تقديم

إن إمعان النظر وتعميقه في مسمى “الانتقال الديمقراطي” في الحالة المغربية يفضي بالقطع إلى الاقتناع التام أن هذا الأخير لا يعدو التداول اللفظي على المستوى الإعلامي وعلى مستوى المحافل الفكرية، مقتصرا على بعض الإجراءات الشكلية تلامس المظهر دون أن تمس الجوهر. فمهما تضحم الحديث، إذن، عن “الانتقال الديمقراطي” فإنه لا ولن يكون ذا موضوع إن لم تكن “الحرية” و”الثروة” هما عمقه وركيزته وغايته، حيث إنه ما لم يحدث تحول ملموس على صعيد هذين الفهومين فإن الانتقال الديمقراطي يبقى كلاما مجردا تعصف به أول هبة ريح لتنثره في سماء الأوهام والأحلام. يبقى الواقع الاستبدادي الاحتكاري جامدا متحكما ما لم يشعر المواطن بأنه حر في حركاته وسكناته وأفكاره وآرائه، وما لم يستفد من ثروات بلاده وينعم بخيراتها بما يحفظ له العيش الكريم ويقيه مهانة الإذلال وشر الابتذال.

في هذه الحلقة الرابعة من أسئلة الانتقال الديمقراطي أتطرق إلى سؤال التنمية من خلال مقاربة الثروة على مستوى الإنتاج والتوزيع، على أن القصد ليس هو استعراض المعطيات الرقمية التي تفتقر في الغالب إلى الشفافية والمصداقية كما ثبت في العديد من التجارب، أو معالجة الأداة الاقتصادية الفاعلة في عملية التنمية، بقدر ما أن القصد هو ملامسة المنظومة القيمية المتحكمة في العملية الاقتصادية التنموية، التي تحد من إمكانات نجاحها وتقلص من فرصها، لأن التنمية لا تنطلق ولا تتحقق في ظل أوضاع تتسم باختلال الموازين. لذلك فإن شروط التنمية الاقتصادية الفعالة تكمن في “تفكيك بينة الاغتناء غير المشروع” و”تفكيك بنية الاستثمار غير المنتج”.

1-الاستبداد والثروة

– الاستبداد أداة لتراكم الثروة (الاحتكار): في التجارب الديمقراطية الحقيقية لا تشكل السلطة أداة من أدوات الاغتناء ومراكمة الثروات بأي حال من الأحوال، وذلك بسبب يقظة المجتمع السياسي والمدني المتمثل في قواه الحية الإعلامية والجمعوية، وأيضا بسبب سيادة القانون وسموه على غيره من القيم والروابط التقليدية وشموله للحاكم قبل المحكوم، وهو –أي القانون- واسطة العقد في الأنظمة الديمقراطية، بينما في الأنظمة الاستبدادية يعتبر الحاكم نفسه فوق الدستور أو القوانين المنبثقة عنه الخاصة بقطاعات معينة ومجالات محددة، بل الأخطر من هذا حين يمن على شعبه بمنحة الدستور، ونعمة الاستقرار واستمراريته. وعلى هذا الأساس تتم تربية الشعب، ويجعل من هذا المعطى مرجعية مطلقة غير قابلة للنقاش في تحديد المواقف وصياغتها، وعلى ضوء ذلك يتصرف الحاكم بشكل لا يقبل المراجعة أو النقد. وبناء على نفس المنطق لا تخضع تصرفات الحاكم للمراقبة والمحاسبة والمساءلة بما في ذلك تصرفاته في خيرات الأمة والشعب. إن هذا المنطق مضروبا في منطق التكاثر الذي جبلت عليه الفطرة الإنسانية يجعل التهافت على مراكمة الثروة أمرا ميسرا وبابه مفتوحا في وجه من يملك السلطة دون حسيب أو رقيب. لم يُثَرْ، فيما سمي في الحالة المغربية ثورة دستورية باعتبار الدستور الجديد مدخلا لطبعة ثانية من وهم “الانتقال الديمقراطي” مزيدة ومنقحة بطبيعة الحال… لم يثر أي حديث عن الثروات التي تمتلكها الطبقة الحاكمة ومن يدور في فلكها، فلا يستساغ عقلا الحديث عن أي انتقال ديمقراطي إلا بعد تفكيك منظومة العلاقات الوطيدة بين السلطة والثروة التي تسهم في الاغتناء غير المشروع، الذي مكن دوائر الحكم من بسط اليد على خيرات البلاد، والغالبية الساحقة متخمة بالذل والإهانة مقابل رغيف وخبز حافي.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال العدالة الانتقالية 5/1

– الثروة أداة للاستبداد (اقتصاد الريع): إن امتلاك النظام الاستبدادي لصلاحيات مطلقة في الحكم والتحكم والسيطرة على مصادر الثروة يجعله يتصرف في تلك الثروة بما يخدم مصلحته وأنانيته ونزواته الشخصية من غير اكتراث ولا خوف من المتابعة أو المحاسبة لأن الحاكم في النظام الشمولي فوق القانون. لقد شكلت الثروة أداة من أدوات توسيع دائرة المخلصين للنظام أو المنتفعين منه. لذلك فإن الدفاع المستميت عند البعض عن ظلم النظام وتصويره على أنه الحق المشروع بقوة القانون والدفاع عن استمراريته وبقائه ما هو في الحقيقة إلا دفاع عن سبب ومصدر من مصادر مراكمة الثروة. وما حديثهم عن الاستقرار في الواقع إلا حديث عن استقرار أوضاعهم المادية ومصالحهم الشخصية التي ينعمون بها جراء عطايا النظام مقابل تثبيت أسسه، أو التسهيلات الاقتصادية المعتبرة التي تمكنهم من مراكمة الثروات في ظرف قياسي. ويزيد من تكريس هذه الوضعية الارتباطات الاجتماعية التي تتم من خلال المصاهرة على قاعدة المصالح المادية، التي تشكل نسيجا اجتماعيا مصلحيا يعيش وفق منطق مغاير تماما لمنطق عموم الكادحين والمحرومين، إنه مغرب أخر على الجهة الأخرى، أو فوق المغرب الحقيقي على الأصح، ضرب بينهما بسور له باب باطنه فيه رحمة الرفاهية والعيش الرغيد وظاهره من قبله عذاب الضياع في أتون الحرمان. إنه سور الظلم الشنيع الفظيع.

2- البيئة الطاردة للاستثمار

– الاحتقان الاجتماعي الطبقي: من البديهيات التي لا يجادل فيها أحد أنه لا تنمية بدون استثمار، كما أنه لا رفاه اجتماعي وتحقيق للحاجات الإنسانية الضرورية دون تنمية، على الأقل في الحدود الدنيا وإلا فان المطلوب هو تحسين تلك الاحتياجات والارتقاء بها إلى أعلى درجات الجودة. إلا أن واقع المجتمع المغربي الذي ما يزال يعرف تخلفا كبيرا على صعيد الكفاية على مستوى الضرورات الاجتماعية الكفيلة بضمان العيش الكريم، حيث ما زالت برامج التنمية متعثرة على هذا المستوى ناهيك ببعدها عن الرشد والكمال. هذه الوضعية التي تثير احتقانا اجتماعيا مرشحا للتصاعد باستمرار جراء نكوص الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تحت طائلة مبرارات واهية دون أن تصارح الشعب بحقيقة الإفلاس القيمي، والفشل المتراكم لسياسات عمومية في المجال الاجتماعي لأكثر من خمسة عقود، وبسبب الانفجار التدريجي للأزمة العالمية التي تسري في الكيانات الاقتصادية سريان النار في الهشيم، هذه الوضعية المتسمة بالاحتقان الاجتماعي الطبقي، على مستوى نفس الطبقة أو على مستوى الطبقات فيما بينها، لا توفر الشروط الصحية المشجعة على التفكير في نقل رؤوس الأموال واستثمارها في بيئة طاردة بطبيعتها البنيوية المكونة من معطيات قانونية وإدارية وثقافية غير مؤهلة، مما يعوق عملية التنمية الاقتصادية، وبالتالي تلبية المطالب الاجتماعية المادية للمواطن المغربي ولضمان الحد الأدنى من العيش الكريم. جدلية الاحتقان الاجتماعي والتنمية الاقتصادية لا يمكن أن تحل فقط بإنشاء مجالس ذات طبيعة استشارية مشلولة وعاجزة لا تقدم ولا تأخر، في غياب الإرادة السياسية. الخروج من هذا النفق ووضع الحد لهذه الحال يستلزم قرارا تاريخيا يمتلك قدرا كبيرا من الجرأة الأخلاقية والسياسية والواقعية العملية، قرار مجتمعي تشارك فيه الطبقة المالكة الحقيقية للثروات في المغرب حتى يتجسد المعنى الحقيقي للتوزيع العادل للثروات. هذا على مستوى المبدأ. إن أجواء الأنانية التي تطبع العلاقات الاجتماعية تحد من هذا النوع من التفكير وتجعل من المبررات العقلانية غطاء تتوارى خلفه البواعث النفسية الاحتكارية.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي 5/5.. سؤال الهوية

– انعدام الحكامة الجيدة: استتب هذا المصطلح في التداول السياسي والتدبيري المغربي في الآونة الأخيرة دون أن يكون لهذا المفهوم الفاعلية والمردودية المطلوبين على المستوى القانوني والمؤسساتي، وبالتالي لم يجد له صدى في الواقع اليومي المعيش، ولعل أبرز تجليات ذلك هو استمرار مظاهر الفساد المتمثلة في الرشوة والمحسوبية وغيرها من العلل التي تنخر جسد الإدارة المغربية والحياة الاقتصادية بصفة عامة.

التعاطي مع الحكامة بمنطق قانوني مؤسساتي له، بالتأكيد، أهميته، لكنه يبقى قاصرا عن بلوغ الأهداف والغايات إن لم يؤسس على أرضية أخلاقية متينة، مما يحيل إلى البعد الزمني في القضية والقطع بأن القضية ليست قرارا فحسب، على أهميته، يتخذ هكذا ضربة لازب، بل القضية إلى جانب ذلك مؤسسات تربوية فاعلة في المجتمع على رأسها المؤسسة التعليمية والإعلامية ومؤسسة المسجد الذي ينبغي أن يخرج من الأدوار التحنيطية إلى مهام بعث الروح في أوردة وشرايين الحياة العامة. هذا دون إغفال الدور الحاسم لقدوة القيادة العملي في مجال التعبئة الشعبية لأن الشعب لا يومن بالشعارات ما لم تتحول إلى واقع ملموس.

حكامة وتخليق الحياة العامة وغيرها من المفاهيم أو الفقاعات المفاهيمية أو الصيحات المفاهيمية في سماء الإعلام السمعي البصري والمكتوب في الجرائد والمواقع الالكترونية إن لم تستحضر جوهر المسألة وعمق الإشكال المتمثل بالأساس في مستوى تحقيق الحاجات الضرورية للمواطن المغربي، فإن الحديث عن ذلك كله لا معنى له ولا قيمة له إن لم يجعل من الحديث عن الثروة إنتاجا وتوزيعا في صلب الاهتمام. وكل مشروع، تغييريا كان أم إصلاحيا، لا يستحضر في صلب اهتمامه ويجعل من غاياته الأولى جدلية الأخلاق والثروة إنما هو عناية بالمظهر وإعراض عن الجوهر.

إن تعدد الدورات المفاهيمية في التداول السياسي المغربي، يشكل عنصرا من عناصر إنعاش البنية المخزنية السائرة في طريق التحلل يوما بعد يوم على الرغم مما يظهر من عناصر القوة المستندة إلى القبضة الأمنية، ويعكس في العمق قلقا وتخبطا مجتمعيا حقيقيا لما يهتد بعد الطريق الأسلم لتحقيق العدالة الاجتماعية، كما يعتبر عنوانا على افتقاد بوصلة التغيير الحقيقي الناتج عن اختلال البدايات الصحيحة والأسس الواضحة. النخبة السياسية والاقتصادية المخزنية تعد بتغيير ديمقراطي بشرط أن لا تتخلى عما راكمته من ثروات طيلة عقود ما بعد الاستقلال، مما يحيل إلى الاشتراط الضمني أن يدفع ثمن الانتقال الديمقراطي الطبقات الكادحة والمحرومة. وهذا لعمري أمر ضد منطق التغيير والتاريخ والتحولات الاجتماعية الكبرى. تريد تغييرا مع استقرار وضعيتها المادية، ذلك مأمول ولكنه غير معقول.

3- استثمار ينتج الأزمة

– الاستثمار المحلي وفقدان شرط المواطنة: غاية الاستثمار الاقتصادي هي تحقيق الرفاهية والازدهار المادي والكفاية في العيش الكريم، لكن النزوع الرأسمالي حين يتزاوج مع العقلية القبلية في الاجتماع الإنساني المغربي المغلفة برداء ما بعد الحداثة فإن الاستثمار الاقتصادي من حيث نوعيته وحجمه لا ينعكس بالشكل المطلوب على عموم الشعب وعلى مستوى عيشه فيتحول الاستثمار في ظل شروط اشتغاله المجحفة في حق اليد العاملة أو الطبقة الكادحة المحرومة إلى أداة لإنتاج التعاسة في جانب المواطن وأداة لمزيد من مراكمة الثروات في جانب المستثمر المحلي الذي يعتبر بنية قبلية مغلقة تكرس منطق الاستغلال الطبقي أو ما اصطلح عليه بعض الكتاب الفرنسيين فيما صدر له مؤخرا بعنوان فن تجاهل الفقراء).

إن شرط المواطنة في الاستثمار لا يتحدد فقط برأسمال المستثمر وبواعثه الذاتية بقدر ما يتحدد من جهة أخرى، وبشكل كبير، في دور الدولة في توجيه تلك الرساميل في الاتجاه الذي يراعي ويأخذ بعين الاعتبار المقاربة الاجتماعية في عملية الاستثمار، إلا أن هذا الأمر لا يوجد أو لا يوجد بالقدر الكافي من الصرامة والجدية على مستوى التطبيق. في الوضع الطبيعي عندما يكون المجتمع على قدر كبير من اليقظة والفعالية تكون الدولة في خدمة المجتمع تحرص على مصالحه أن تسمها قوة الرأسمال المنتج وتنحرف بها عن الأهداف الاجتماعية لعملية الإنتاج، لكن في حالة ضعف المجتمع لأسباب منها الذاتي ومنها الموضوعي فإن جهاز الدولة ينحاز إلى الطبقة المالكة للرأسمال المنتج تتحالف معه في إطار تبادل المصالح والامتيازات، والأخطر من هذا هو وجود امتدادات للرأسمال المنتج داخل جهاز الدولة آنذاك تصير الدولة في خدمة طبقة محددة عوض أن تكون في خدمة المجتمع برمته بغض النظر عن طبقاته الاجتماعية. كما أن هناك أمرا غاية في الأهمية ويشكل نزيفا حقيقيا لثروات الدولة التي هي ثروة للمجتمع كله هي وجود حضور للرأسمال المنتج وسط جهاز الدولة يشكل قناة من قنوات الفساد الإداري والمالي، ويضخ من إمكانات الدولة في رصيد الرأسمال الطبقي على حساب المصالح الاجتماعية للمواطنين.

طالع أيضا  في أسئلة الانتقال الديمقراطي.. سؤال الطبقية والاحتقان الاجتماعي 5/2

– الاستثمار الأجنبي وغياب العدالة: عندما يستوطن الرأسمال الأجنبي بالمغرب لأجل الاستثمار فان همه الوحيد هو تحقيق الربح بأقل تكلفة إنتاجية، وللأسف الشديد يجد هذا الرأسمال من يساعده على تحقيق أهدافه من البورجوازية الناشئة التي تعيش على السمسرة في مصالح الشعب المغربي، ولا يوجد من يراقب أو يحاسب ويحافظ على مصالح الشعب المغربي. الدولة التي ترعى مصالح شعبها لا تفتح أبوابها للاستثمار الأجنبي إلا بشروط تخص اليد العاملة وتفاصيل تخص القطاع الإنتاجي الذي يريد أن يستثمر فيه رأس المال الأجنبي، لكن في الحالة المغربية لا نلمس هذه الشروط في هذا السياق بقدر ما نجد ظروفا مجحفة في حق اليد العاملة والقوى الإنتاجية وميلا لاستثمار يفتقر إلى العدالة اللازمة فيما يتعلق بقطاع الإنتاج، واعتقد أن السبب يتعلق بغياب روح المواطنة وبغياب استراتيجية استثمارية حقيقية تقوم على أساس الاستقلالية والقوة في المستقبل. كما نلاحظ أن رؤية الدولة لا تسير في اتجاه التكامل بين القطاعات الإنتاجية حيث يتم التركيز فقط على الإنعاش العقاري والسياحي الذي ينتج المتعة ويجعل المغرب قبلة للسياح مع ما يعرف ذلك من تجييش العديد من الفئات الاجتماعية لامتهان أعمال خارجة عن نطاق الأخلاق والثقافة السائدة في المجتمع المغربي حتى صارت تلك الأعمال مجالا لمأسسة مدنية في إطار شبكات تحميها الدولة في بعض الأحيان لوجود بعض الشخصيات النافذة في جهاز الدولة ضمن تركيبة تلك الشبكات.