1. لماذا الحديث عن الثورة السورية؟

وصلت الثورة السورية إلى مرحلة دقيقة في مسار تحررها من قبضة الحزب الواحد، الذي حولته عوامل التعرية التاريخية إلى قبضة العائلة الوحيدة، وهو نفس نمط الحكم في كل البلاد العربية قبل الربيع العربي، ذلك أن سورية الآن بين خيارات صعبة تحكمها قاعدة “أخف الضررين”؛ فحجم المأساة ودرجة تعقد البعد الإقليمي/الدولي جعلتا الشعب المنتفض والمعارضة السياسية غير المؤهلة لقيادة “الثورة”، نتيجة العنف والتمزيق التي مارسه عليها النظام السوري طيلة عقود من الزمن، في وضعية سياسية وإنسانية مهددة بالانهيار الشامل.

لقد كان عنف النظام السياسي الذي ازداد شراسة قبل مهزلة التصويت على الدستور عاملا مهما في رفع منسوب الضغط الدولي والشعبي العربي والإسلامي، الذي سيشكل الذراع الخارجي “للثورة” مقابل الذراع الداخلي المتجلي في الحراك الشعبي والعسكري، الذي سيحرم النظام من لحظة الحسم مع الانتفاضة التي بدأت تغطي كل التراب السوري. وهو ما يؤكد على أن الانتفاضة إذا استندت على درجة مهمة من الوعي بالقضية واستطاعت أن تحرك أكبر مستوى من قوى المجتمع، ولو عبر مراحل، فلاشك أنها ستنجز هدفها المباشر المتجلي في “إسقاط النظام السياسي”، ولذلك تضعنا الحالة السورية أمام تجربة وآثار هامة للثورة بعامل التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة؛ سواء المتوافقة مع بعض أهدافها أو المتعارضة معها، ولذلك إذا سقط النظام السوري مع الحفاظ على وحدة سوريا فلاشك أن الأمة العربية والإسلامية ستنفتح على أفق جديد لا مكان فيه لأي نظام سياسي مبني على منطق التوريث وحكم العائلة، بما في ذلك حكم العائلات المساندة للثورة السورية اليوم.

إن انهيار النظام السوري مع الحفاظ على سوريا الموحدة مرحلة حاسمة في سقوط كل أنظمة الفساد والترف في عالمنا العربي والإسلامي. والله وحده العليم بزمن وسرعة هذا السقوط، لكن الواضح أن أمتنا دخلت على خط التخلص من أنظمة سياسية قائمة على الاستبداد والتوريث الذي يشكل مصدر كل مآسينا القديمة والحديثة، ذلك أن الشعب السوري لن يفرز من خلال انتفاضته إلا قيادة خادمة للقضية الفلسطينية التي سيتحسن موقعها بشكل جيد ضمن حراك قوى المجتمعات العربية والإسلامية، وهو ما سيحسن موقع المقاومة الفلسطينية ضمن المنظومة الدولية لأنها ستخرج من مرحلة الاحتضان الشعبي العام إلا مرحلة الاحتضان الشعبي والرسمي معا. ولاشك أن لهذا الوضع أثره البالغ على الكيان الصهيوني حيث ستدخل المنطقة في مرحلة تاريخية، تتميز بالتقوقع السريع لهذا الكيان وانفتاح الأمة على أفق تحريري وتحرري، يعيد الواقع الدولي إلى توازنات في غير صالح الأنظمة التي لم تفرزها صناديق الاقتراع.

2. ما بين هدم الدولة والسلطة وهدم النظام السياسي

تشكل الدولة والسلطة مكسبين عظيمين للإنسانية في مسارها الكفاحي ضد الفوضى والهرج والمرج، لكن ما هيمن كثيرا على هذين المكسبين الكبيرين تسلط أنظمة سياسية استبدادية قامعة لكل الحريات الفردية والجماعية، بل في حالات بشعة تصبح الدولة والسلطة حينما تُملآن بنمط من أنظمة سياسية لا تعرف طريقا لأي معنى إنساني، من حيث هوياتها ومرجعياتها وأهدافها ومقاصدها، أدوات قابضة على أنفاس الناس وجاثمة على أرواحهم وموظفة لهم في سياقات أقل ما يقال عنها أنها نزوات شخصانية مرضية لا علاج لها إلا زوالها.

ومن هنا تتنوع أشكال الاحتجاج بين الظهور والخفوت في المجتمعات المحكومة بهذه الأنظمة إلى أن تصل إلى مستوى من الوعي بحتمية الانتفاضة والثورة؛ ساعتها يكون الثمن باهظا لأجل التخلص من هذه القبضة الشاملة، الأمر الذي يجعل مستويات التفكير واتجاهاته ومنطلقاته تختلف حول مسارات وخيارات إنجاز عملية التحرير وقيام واقع الحرية للإنسان والمجتمع.

وما يمكن تقريه هنا أن القبضة الشاملة والكلية لا يتم التخلص منها إلا من خلال حركة كلية تستند على مشروع شامل تمر من مراحل التعبئة والبناء حتى اكتمال ظروف إنجاز نظام سياسي كبير بديل يجعل من الدولة والسلطة أدوات خادمة للحرية من حيث قيام كمال تحقيقها والحفاظ عليها.

إن أفق التغيير المنشود في هذا المجتمع أو ذاك يكون مشدودا إلى أية عملية من الهدم تروم حركة التغيير إنجازها. ولا شك أن نمط العملية مرتبط بدرجة تحول الدولة والسلطة من أدوات إكمال الحريات والحفاظ عليها وتنميتها إلى ماهية النظام السياسي الاستبدادي الذي لا ينفك يتحول إلى مصدر فساد شامل ناخر لكل مفاصل الحياة الفردية والجماعية حيث تصبح الانتفاضة العامة والثورة حتمية ساعتها.

فكلما توسع الفساد واستشرى في المجتمع تتقلص دائرة الحكم إلا أن تصبح في حدود العائلة والمتحالفين معها، وهنا تتقلص قيمة الدولة والسلطة إلى أن تصبح بيد أفراد عائلة محتكرين للدولة والسلطة والثروة ومصادرها، إلى أن تصل في صور عديدة إلى حالة تحول معنى الدولة إلى معنى العصابة. وهي الصورة التي عاشتها أغلب الدول العربية إن لم نقل كلها. ولذلك تهاوت أنظمة بطريقة فجائية لما استهدفتها مباشرة حركات التغيير الشعبية في زمن تواصل اجتماعي كثيف وهائل. ومن ثمة، فحينما تتوحد ماهية الدولة والسلطة وتصبح ذات طبيعة استبدادية فاسدة كليا يصبح التفكير السياسي التغييري أمام ثلاثة خيارات:

الأول: الحفاظ على الأمر الواقع والعمل على ترميمه أو إصلاحه مع بقاء كليات وأصول النظام السياسي رغم استبداده وفساده نظرا لتجدره إلى حد حجب عن هذا التفكير إمكانية التغيير. وغالبا مع تجعل حالة تماهي الدولة والسلطة مع حالة النظام السياسي الاستبدادي الفاسد هذا التفكير يستند إلى منطق تبريري حيث يفضل عدم الانهيار الشامل للدولة والسلطة والمجتمع على حصوله.

ولاشك أن هذا راجع إلى القصور الذي يصيب هذا النمط من التفكير السياسي عند تصديه لقضية التحرير والتغيير والإصلاح التي تحدد درجةَ تعقدها درجةُ التماهي بين النظام السياسي والدولة والسلطة وامتلاك الثروة.

الثاني: الرهان على إنجاز عملية هدم كلي، على الرغم مما تصحبه من خسائر هائلة، نظرا لسرعة الهدم الشامل (العراق….)

ولاشك أن مستند التفكير السياسي الذي يروم تحقيق هذه العملية يتميز بميزتين أساسيتين؛ الأولى ضيق الأفق، ولذلك غالبا ما يستعين بالخارج دون تدقيق في مستوى الدعم الخارجي وطبيعته(العراق …)، والثانية ل ايستطيع التخلص من العنف. ولذلك إما أن هذه العملية تفضي إلى احتلال واستعمار واستنزاف للخيرات والخبرات الوطنية، أو إلى سيادة حالة من العنف السياسي والمجتمعي مدة طويلة داخل المجتمع. وهو ما يكشف على أن الرهان على الانهيار الكلي مفسدة عظيمة تحتاج إلى اجتهاد مبني على أفق فكري سياسي قوي يرجحها في الوقت المناسب كخيار وحيد وشر لابد منه.

وفي الحالة السورية نرى خطابا يتميز بدرجة كبيرة من الغرابة لما نجد قيادات النظام السياسي وكثيرا من إعلامييه، وكذلك إعلام حزب الله اللبناني ومن في فلكهما، حيث يرجحون انهيار الدولة والسلطة والحفاظ على النظام السياسي استنادا على مبررات لا يمكن انتسابها إلى عمق التفكير المقاوم للمشروع الصهيوني الصليبي الاستعماري التوسعي الذي يحرص على اختراق المنطقة بشكل أخطبوطي وساحق، ذلك أن مطلب الحرية لايمكن إلغاؤه بمبرر مساندة المقاومة التي تروم بطبيعتها تحقيق واقع الحرية والحفاظ عليه. فليس الشعب السوري مقاوما لأن حزب البعث يقود فيه الدولة والمجتمع، بل دوما لا تكون الشعوب إلا مع حق الحرية، وهو ما أكدته انتفاضة الشعبين التونسي والمصري حيث قدما نموذجين عظيمين للمقاومة وإن قادتهما أنظمة سياسية عميلة فاسدة ومستبدة عقودا من الزمن.

إن معادلة مساندة المقاومة بدلا من الحرية للشعب تضع الثورة الإيرانية اليوم وحزب الله في حرج كبير، لأن انهيار المجتمع والدولة والحفاظ على نظام عائلة بمبرر مساندته للمقاومة متهاو أمام إصرار الشعب السوري على حريته الكاملة. ولن تكون المقاومة منتصرة ما لم تكن محتضنة من الشعوب لا من الأنظمة، خاصة الأنظمة الاستبدادية المنغلقة.

الثالث: إنجاز التغيير الذي يطهر أداتي الدولة والسلطة من كل قيم الأنظمة الاستبدادية ويحافظ عليهما كركائز قيام المجتمع وتنظيم كل تفاصيل شأنه العام والخاص، ليتم الانتقال إلى مرحة تطهير المجتمع من كل تركات استبداد وفساد النظام السياسي السابق. ومن هنا تكون حركات التغيير محتاجة إلى تصور واضح وشامل لنظام سياسي بديل وكبير يرتكز على قيم الحرية والكرامة والعدل، وهي مقاصد تُكون مضمون مشروع مجتمعي كبير يغطي كل مناحي الحياة وأبعادها.

إن هذا الخيار يحتاج إلى نظام تفكير سياسي يوفر مؤهلات فكرية وتنظيمية وحركية مجتمعية قادرة على تقويض النظام السياسي الاستبدادي الفاسد ومحاصرة أركانه حتى انهياره، ولا يتم ذلك إلا من خلال القدرة العلمية والعملية على تفكيك بنيته معرفيا وثقافيا وسياسيا وفي كل القطاعات والمجالات عبر نهضة مجتمعية سلمية تقودها قيادة مجتمعية حاملة لمشروع مجتمعي.

إن خيار المقاومة والبناء من خارج قواعد الأنظمة السياسية الاستبدادية خيار موضوعي وعملي واستراتيجي مصيري؛ لأنه يحقق واقع الحرية المنشود بأقل تضحيات ممكنة تستطيع أن تغير كفة موازين القوة لصالح حركة المجتمع ككل. ولاشك أن انفتاح هذا النمط من التفكير على أفق استراتيجي ومصيري يجعله في حالة وعي كاملة مؤهلة لاستيعاب كل سيناريوهات التغيير المتوقعة وغير المتوقعة لأنه يجعل قطب العملية الشعب الواعي ومحورها حرية كاملة غير منقوصة.

3. نهاية التوريث

يمكن للباحث أن يؤكد الحقيقة التالية: إن توريث الحكم عملية مرتبطة بثلاثة عوامل أساسية:

1- درجة الكثافة السكانية، سواء في الحواضر أو البوادي، ومن ثمة قلة العدد بمعيار الجغرافيا التي يغطيها نظام الحكم القائم.

2- درجة التواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع وبين أطرافه اجتماعيا وجغرافيا.

3- خرافة التقديس والكاريزما الوهمية التي تنتقل من مستوى الشخص الحاكم إلى كل أسرته.

ولاشك أن قدرة النظام السياسي على استقطاب الفئات المتعلمة في كل مرحلة لصالحه يعمق مستوى التخلف في الوعي العام والجامع، ويكرس واقع الحكم المطلق في الزمان والمكان.

ومن الملاحظ أن كل المؤشرات الدالة على طبيعة التحولات العميقة التي تصيب الكيان البشري اليوم متعارضة كليا مع هذه العوامل التي تكرس الوراثة في الحكم؛ إذ من المعلوم أن قضية توريث الحكم في سوريا بعد وفاة حافظ الأسد لابنه بشار، الذي يقتل أبناء الشعب السوري ويشردهم ولو أدى ذلك إلى انهيار الدولة في سوريا وبقاء سلطة العائلة وحكمها وانهيار المجتمع، شكلت (قضية التوريث) صدمة قوية في الوعي السوري حيث كان يتحين أية فرصة للتعبير عن درجة اعتراضه على نمط الحكم وطريقة تدبيره. كما أن قضية التوريث في مصر واليمن وليبيا … كانت عقدة حادة في نفسيات وحركات أبناء هذه البلاد ساهمت في إذكاء واقع الانتفاضة وغضب أكبر عدد من المثقفين ورجال أعمال وعسكر، وغير ذلك، لما سنحت الفرصة.

إننا أمام مأساة حقيقية في سورية، لكنها تشكل ثمن الحرية، ولذلك يكشف لنا زمن الربيع العربي مع تجربة سورية في انتفاضتها ضد حكم العائلة وحلفائها في الداخل والخارج على الحقائق الآتية:

1. إن الشعوب العربية والإسلامية حسمت في خيارها تجاه حكم الاستبداد والفساد: الانتفاضة ولا شيء غير الانتفاضة.

2. إن الشعوب العربية والإسلامية أصبحت على حالة من الوعي يؤهلها لخوض معركة التحرير والحرية طال الزمن أم قصر.

3. إن توريث الحكم أصبح في خبر كان “التاريخية”، ولذلك لن يحلم ابن حاكم بعد سقوط “نظام الأسد في سوريا” بحكم الشعب عن طريق الوراثة.

4. إن كل من انخرط في علاقة، أية علاقة، مع أنظمة قائمة على الوراثة يكون قد حكم على نفسه بالنهاية ما لم يرجع إلى أحضان الشعب ويتحرك من أجل قضاياه كما يراها هذا الشعب وقيادته المجتمعية الحقيقية. فلن يقود الشعوب مغمورون أظهرتهم انتخابات برلمانية مزورة، ولا مغامرون لا يحترمون خيارات الشعب المرجعية والحركية.

إن على الأنظمة السياسية الوراثية وحلفائها أن يعلموا أن تحالفها، ولو امتد من المحيط إلى الخليج، لن يجنبها لحظة تاريخية قادمة يراها كل بصير وخبير؛ وهي لحظة نهاية وراثة الحكم. وكل إصرار على تجاهل هذه الحقيقة سيدخل الجميع في متاهات الانهيارات الشاملة التي يكون ثمنها باهظا، لكن تبث أن الشعوب بعد ذلك تخرج لتقيم دولتها وسلطتها، خاصة الشعوب التي تجمعها مرجعية واحدة ومستقبل واحد، ولذلك فكل نَزَّاع إلى الفرقة هو خادم لقضية الانهيار الشامل بوعي أو بغير وعي.