في مجلس من مجالس أهل العلم يوصي عالم تلاميذه بأن يتحلوا بالحكمة قائلا: إنما أمر الله بالدعوة بالحكمة لا بالعلم في قوله سبحانه وتعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة 1 . ويقصد أن العلم وحده لا يكفي لأجل الدعوة إلى الله، وإلا فإن العلم بما ندعوا إليه وبوسائل تبليغه عين الحكمة.

فإن كنا نبحث عن العالم الذي يقول “لا أدري” ليترك مجالا لاجتهاد جماعي تجتمع فيه أنصاف العلم بما عند كل من صواب ليتكون للأمة ذخر من العلم الجامع) 2 . فإننا نبحث أيضا عن داعية حكيم، لأن الدعوة تحتاج إلى ‘علوم الخطاب والبلاغ’ بقدر ما تحتاج إلى ‘علوم الصمت’ حتى لا تقول إلا الحق ولو سكتت مرحليا عن بعض الباطل) 3 .

يقول الله عز وجل: يوتي الحكمة من يشاء، ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا 4 . قال قتادة: الحكمة: القرآن، والفقه في القرآن). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المعرفة بالقرآن؛ ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله). وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: قراءة القرآن، والفكرة فيه). وقال البغوي: وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمة).

وقال قتادة أيضا: الحكمة: السنة). وقال مجاهد: ليست النبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن). وقيل: العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور).

وقال أبو العالية: الحكمة: الخشية).

وقال أبو فارس: الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم).

وقيل الحكمة في اللغة: العلم مع العمل، وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة، وقيل: الحكمة هي الكلام المقول المصون عن الحشو. وقيل: وضع الشيء في موضعه) 5 .

والحكمة إحكام الأمور، وهو أن يعمل أعماله بحيث لا يدخلها آفة، وإحكام الأمور الأخذ بالأحوط والأوثق، ومن أراد الأخذ بالأوثق والأحوط عمل على المخافة أكثر مما يعمل على الرجاء، فكأنه يحاسب نفسه على كل خطوة ونظرة ويطلبها بحق الله.

والحكمة منع النفس عن شهواتها، يقال للحديدة التي تكون في فم الدابة من اللجام محكمة؛ لأنها هي الواقفة بالدابة والممسكة لها فسميت الحكمة لملك النفس، والاستيلاء عليها، والقدرة على ضبطها، والموافقة بها عند شبهات الأمور ومشكلات الأحوال، وعن الانهماك في المعاصي والتوسع في الشهوات، ومخافة الله أوكد أسباب المنع للنفس، والكف لها عن الشهوات والوقف بها على مراشد الأمور، فكذلك كانت عدم مخالفة الله رأس الحكمة) 6 .

ولذلك كانت “الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها” 7 . وكان لا حسد إلا لرجلين أحدهما: “رجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها” 8 . ولأجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضم عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما إلى صدره ويقول: “اللهم علمه الحكمة” 9 . وكان صلى الله عليه وسلم يقول: “نعم الهدية الكلمة من كلام الحكمة يسمعها الرجل المؤمن فيلتوي عليها حتى يؤديها لأخيه المسلم” 10 . و“مثل الذي يجلس يسمع الحكمة ولا يحدث عن صاحبه إلا بشر ما يسمع كمثل رجل أتى راعيا فقال: يا راعي أجزرني شاة من غنمك، قال: اذهب فخذ بأذن خير شاة، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم” 11 . وإن الحكمة تزيد الشريف شرفا) 12 . ومن أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) 13 . فتنطق في قلوب العارفين بلسان التصديق، وفي قلوب الزاهدين بلسان التفضيل، وفي قلوب العباد بلسان التوفيق، وفي قلوب المريدين بلسان التفكر، وفي قلوب العلماء بلسان التذكر) 14 .

ويندرج تحت فضيلة الحكمة حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وصواب الظن. أما حسن التدبير فهو جودة الرؤية في استنباط ما هو الأصلح والأفضل في تحصيل الخيرات العظيمة والغايات الشريفة مما يتعلق بك أو تشير به على غيرك في تدبير منزل أو مدينة أو مقاومة عدو ودفع شر، وبالجملة في كل أمر متفاقم خطير، فإن كان الأمر هيناً حقيراً سمي كيساً ولم يسمى تدبيراً. وأما جودة الذهن فهو القدرة على صواب الحكم عند اشتباه الآراء وثوران النزاع فيها. وأما نقابة الرأي فهو سرعة الوقوف على الأسباب الموصلة في الأمور إلى العواقب المحمودة، وأما صواب الظن فهو موافقة الحق لما تقتضيه المشاهدات من غير استعانة بتأمل الأدلة) 15 .

والحكمة حكمتان: علمية وعملية. فالعلمية: الاطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقا وأمرا وقدرا وشرعا. والعملية كما قال صاحب المنازل: وهي وضع الشيء في موضعه).

قال: وهي على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حده ولا تعجله عن وقته ولا تؤخره عنه.)الدرجة الثانية: أن تشهد نظر الله في وعده وتعرف عدله في حكمه وتلحظ بره في منعه.)الدرجة الثالثة: أن تبلغ في استدلالك البصيرة، وفي إرشادك الحقيقة، وفي إشاراتك الغاية).

والحكمة جملة فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي) 16 .

ويقول المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله: أقصد بالرحمة العلاقة القلبية للعبد بربه، وأقصد بالحكمة تصرف العقل، عقل المؤمن المرحوم، أثناء فهمه لشريعة الله عز وجل، وأثناء صياغتها صياغة قابلة للتطبيق، وأثناء السهر على تنفيذ أوامرها والامتناع والزجر عن نواهيها).

أقصد بالحكمة “معرفة الدين والعمل به” كما فسر الكلمة الإمام مالك رحمه الله. قال ابن قتيبة: “الحكمة عند العرب العلم والعمل”. والعلم والعمل آلتهما العقل. فإما عقل مصدر معرفته التجربة البشرية والتخمين الفلسفي وذاك عقل مشترك بين البشر. وإما عقل يتلقى عن القلب رحمة الإيمان وهداية الوحي، ثم ينصرف إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى في الكون، لا غنى له عن التجربة والفحص، فذاك عقل الحكمة).

والحكمة عقلية راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكن الإنسان من ضبط حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع) 17 .


[1] سورة النحل، الآية 125.\
[2] الأستاذ عبد السلام ياسين، الإحسان، ج2، ص331.\
[3] الأستاذ عبد السلام ياسين، الإحسان، ج2، ص330.\
[4] سورة البقرة، الآية 269.\
[5] التعريفات للجرجاني، الحكمة.\
[6] الكلاباذي، بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار ، شرح حديث رأس الحكمة مخافة الله.\
[7] رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا.\
[8] في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا.\
[9] رواه البخاري عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما.\
[10] مسند الشهاب القضاعي/الزهد والرقائق لابن المبارك.\
[11] رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[12] ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن أنس ابن مالك رضي الله عنه.\
[13] جامع الأصول لابن الأثير عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه.\
[14] قول لمنصور بن عمار، طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمي.\
[15] أبي حامد الغزالي، ميزان العمل / بيان ما يندرج تحت فضيلة الحكمة، ص 36.\
[16] ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين، ضبط وتحقيق: رضوان جامع رضوان، مؤسسة مختار للنشر والتوزيع. ج2 ص188.\
[17] الأستاذ عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج، الطبعة الثانية: 1995،الناشر: دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية. ص 18.\