مناسبة هذا المقال هو ما تعشيه الدول العربية من يقظة وهبة شعبية مباركة سميت من قبل العلماء والمثقفين ورجال الإعلام بالربيع العربي الذي انطلق من تونس وحط الرحال بمصر ثم ليبيا فاليمن وسوريا، غير أنه، وإن اختلفت الدول والأشكال ثم النتائج، فالقاسم المشترك بين كل هذه الثورات هو أن دافعها هو: “إسقاط الفساد والاستبداد”، فما هو الاستبداد وما هي مظاهره وموقف الإسلام منه؟

يطلق مصطلح استبداد في عالم السياسة على نمط من أنماط الحكم المطلق الذي تكون فيه سلطة الرئيس أو الملك على رعاياه كسلطة الأب على أبنائه في الأسرة، وهنا يصبح المعنى انفراد فرد أو مجموعة من الأفراد بالحكم أو السلطة المطلقة دون الخضوع لقانون أو قاعدة، ودون النظر إلى رأي المحكومين، وهذه السلطة المستبدة التي يتأثر بها الفرد أو بعض الأفراد هي تلك التي تمارس الحكم دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون الذي تمارسه على الشعب.

عرف مفهوم الاستبداد تطورا عبر الزمان والمكان ليصبح صفة من صفات الحكم المطلق المشوب بالظلم والتسلط، الذي لا يراعي فيه القائمون عليه وازعا أخلاقيا أو قيودا قانونية، وذلك حين يتبع المستبد أهواءه الخاصة بدلا من تحكيم مقتضيات المصلحة العامة. ويعرف أحد الباحثين الاستبداد بقوله: ويستعمل مصطلح الاستبدادية لوصف درجة تسلط الحاكم، فإذا كان الحاكم لا يلتزم بقانون، وإنما قوله وفعله هما بمثابة القانون فهو نظام حكم استبدادي. أما إذا كان هناك قانون يلتزم به الحاكم ولكنه يحتكر سلطة التعديل والتغيير في القانون فهو اذن حكم مطلق) 1 .

وقد حارب الإسلام الاستبداد والتسلط كيفما كان شكله ومرتكبه، وعمل على التحذير منه ومن مخاطره على الفرد والمجتمع، وإذا كانت بذرة الاستبداد ومصادرة حرية الإنسان هي بداية الطريق الذي أدى إلى الانحطاط الحضاري في الإسلام، فإن النهوض الحضاري الجديد لا بد أن يبدأ من العودة إلى تحرير الإنسان المسلم من كل الأغلال لأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، فقد جاء القرآن ليكرم الإنسان ويقر عبوديته لله وحده دون سواه.

كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل في حكمهم وتطبيقهم لمبادئ الشورى والنصيحة، ومن ذلك قولة عمر الشهيرة عندما دعا فريقا من الأنصار المشهود لهم بالحنكة ونضج التجربة: “إني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم فإنني واحد منكم وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هواي، فمعكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده، فما أريد به إلا الحق)“.

وكان الخليفة الثاني رضي الله عنه حريصا على تفادي الأخطاء محبا للاستماع إلى ما يخالف آراءه ويرتاح إلى نقده فيما يتخذ من مواقف وسياسات قد تكون خاطئة، ويتسمع “همس الناس حول شدته وصرامته حتى يخلو بنفسه مفكرا ويدخل عليه “حذيفة” فيجده مهموم النفس باكي العين. فيسأله: ماذا يا أمير المؤمنين)؟ فيجيب عمر: إني أخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيما لي). يقول حذيفة فقلت له: والله لو رأيناك خرجت عن الحق لرددناك إليه). فيفرح “عمر” ويستبشر ويقول: الحمد لله الذي جعل لي أصحابا يُقومونني إذا اعوججت).

لم يكن هذا الموقف وغيره من المواقف المشرقة في تاريخ الأمة الإسلامية موقفا استعراضيا إنما كان سلوكا صادقا ونهجا تلقائيا مخلصا استحق به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطمأنينة في الدنيا والحسنى في الآخرة.

يقف الناظر المتأمل في الربيع العربي الذي أطاح برؤوس كثيرة كانت جاثمة على رؤوس العباد والبلاد ليدرك دون أدنى بحث أو تفكير أن مصيبة الأمة العربية والإسلامية تكمن في استبداد حكامها وتمكنهم من ثرواتها وخيراتها على حساب شعوبهم المستضعفة المفقرة؛ يقول العالم الجليل جمال الدين الأفغاني كلاما نفيسا يهاجم فيه الاستبداد والمستبدين هجوما عنيفا: الأمة التي ليس في شؤونها حل ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، تلك أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير) 2 .

قول الإمام الجليل يؤكد رسوخ مبدإ أن الأمة بمختلف ألوانها هي مصدر السلطات وفي هذا المعنى يقول جمال الدين “إن السلطة الزمنية، بمليكها أو سلطانها، إنما استمدت قوتها من الأمة لأجل قمع أهل الشر، وصيانة حقوق العامة والخاصة، وتوفير الراحة للمجموع بالسهر على الأمن، وتوزيع العدالة المطلقة، إلى آخر ما في الوازع والسلطان من المنافع العامة)3 .

هي إذن قولة حق قل نظيرها في زمن كثر فيه المتربعون على رقاب الشعوب المستضعفة التي أنهكت جراء السياسات الفاشلة. يقول العالم الجليل الأستاذ عبد السلام ياسين: كل دولة تسير بِهوَى الحكام ومزاجهم وإرادتهم ومصالح صنائعهم وخَوَلهم دولة منحطة. تَسمو فوقها سمُوّاً كبيرا دولة يعرف فيها الفرد وتعرف الجماعات والهيئات ما لها وما عليها، ويضمن لها حقوقها قضاء نزيهٌ يحكم بقانُون معروف، لا يحابي زيدا ولا عَمْراً، ولا يفضل في الحق قريبا لقرابته، ولا مَحسوبا لصداقته. دولة النزوة المستبدة، والإرادة العلِيّة التي لا تناقش، ولا يقف أمامها سلطة موازية تقوم الاعوجاج إنما هي دولة غموض وخوف)4 .

إن الأساس الذي يجب أن تبنى عليه كل دولة وكل مؤسسة تحترم نفسها وأمتها وتخاف عذاب ربها بعد حين هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه عن القرآن: “فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، هو الفَصْل ليس بالهَزْل، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومَنْ ابتغى الهدى في غيره أضله الله”. وهو ما يؤكده الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب إمامة الأمة عندما يقول: في طريقنا إلى دولة القرآن، وفي خَطَوات دولة القرآن نحو مجد الإسلام، لا دليل لنا في المهمات، وفي تحديد الأهداف والغاية، إلا كتاب الله عز وجل كما طبقته سنة رسوله عليه من الله الصلاة والسلام. غيرُنا يهدف من الثورات إلى تغيير بنيات المجتمع، وبناء اقتصاده، وإصلاح نظامه السياسي، ثم لا شيء بعد ذلك إلا هذه الثقافُة الثوريةُ، والفنُّ الثوريُّ، وما يواكب الثورة من عنف، واستبدال طبقة بطبقة، ومادية اشتراكية بمادية رأسمالية. يشير القرآن إلى تغيير المجتمع، بنياتِه واقتصادِه وسياستِه، ويُشَرِّعُ ذلك شرائع، ويرسُم له منهاجا. لكن ذلك التغيير لا يدور حول نفسه، ولا ينتهي عند مقدماته، بل يدور حول الإنسان، ويخدُم غاية تحرير الإنسان من كل عبودية، ليدخل في العبودية لله عز وجل)5 .

وختاما نقول إنه لا سبيل لعزة هذه الأمة ونهضتها وتقدمها أمام تكالب المتكالبين، إلا بحكام صالحين يحكمون كتاب الله عز وجل ويخافون يوما تشيب له الولدان وتقشعر له الأبدان، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يستوي الحاكم والمحكوم، بعدما يقول الإمام: “جنازة رجل”.

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

والحمد لله رب العالمين


[1] الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر .الأستاذ خلدون حسن النقيب.\
[2] صحيفة (العروة الوثقى)… رسالة السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده لأمم الشرق.\
[3] صحيفة (العروة الوثقى)… رسالة السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده لأمم الشرق.\
[4] الشورى والديمقراطية، الأستاذ عبد السلام ياسين.\
[5] إمامة الأمة، الأستاذ عبد السلام ياسين.\