سياق الأحداث

منذ منتصف شهر دجنبر2011، انطلقت من تونس انتفاضة شعبية أطاحت بنظام بن علي الذي جعل من تونس حظيرته يصول فيها ويجول وينهب ثرواتها عقودا من الزمن، كما حارب الإسلام في شخص الغيورين عليه وتابعهم بكل أصناف القهر: السجن والتعذيب والمطاردات المتنوعة والمتعددة والمتابعات البوليسية المرعبة. بعد كل ذلك شاءت قدرة الله التي لا يقوى عليها أحد أن تنهي هذا النظام بالسبب البسيط الذي يعلمه الجميع. ومع العصيان الشعبي هرب بن علي بشكل لم يتوقعه أحد ليبقى التاريخ شاهدا أن إرادة الله لا مانع لها. واتضح أن هذه الأنظمة التي طالما أرهبت الشعوب ليست إلا أشباحا لا تقوى أن تصمد أمام أعاصير الشعوب. وبعد تونس توالت الأنظمة الأخرى بعدها تتهاوى تباعا.

مع 20 فبراير 2011 انطلقت في المغرب حركة شعبية تطالب بإسقاط الاستبداد والفساد. بَصَمت هذه الحركة على أن المغرب لم يكن حالة نشاز بين الدول التي ترغب في الحرية والكرامة التي سلبت منها منذ قرون، وأثبتت الجماهير المغربية التي خرجت تجوب الشوارع وترفع شعارات قوية قي مضمونها أنها قادرة على زعزعة مسلمات أولئك الذين اعتقدوا أن المغرب والمغاربة قد ملكهم الرعب والخوف إلى أخمص القدمين. ومع كل خروج للجموع الغفيرة وهي تجوب شوارع المدن والقرى يتصاعد خوف الماسكين بزمام الأمور، ويتملكهم الرعب الذي يتزايد مع تزايد عدد المدن والتحركات الشعبية، ويتأكد خوفهم على كراسيهم ومناصبهم توالي سقوط أنظمة لم يكن يخطر على بال أحد سقوطها.

اختلاف الأهداف

في مقابل المناضلين الذين يحتجون في التظاهرات والمسيرات صنفان آخران.

الأول: يرتجف قلبه بمجرد سماع هتافات المتظاهرين ويتألم خوفا مما يقع في الدول التي في طريق التحرر كمصر وليبيا وسوريا واليمن… ويطلب بقاء الواقع كما هو باعتبار أن الحاضر أفضل من المستقبل وأن التظاهرات لن تجدي نفعا ولن تفيد شيئا يذكر، وهذه الفئة إما متنفذة مستفيدة من الواقع القائم بشكل من الأشكال، أو هي محرومة ومقهورة ومغلوبة على أمرها إلى النخاع، فصارت مسلوبة الإرادة عاجزة على أي فعل ويائسة من أي تحرك.

الثاني: استغل الظرف لنفسه. فالمتظاهرون في الشارع أفزعوا السلطة وسلبوها سلطة القوة، وصارت كالعقرب المقطوع الحمة (الإبرة التي تلسع بها)، فانطلق هذا الصنف من الشعب لتحقيق أغراضه الشخصية المادية: كبناء المنازل، أو اقتناء عربات متنوعة الأحجام والأشكال لبيع الخضر وصنوف الطعام في كل الأماكن مستغلا الظرف للاغتناء على حساب المشاركة في الإطاحة بالاستبداد، بل صار هو نفسه من المفسدين الذين يسعون في طريق الاستبداد. ومن هؤلاء أثرياء خططوا خطأ لاستغلال الظرف لزيادة الثراء.

موقف السلطة

وقفت السلطة متفرجة في الموقف متأملة في الوضع، مكتفية بالمراقبة تنتظر سنة تامة وكاملة. تمَسْكن النظام برمته حتى تمكَّن بالخطابات وبالدستور والانتخابات وتم ترسيم الحكومة، وبعد ذلك التفت ورجع لمحاسبة الشعب بالتدرج بدءا بمحاربة البناء العشوائي: كم بناية خربت، وكم أموال للشعب ضاعت، وكم أسرة صدمت، وكم وكم وكم…

أسئلة

ولسائل أن يسأل: أين كانت السلطة هذه الشهور التي انتعش فيها البناء بشكل عشوائي؟ من كان يحكم المغرب في تلك الفترة؟ وأين كانت هذه الحشود من الجيوش والعسكر وصنوف الأمن وقتذاك؟ ولماذا كانت الأوامر العليا تصدر للمسؤولين حينذاك في كل الإدارات باحترام المواطنين وعدم إزعاجهم والحرص على الاستجابة لمطالبهم، وعدم استفزازهم. بل إن من الأوامر ما هدد كل مسؤول يتهاون في استقبال المواطنين بالعزل والإعفاء من مهامه. وأفقدت هذه الأوامر العليا جميع المسؤولين صلاحياتهم في اتخاذ أي قرار يحافظ على القانون.

لكن اليوم وبعد الطمأنة على أن الشعب قد سكت وأن حركة 20 فبراير لم تعد بتلك القوة والشعبية الأولى، وأن عملية الالتفاف على مطالب الشعب قد أُحبكَت بشكل ذكي، وأن الاستبداد قد نجح في تقريب عمرو وتأخير زيد، أدار الظهر لكل ما سلف من وعود ولين ورفق، وصدرت الأوامر العليا من جديد وبالشكل المألوف أصلا، بالقصاص من الذين سولت لهم نفوسهم بالجرأة للمناداة بإسقاط الاستبداد. ولم تعط السلطة لنفسها فرصة التأكد وفرز أصول البناء وشكله ومدى قانونيته. والحكومة الجديدة شكلا والقديمة فعلا وموقفا ساكتة وإن تكلمت فبصوت مبحوح لم يرق إلى ما كان المصوتون يراهنون عليه.

النتيجة

وعلى أية حال، إن المواطنين الذين قبلوا الانزواء عن النضال وآثروا السلامة على المساهمة في إماطة الأذى عن الطريق، وإن الذين اغتنموا الفرصة للبناء والبيع على حساب المشاركة في النضال ودعم المسيرات لإزاحة الظلم والظالمين، وإن المواطنين الذين تملَّكَهم الرعب إلى أن صار الخوف يخاف من خوفهم، إن كل هؤلاء عليهم أن يدركوا ويقتنعوا جازمين أنهم فوتوا الفرصة الثمينة لتحقيق العيش الكريم المفعم بالحرية والكرامة وبناء وطن لكل المواطنين، وعليهم إذا استدار الفلك دورته أن يستفيدوا مما وقع وأن يكون الجميع يدا واحدة لتحقيق هدف واحد، وأن يكونوا على العدو أعوانا، وفي النضال إخوانا، وإلا فإن مما وقع عبرة وأي درس لمن يعتبر.