رابعا: العلماء وثمن المواجهة

1- دوروا مع الكتاب

يصل الاستبداد بالحكام إلى قتل العلماء وسجنهم وتعذيبهم وحصارهم ونفيهم واضطهاد أتباعهم وأنصارهم، كما فُعل بسيدنا الحسين ومن معه من أسرة آل البيت ومن والاهم وبأئمة المذاهب الأربعة وسعيد ابن جبير وابن تيمية وعبد الكبير الكتاني وباقر الصدر وحسن البنا وسيد قطب وعبد السلام ياسين وغيرهم بلا حصر…

بعض العلماء غفر الله لهم وهداهم لُقنوا بأن يقولوا للناس أن تخصُّصهم لا علاقة له بشؤون الأمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية والإعلامية وأنَّ تدخلهم في تلك الأمور يعد بدعة وتجاوزا للحدود وخوضا في ما لا يعني !!!

سبحان الله ! ومتى كان الإسلام كهنوتا ومتى كان رجاله رجال كهنوت يدَعون ما لقيصر لقيصر وما لله لله؟ متى كان القرآن كتاب كهانة وتبرك؟ ومتى كان المسجد دير رهبان؟ إن الإسلام دين الدعوة والدولة يعتبر أن قيصر وما لقيصر وأتباع قيصر لله الذي له ما ومن في السماوات والأرض. ومقياس الصلاح شريعة الله لا أهواء قيصر ومصالحه الدنيوية. نعم علماء الإسلام عُباد زُهاد لكنهم قادة الجهاد وعُمار البلاد. يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويصلحون ما أفسد الناس بالرحمة والحكمة والعدل.

و لا يظن عاقل أن الرسالة النبوية للعلماء مسالمة كلها، مداهنة رخيصة، تبعية عمياء، مقياس أدائها رضا الحكام عنها، ولا يظن أن تخصص العلماء هو الدفاع عن هذا النظام السياسي أو ذاك، إنما هم نبراس للحق بالحق يستضاء به، قال صلى الله عليه وسلم: “ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم” 1

قد يُفرض على العلماء أن يختاروا بين خيار العصيان للحكام وبين الضلال في إتباعهم. كما هو الأمر في زمننا هذا قبل سطوع شمس الخلافة الثانية إن شاء الله تعالى.

من علمائنا الأتقياء ممن اختار الطريق السهل، طريق الطاعم الكاسي الذي هاله إفساد الحكام وطغيانهم ولم يمانع نفسه لمجاهدتهم والنصح لهم، ففضل السكوت والابتعاد، بل دعا إلى درء الاهتمام بما يُفقد النفس راحتها، يقول ابن الجوزي رحمه الله: ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزا ولا شرفا ولا راحة ولا سلامة أفضل من العزلة) 2 ، يقصد الابتعاد عن السلاطين، حتى يتحرر العلم من نزوة الحكم وحب الرئاسة وسم الأعطيات وفقه التبرير. ولعل هذا ما يقصده بقوله أيضا: قبول المنن مما تأباه الهمة العالية.) 3

2- نماذج الاقتداء والاهتداء

لم يخل تاريخنا الإسلامي من منارات يسترشد بها في الطريق، وعلامات يستهدى بها في الضلال، ونماذج يقتدي بها في الفتن، علماء ربانيين هالهم ما فعل الحكام بالأمة المسلمة فصدعوا بكلمة الحق في وجوههم، وتحلموا تبعات الكلمة الحرة المسؤولة، ونذكر منهم بإيجاز:

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة -درس من التاريخ- (1)

– الإمام مالك: حيث ضُرب رضي الله سبعين سوطاً بأمر من ابن عمّ الملك أبي جعفر المنصور، فقط لأنه تحدث بحديثٍ مَنعَ المنصور التحدثَ به وهو: ليس على مستكره طلاق)، إذ فهم منه المسلمون بطلان بيعة الإكراه. وأصرّ الإمام مالك رحمه الله على التّحدّث بالحديث: “ليس على مستكره طلاق” رغم أنّه مُنع من ذلك من قِبل الملك الظالم بحجّة تحريض المسلمين على نقض البيعة، فلم يكترث الإمام وإن علقوه في باب الكعبة وأشبعوه ضربا حتى خُلعت كتفه.

– أبو حنيفة النعمان: ردّ الإمام أبو حنيفة رحمه الله هديّة أبي جعفر المنصور المتمثّلة في عشرة آلاف درهم وجارية، وهو يعلم ما معنى معارضة إرادة الحكام الجبابرة، كما أعرض عن رئاسة القضاة في دولته دون خوف أو استكانة… وقال عنه ابن العماد في “شذرات الذهب”: وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة، والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة؛ بل ينفق ويؤثر من كسبه).

– الإمام أحمد: وسجن الإمام أحمد رضي اله عنه ثمانية وعشرين شهراً، وتعاون على جلده مائة وخمسون جلاّداً إلى أن غاب عن الوعي، ومكث في السجن أربع عشرة سنة تحث التعذيب والتنكيل ظلما وعدوانا، فقط لأنه خالف رغبة الملك المامون المتواطئ مع المعتزلة. وصمد الإمام كالجبل الراسي مثالا للثبات والرجولة والاستقامة.

– سعيد بن المُسيّب: وقد امتنع سيّد التّابعين سعيد بن المسيّب رحمه الله عن تزويج ابنته للوليد بن عبد الملك رغم ما يعلم من بطش عبد الملك بن مروان، كما امتنع عن بيعة الوليد وسليمان، وهو غير مبال بما قد يجلب عليه هذا الفعل من البأس والأذى. وروي عنه رضي الله عنه أنه كان يقول: ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله، ودُعي إلى نيِّف وثلاثين ألفا ليأخذها فقال لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان، حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم) 4 ، وكان يقول رحمه الله: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة، إلا بإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم) 5 .

– سعيد بن جُبير: تحدّى الإمام سعيد بن جبير رحمه الله الطاغية السفاك الحجّاج بن يوسف الثقفي، أمير عبد الملك بن مروان، وهو يعلم فسقه وظلمه وفجوره، فحاججه بثبات وحاقه بقوة ولم ينبطح لجبروته ولم يسأله العفو. فقُتِل رضي الله عنه مظلوما، لكنه في أعلى عليين بقوله كلمة حق في وجه سلطان جائر.

طالع أيضا  رسالة العلماء في الإسلام بين الواجب والواقع 4/1

– سفيان الثوري : بلغ صلف الملوك إلى تعقب آثار العلماء الكبار وتخصيص جوائز كبرى لمن يقضي عليهم (بالكيد أو القتل…)، فيُحكى أن سفيان الثوري رضي الله عنه عاش مضطهدا من طرف ملوك بني العباس (أبو جعفر المنصور وبعده المهدي) إلى درجة أن الملك المهدي كلف من ينادي في الأسواق بحثا عن أمير المؤمنين في علم الحديث سفيان ليعذبه ويُنكِّل به أو ليركع له مع الراكعين. لكن أنََّى لأمثال سفيان أن يُقعقع لهم بالشنان؟ وهو الذي كان ينشد:ما ضرَّ من كانت الفردوس مسكنه *** ماذا تجرع من بؤس وافتقاروبقي متخفيا مضطهدا متابعا إلى أن توفي رحمه الله بالبصرة ودُفن ليلا ومُنع الناس ليس فقط من حضور مجالسه بل حتى من حضور جنازته.

رثاه أبو زيد الفقيمي بقوله:لقد مات “سفيان” حميدا مبرزا *** على كل قار هجنته المطامع
جعلتم فداء للذي صان دينه *** وفر به حتى حوته المضاجع
على غير ذنب كان إلا تنزها *** عن الناس حتى أدركته المصارع
بعيدا من أبواب الملوك مجانبا *** وإن طلبوه لم تنله الأصابع
على مثله تبكي العيون لفقده *** على واصل الأرحام والخلق واسع
6 – العز بن عبد السلام : لما قرر العز بن عبد السلام رحمه الله الهجرة إلى مصر سنة 638هـ تعاطف معه المسلمون في دمشق وشق عليهم خروجه، فبعث إليه السلطان أحد وزرائه فلحق به في نابلس، وطلب منه العودة إلى دمشق فرفض، فقال له الوزير: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وإلى ما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان وتعتذر إليه وتقبل يده لا غير، فقال العز في عزة وإباء لم يعد لهما نظير من علمائنا –اٍلآن- إلا من رحم الله: والله يا مسكين ما أرضى أن يقبل السلطان يدي فضلاً عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، فقال له الوزير: قد أمرني السلطان بذلك، فإما أن تقبله وإلا اعتقلتك، فقال: افعلوا ما بدا لكم!!). واعتقله جنود السلطان في نابلس وظل في سجنه حتى جاءت جنود مصر وخلصته من الاعتقال 7 .

طالع أيضا  فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة –درس من التاريخ– (5)

– وفي المغرب علماء أكابر واجهوا الظلم بشجاعة الصادقين المقتحمين، أمثال أبو زكريا يحيى الحاحي، وعبد الكبير الكتاني والحسن اليوسي وعبد السلام ياسين… وقبلهم وبعدهم ومعهم علماء ودعاة ورجال ونساء نصحوا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فمنهم من سجن، ومنهم نُفي، ومنهم من صودرت أملاكه وعُذب ثم قُتل، ومنهم من نُعت بالجنون فأودع مستشفى المجانين… منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


[1] رواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.\
[2] ابن الجوزي في صيد الخاطر ص153.\
[3] ابن الجوزي في صيد الخاطر ص158.\
[4] الشيخ محمد سليمان، من أخلاق العلماء، المطبعة السلفية، القاهرة 1353هـ، 1934م، ص88.\
[5] الشيخ محمد سليمان، من أخلاق العلماء، المطبعة السلفية، القاهرة 1353هـ، 1934م، ص105.\
[6] قار: فقير.

أئمة الحديث النبوي، محمد قطب، الدار الثقافية للنشر، ط1، 2002، القاهرة، مصر، ص11.\

[7] مقال عن العز بن عبد السلام للأستاذ محمد ديرا نُشر بموقع الجماعة بتاريخ (24/06/2008).\