلام بين العدل والإحسان وجعل المساهمة في تحقيق العدل واجبا على كل مسلم يتشوف لمقام الإحسان.إذ يقول الله عز وجل: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون 2 . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح وهمه غير الله عز وجل فليس من الله في شيء ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم”. من هذا المنطلق نهتم في جماعة العدل والإحسان بقضية المرأة ونناضل من أجل إزالة الحيف والظلم عنها طاعة لله سبحانه وتعالى، وليس تقليدا لموضة معاصرة أو محاولة لاكتساب مصداقية ما في الساحة السياسية. نضالنا السياسي من أجل مناهضة جميع أشكال الظلم ومن أجل نصرة المستضعفين جزء لا يتجزأ من همنا الإحساني ومن مشروعنا التجديدي الذي يروم إحياء سنة الحبيب المصطفى صلى الله، وليس هدفا في حد ذاته. لقد صقل الرسول صلى عليه وسلم برعايته وتوجيهه المستمرين شخصية المسلمين في كنف المحبة والتضامن الأخوي، واستطاع -صلى الله عليه وسلم- بتربيته الرحيمة أن يوقظ الفطرة الغافية لأصحابه، فأصبحت لديهم مشاعر العدل ملازمة لمشاعر الأخوة والمساواة بين الناس، لا فرق بين رجل وامرأة وبين حر وعبد في التكاليف والمسؤوليات والمصير الأخروي. بل إن إعادة الاعتبار للمرأة كانت من بين أولويات الرسالة النبوية الشريفة، واستطاع -صلى الله عليه وسلم- أن يحولها من مخلوق يوأد ويورث إلى كائن مصون الكرامة، ومن كائن لا اعتبار له إلى عنصر مشارك وفعال في مجتمعه. مجهوداتنا من أجل إعادة الاعتبار للمرأة المغربية واسترجاعها لكرامتها ولثقتها في نفسها تدخل في إطار سعينا للتجديد ولإحياء نموذج المجتمع النبوي الفاضل. لماذا لم نعتبر قط أن مدونة الأحوال الشخصية مقدسة أو أنها آخر معقل للشريعة الإسلامية ؟ المدونة ليست مقدسة، لأنها ككل عمل بشري تحتاج مراجعة وتعديلات مستمرة لتجاوز مكامن الضعف والقصور التي يكشف عنها تطبيقها. وهي ليست آخر معقل للشريعة الإسلامية كما يعتقد البعض، لأن القراءة المتأنية المتبصرة تكشف البون الشاسع بين المدونة وسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في مجال العلاقات الأسرية. كيف نقيم هذه المدونة لما نجدها تنص على حق الأب المطلق في تزويج ابنته الصغيرة، بل والرشيدة أيضا إذا خاف عليها العنت، ونكتشف في السنة المجيدة أن الرسول عليه أزكى الصلوات والتسليم خير بكرا زوجها أبوها وهي كارهة ورد نكاح ثيب زوجها أبوها رغما عنها؟ أو لما نجد في المدونة أن الخلع يحتاج للتراضي بين الزوجين وأن على المرأة إرضاء الزوج بتعويض مادي يحدده هو في أغلب الأحيان، وقد يشمل التخلي عن حق الأبناء في النفقة، في حين نجد في السنة أن امرأة ثابت بن قيس شكت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شدة بغضها لزوجها، فقال لها: “أتردين عليه حديقته؟” -وكانت هي مهرها- فقالت: نعم. فأمر الرسول ثابتا أن يأخذ حديقته ولا يزداد 3 ؟ أو لما نجد التعدد يقدم كحق مطلق للرجل ليس للمرأة سوى التسليم به، بينما تعتبره الشريعة حلا استثنائيا لحالات استثنائية وتعطي للمرأة حق رفض التزوج عليها، بل واشتراط الطلاق في حالة تصميم الزوج على تنفيذ عزمه؟ واللائحة تطول… كيف نفسر هذا التباين الصارخ بين السنة النبوية الشريفة وبين مدونة الأحوال الشخصية؟ طيلة عقدين ونيف من الزمن، علم الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته رضي الله عنهم، بالقدوة والنموذج الحي، أن روح الشريعة الإسلامية هي الرحمة والتيسير. والشواهد من السنة على ذلك لا تعد ولا تحصى. روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما”. وسار الخلفاء الراشدون من بعده رضي الله عنهم وأرضاهم على سنته مبشرين لا منفرين، ميسرين لا معسرين، مبتعدين عن التطبيق الجاف والأجوف للشريعة مراعين في تطبيقها ما استجد من الظروف والمشاكل فساهموا في تدشين نهضة علمية ازدهر فيها الاجتهاد. لكن مع ذهاب الخلافة الراشدة ذهبت الشورى، وذهب العدل وذهب الإحسان. وفي ظل استبداد بني أمية أسكتت الأصوات الناهية عن المنكر واغتيل الرأي الحر وسد باب الاجتهاد واصطبغ بصبغة الاضطرار فيما عدا العبادات الفردية من طهارة وصلاة وصيام وحج. وتقلص الفقه في حدود ضيقة لما وقع على العلماء ضغط الحاكم الذي يريد الناس على طاعة لا يخولها له الشرع. فهجر الفقهاء قضايا الحكم، وأخلوا الساحة. فقه الحكم في تراثنا يكاد يكون قاعا صفصفا، وفقه حقوق المرأة تابع. ضاعت حقوقها مع حقوق الكافة. و اليوم، انضافت بلوى العلمانية والتآمر العالمي ضد الإسلام والمسلمين إلى بلوى الأنظمة الجبرية وانحباس علماء الأمة في تقليد يدور في إطار مذهبية ضيقة، مغفلين أن الأمة ورثت عن السلف الصالح ثروة بالغة الأهمية، رغم بعثرتها وتجزيئها، تنتظر من يوظف كنوزها على ضوء الكتاب والسنة؛ وزاد الطين بلة الانتشار الواسع لـ”اجتهادات” حرفية منغلقة فلم تزدد وضعية المرأة إلا تعقيدا وترديا. ألا نتناقض حين ندعي الدفاع عن حقوق المرأة ولا نتحمس لتعديلات اعتبرها البعض “ثورية”؟ عند فحص التعديلات “الثورة” لا نكتشف فقط أنها لا تعدو أن تكون محاولة ترقيعية لمشاكل الأسرة، مقارنة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغياب خيط ناظم واضح يضمن انسجامها مع بعضها البعض، بل ينفضح الارتباك الصارخ في الفلسفة التي صيغت بها تلك التعديلات وترددها بين المرجعية الإسلامية والمواثيق الدولية. إننا نتوقع أن يفاقم قانون الأسرة الجديد المشاكل الأسرية عوض حلها لغياب الاستعداد النفسي الشعبي لتقبلها، بل لا نشك في احتمال بروز ظواهر اجتماعية جديدة نتيجة التحايل والالتفاف على قانون راعى هدف إرضاء الضغوطات الدولية أكثر مما راعى الحاجيات الحقيقية للأسرة المغربية. لكن هذه التعديلات، تدعم من حيث لا تشعر ما أكدته الجماعة مرارا من أنه ليس من الضروري أن ننشده أمام الحضارة الغربية ونخضع للاستلاب الحضاري ونقتنع بخطية التاريخ كي نجد حلولا لأدوائنا. في ظل الواقع الحالي لبلدنا، نعتبر أن من حقنا التحفظ على جدوى هذه التغييرات إذ لدينا اليقين بأن المقاربة القانونية لقضية المرأة لن تكون ذات جدوى في غياب إصلاح سياسي واقتصادي، وفي غياب إصلاح الإدارة والجهاز القضائي الفاسدين، وبدون صياغة منسجمة ومتكاملة لمختلف المدونات والقوانين وضبط وتبسيط المساطر القانونية. ويقيننا أكبر في أن كل هذا لن يكون ذا جدوى دون تربية تحيي القلوب وتعلمنا النظر للعلاقات الإنسانية في بعد هم الآخرة، وتنشئ المجتمع على احترام المرأة وتقديرها وإكبار دورها فيه، وتعرفها بحقوقها وواجباتها وضرورة التوازن بين الواجبات والحقوق. لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التربية لا تتحقق بالقانون وإنما يأتي هذا الأخير لدعم المكتسبات الأخلاقية التي تغرسها التربية في النفوس وترعاها. لكل هذه الاعتبارات، نعتبر أن النقاش الحالي حول ملف المرأة لن يحقق إلا أهدافا سياسية محضة، وتزداد قناعتنا بأن هذا الملف لا يحرك إلا كلما دعت الحاجة لإضفاء الحيوية على المجتمع المدني وبث نفس جديد في المقاولات الحزبية وإعادة الثقة في المؤسسات. هل تركن جماعة العدل والإحسان للسلبية والانتظارية وتكتفي في دعمها لقضية المرأة بانتقادها المستمر لأسلوب التعاطي مع هذا الملف ؟ تحتل قضية المرأة الصدارة في مشروعنا التجديدي كما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما لدورالمرأة من أهمية بالغة في استقرار المجتمع. من خلال جميع مؤسساتنا (الداخلية والجمعوية) وبرامجنا، نتصدى لعمل دؤوب وطويل النفس يسعى لإعادة الاعتبار للمرأة بالتربية على القيم الحقيقية للإسلام، تلك القيم التي لا تقبل بأي نوع من أنواع الاستبداد سواء كان سلطة مطلقة أو استبدادا ذكوريا. نتعلم كيف تدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه رضي الله عنهم برفق وحكمة حتى خفف من النزعة الذكورية التي كانت تطبع المجتمع العربي، وأخذ بيدهم للانتقال من دائرة النفس إلى دائرة العبودية لله سبحانه وتعالى. ونتعلم كيف استطاع ذلك الرعيل الأول أن ينتصر بطاعته لله تعالى على الأنانيات والذهنيات المتجذرة، ثم كيف تولد عن تلك الرعاية النبوية الرحيمة التي قوبلت بطاعة الصحابة الكرام حيوية مجتمعية حررت المرأة في وقت قياسي وأهلتها للترقي من “لا شيء” إلى مواطنة ذات مساهمة كاملة وفعالة في مجتمعها. من خلال برامجنا المتنوعة، نحاول أن نأخذ بيد المرأة التي تربت منذ قرون على أنها مجرد “ولية”: كائن من الدرجة الثانية، كي يصحو وعيها بدورها الحقيقي كامرأة. نسمعها بشارة الوحي فتكتشف أن الله سبحانه وتعالى ساوى بينها وبين الرجل في التكاليف والمسؤولية والجزاء والمصير، وأن التمييز بينها وبين الرجل في بعض التكاليف والأحكام لا ينم عن اختلاف في الطبيعة الإنسانية أو في الكرامة بين الجنسين، وإنما هو مرتبط بخصوصية وظيفتها الأسرية والاجتماعية. ونساعدها بالموازاة مع ذلك على التخلص من قيود الجهل والعطالة عبر ورشات محو الأمية والتأهيل المهني. ثم من خلال ورشات للدراسة والتنظير نحاول المساهمة في المجهودات المباركة التي بدأت ترى النور في بعض بلدان العالم الإسلامي والتي تسعى لقراءة جديدة لنصوص الشريعة بروح السنة النبوية الطاهرة وتحرص على مساهمة العين النسائية في هذا المجهود، حافزنا إيماننا الراسخ بأهمية دور المرأة في حفظ معاني التدرج والصبر واللين والرفق التي تسمعها من الوحي، وفي تلطيف أسلوب الرجال في فقه الدعوة والتغيير، واقتناعنا بأن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها. إننا ندرك حق الإدراك أن ورشات التربية والتنظير تحتاج كثيرا من الصبر والوقت والتدرج كي تعطي ثمارها، وأن المرأة تعانى من مشاكل استعجالية لا يمكن حلها إلا بقوانين تخفف من حدة هشاشة وضعيتها وتوقف النزيف المجتمعي المرتبط بالمشاكل الأسرية. وفي هذا الإطار نسجل مساهمتنا، انطلاقا من موقعنا الاختياري خارج اللعبة السياسية، من خلال جمعياتنا في الحوار حول قانون الأسرة. ونعتبر أن كل تقدم في هذا المجال لا يمكن إلا أن يكون لصالح المرأة لولا المعيقات التي سبق ذكرها. معيقات لن تتجاوز إلا بشرط تحقيق توافق تشارك فيه كل الطاقات الحية والإرادات الشريفة في المجتمع المدني:الميثاق الإسلامي. الميثاق الإسلامي هو الحل إن المشاكل المعقدة التي يتخبط فيها المجتمع المغربي أكبر من أن يحلها تنويع صيغ الانتخابات أو تغييرالتحالفات أو تعدد لجان المراجعة والتعديل للملفات الشائكة… لن يخرج المغرب من ورطته إلا توحد جهود جميع قواه الحية حول ميثاق إسلامي يجعل من بين أولوياته إحياء قيم النزاهة والتضامن والثقة ووالأمانة والصدق والإتقان وحفظ العهد والعدل، تلك القيم السامية التي أضحت اليوم عملة نادرة في مجتمعاتنا المادية والنفعية، والتي بدون ضمانتها لن تكون أي محاولة للإصلاح إلا فاشلة. بل إننا لن نتمكن من مواجهة الغزو السياسي والاقتصادي والثقافي للعولمة، إلا بالتعبئة الشاملة لكل طاقات المجتمع.


[1] رواه مسلم.\
[2] سورة النحل-الآية 90.\
[3] البخاري 6/170 كتاب الطلاق باب (12)\