إن مرحلة الطفولة هي من أهم و أدق مراحل النمو الإنساني، ذلك أن ما يأخذه الإنسان في هذه المرحلة غالبا ما يؤثر في طبعه وسلوكه في مراحل حياته الأولى، وقديما قيل: من شب على شيء شاب عليه)، وقد بسط الفيلسوف الإسلامي ابن سينا – رحمه الله – نظريته فيما يخص هذه المرحلة حيث قال: إذا فطم الصبي عن الرضاع بدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة، فإن الصبي تتبادر له مساوئ الأخلاق، فما تمكن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطيع له مفارقة) 1 .

ومجمل الدراسات والأبحاث الاجتماعية والنفسية المتعلقة بالطفل تؤكد على أن البيئة المحيطة بالطفل هي التي ترسم طباعه وتحدد سلوكه، وقد سبق لهذه النتيجة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “”ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها”، قالوا: يا رسول الله: أفرأيت من يموت وهو صغير، قال: “الله أعلم بما كانوا عاملين”” 2 .

إن من أضخم مكونات البيئة التي ينشأ فيه الطفل في عصرنا هذا وسائل الإعلام وخاصة جهاز التلفاز والحاسوب، حيث أشارت إحدى الدراسات إلى أن الأطفال يقضون في مشاهدة التلفاز وقتا أطول مما يقضونه في المدارس 3 ؛ خاصة في العطل.

والخطر ليس في المشاهدة ذاتها بقدر ما هو في مضمون ومحتوى ما يشاهده هؤلاء الأطفال، فهناك علاقة وطيدة جدا بين ما يعرض في وسائل الإعلام من أفلام العنف والجنس والعصيان، وبين انحراف الصغار، فعلى سبيل المثال أثبتت الدراسات الميدانية أن الإدمان على مشاهدة الأفلام المنحطة تمثل 13.3 % من العوامل المؤدية لانحراف الأحداث في المغرب 4 .

وجاء في تقرير الهيئة الصحية العالمية – على لسان أحد القضاة الفرنسيين العاملين في الميدان – عن انحراف الأطفال ما يلي: لا يخالجني أي تردد أن لبعض الأفلام وخاصة الأفلام البوليسية والمثيرة معظم الأثر الضارة على غالبية حالات الأحداث المنحرفين) 5 .

إن نظرة استقرائية للبرامج المخصصة للأطفال في القنوات العربية نموذجا، توصلنا إلى معرفة حقيقة التربية التي يتلقاها الطفل، والتي تنافي المنهج القويم، فالمسلسلات المكسيكية والتركية والإسبانية المدبلجة والمصرية… وحروب الفضاء التي تتحدث عن الكون غير محكوم بالقدرة الإلهية، والرسوم الكارتونية العنيفة، زيادة على الإشهارات التجارية وغير ذلك من البرامج التي لا تنمي في الطفل إلا العصيان والعنف والجريمة، هذا بالإضافة إلى أن الطفل أصبح مدمنا حتى على البرامج المخصصة للكبار والتي تفوق سابقتها خطورة وقبحا، حيث تؤجج فيه الشهوة الجنسية قبل أوانها، وتمجد له الإجرام، والسلوك المنافي للإسلام، وما يترتب على ذلك من خلل رهيب في القيم الاجتماعية. فهذا “الدكتور سبوك” يصف لنا شعوره وهو يرى طفله يقع ضحية وسائل الإعلام، يقول: أكاد أقع في براثن الرعب عندما أسمع أغنية ليست عاطفية ولكنها تعبر عن جوع جنسي حاد، وتؤديه مغنية بأسلوب المحترفات، وأخشى أن تلتقط أذن طفلي هذه الأغنية) 6 .

ويقول أيضا: أكاد أحطم جهاز التلفزيون أحيانا لأعبر عن ثورتي وضيقي عندما أرى طفلي مشدودا أمام مشهد غرامي حاد يعتدي على بكرة طفولته) 7 .

إن كل تأثير خارجي لا يوافق درجة التطور الداخلي للفرد ولا يوافق إمكانيته الطبيعية يؤدي إلى خلل قوي، فالطفل لا يمكن له إلا أن يتبلبل أمام تصرفات تبدو وكأنها تدعوه إلى أن يلعب دور الممثل قبل الأوان، حينئذ يردد شعور عاطفي غالبا ما يكون سيئ التمييز حيث يمتزج الخوف والجذب والذنب. وهكذا ينخرط الولد قبل الأوان في عالم لم يهيأ له بعد، وقد يتوقف أحيانا عن تطوره ويجبره على التراجع، وقد تحدث له أعراض مختلفة في حياته الجنسية) 8 .

إن ما نراه من ضياع وتدمر أطفال الأمة الإسلامية، يعود إلى ما تروج له وسائل الإعلام المنحرفة، كما يعود من جهة أخرى إلى استخفاف الأسرة بمسؤوليتها تجاه أطفالها، فالأبوان اللذان يسمحان لأولادهم بمشاهدة بالبرامج الهادمة والقنوات الماجنة واستعمال الانترنيت دون رقابة وممارسة الألعاب الالكترونية والإدمان عليها… والأبوان اللذان يسمحان لأولادهم أن يشاهدوا الأفلام المسلسلات الغرامية التي توجه إلى الميوعة والانحلال وأفلام (الأكشن) التي تحض على الانحراف والإجرام، وهي بتأثيرها تفسد الكبار فضلا عن الصغار، لاشك أن الأولاد سيفقدون في نفوسهم أنبل معاني الرجولة والنخوة والأدب الإسلامي الكريم، وبالتالي تكون القيم الفطرية مهددة. ولا شك أن هذين الأبوين يقذفان بأولادهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون إلى هاوية سحيقة ستؤدي إلى ما لا يحمد عقباه؛ وآنداك لا ينفع الندم.

وحتى تتحمل الدولة مسؤوليتها في الرقابة والصناعة الإعلامية، فإن معاملة الآباء مع أطفالهم ورعايته فلذات أكبادهم ينبغي أن تطبعها جدية ومسؤولية تنطلق أساسا من استشعار مآلات المعاملة والقيم التي يتم تلقينها لهم، التي أساسها المسؤولية والأمانة. فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: “”كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله، والمرأة راعية في بيت زوجها، والخادم في مال سيده”، سمعت هؤلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “والرجل في مال أبيه”” 9 .

ومهما بلغ حجم الدعوة إلى استعمال التقنيات الحديثة والبرامج الإعلامية للمساعدة في تربية النشئ فإن على الأسرة أن تتحرى الأمانة في اختيار البرامج والأنظمة التقنية المناسبة التي تحمي فطرة الطفل، وأن تضطلع بمسؤوليتها كاملة في تقدير حدود الانفتاح والتوجيه والرقابة لتحقيق التوازن بين ما هو أصيل في النفس البشرية وما هو حكمة يفرض علينا واقعنا الأخذ بها.

كما أن مراقبة البرامج الإعلامية التي يشاهدها الطفل يجب أن تمنع ما يتعارض مع المثل والقيم الدينية والدنيوية.

وهكذا تكون وسائل الإعلام مطوعة للحفاظ على الموروث الحضاري للأمة، وتضيف إليه كل جاد ونافع بطرق فعالة تستولي على العقول وتحول دون استلاب ثقافي إعلامي يهيمن على الطفل، ويدخل عليه بما يخالف دينه وقيمه وتقاليد بيئته ونشأته وعقيدته، وبذلك تكون وسائل الإعلام مؤثرة إيجابًا في تكوين اتجاهات الطفل وميوله وقيمه ونمط شخصيته، بما يعكس التميز والتنوع الإسلامي الثقافي والحضاري حتى لا نكون أمة متفرجة في الصفوف الأخيرة، أمة قد تضحك من جهلها الأمم؛ لا قدر الله. فالأطفال إن صلحوا هم عماد الأمة في المستقبل إن شاء الله تعالى.


[1] نقلاً عن مجلة الإرشاد، مقال: “مراحل تكوين الطفل في الإسلام” للأستاذ محمد العرائشي. ع:2 ص 33.\
[2] أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين. رقم الحديث: 6140.\
[3] الأسرة المسلمة في العالم المعاصر – ذ. يوسف علي بديوي، ذ. احمد خليل جمعة. ص: 348.\
[4] ظاهرة انحراف الأحداث (دراسة اجتماعية للطفولة في المغرب). ذ. إدريس الكتاني. ص: 137.\
[5] الجريمة والعلم، انحراف الأحداث – ذ. سعد المغربي. ص: 166.\
[6] الأسرة العربية في وجه التحديات والمتغيرات المعاصرة، ذ. حسن حسن سليمان – ص: 72.\
[7] المرجع نفسه. ص: 73.\
[8] شباب بلا مشاكل. د. أكرم رضا. ص: 88.\
[9] أخرجه البخاري في الأدب المفرد بَابُ: الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ. رقم الحديث: 207.\