مطلوب منا وإلينا -وجوبا لا اختيارا- أن نحسن اختيار من نصحب ومع من نكون، فالوحي بالنص القرآني يدلنا على المعية المطلوبة صحبة واتباعا، قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ… (الفتح: 29)، ويربطها سبحانه بسبيل الفلاح، بعد وجوب ذكره وتقواه، فيقول جل شأنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين (التوبة: 119)، والصدق هنا أعمّ من أن يختصر في الأقوال، بل هو الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، الذي يكون بالملازمة والمداومة المقصودة في المعية.

نعم، وجوبا، لأن الإنسان يتأثر بسلوك وأخلاق صاحبه، ويكتسب صفاته بالتأثر الروحي والاقتداء العملي، ويتعود على ذلك بالملازمة، فإن كان المصحوب صالحا صار الصاحب كذلك، كما أن الإنسان اجتماعي بطبعه، يخالط الناس وجوبا ويكون له منهم أخلاء وأصدقاء؛ وقد بين ذلك المصحوب الأعظم مؤكدا قاعدة ذهبية في السلوك إلى الله تعالى، إذ جعل “المرء على دين خليله” وأمر على وجه الإلزام تعقيبا مباشرا “فلينظر أحدكم من يخالل” 1 .

والصحابة رضوان الله عليهم ما سموا كذلك، وما نالوا ذلك المقام السامي والدرجة الرفيعة -بعد أن كانوا في ظلمات الجاهلية- إلا بمصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالستهم له، وما أحرز التابعون ذلك الشرف العظيم إلا باجتماعهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف لا ينالون ما نالوا وقد جعل صلى الله عليه وسلم هذه الصحبة مفتاح الخير كله؟ إذ بشر عليه السلام بأنه “يأتي زمان يغزو فئام (جماعة) من الناس، فيقال: فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح عليه، ثم يأتي زمان، فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح” 2 .

وفي هجرة المصحوب صلى الله عليه وسلم كانت بشارة الفتح والرفعة والرقي للصاحب أبي بكرٍ رضي الله عنه، حيث لمع بريق البهجة حين سأل: “الصحبة يا رسول الله”، قال: “الصحبة”، وهو رضي الله عنه الذي صحب النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن آمن به وبما جاء به. وفي حادثة الإسراء والمعراج لما ذهب كفار قريش إلى إليه يقولون له: إن صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس ثم أصبح بين أظهرنا فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق)، فنال بتصديقه ذاك درجة الصديقية.

ويحك! تدعي أنك منهم! ما علامتهم عندك؟).

رحم الله الشيخ الإمام القدوة عبد القادر الجيلاني، ذلك الرجل المبارك الذي أجمعت الأمة على توقيره، هو صاحب العبارة، وغيرها مما يقرع النفس ويهذبها من شوائبها وأدرانها، يستوقفك في فتحه الرباني ليبشرك بالقرب في طريق ومدارج السالكين إلى الله تعالى، ويشن على النفس مما أجده في أمارتي من أدران ما تحوجني إلى مثله قدس الله سره، ولي إليه طريق بالصحبة والملازمة والاتباع، عملا بوصيته الذهبية: اصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب. لا بد لك من شيخ حكيم عامل بحكم الله عز وجل يهذبك ويعلمك وينصحك) 3 .

فالادعاء في توقيف الشيخ الجيلاني قدس الله سره يحتاج إلى دليل وبرهان وهو: الإقبال على الله، وهو الشرط الأول، والعلامة ولاية المصحوب لله الحكيم العامل بحكم الله، وهو الشرط الثاني في تمام الصحبة.

ويجمع الشرطان (شرط الصاحب، وشرط المصحوب) الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين موضحا إنه إنما ينفع الله عز وجل المؤمن الصادق الجاد في الإقبال على ربه أول ما ينفعه بصحبة رجل صالح، ولي مرشد، يقيضه له، ويقذف في قلبه حبه. ومتى كان المصحوب وليا لله حقا والصاحب صادقا في طلبه وجه الله ظهرت ثمرة الصحبة. وعلى قدر المصحوب إيمانا وإحسانا وولاية ينتفع الصاحب) 4 .

والإقبال لا يكون إلا بإرادة صادقة محفزة ويقظة قلبية وهمة عالية، يري بها الدال على الله الذي خبر النفس وتقلباتها زند الطالب في لحظة صفاء؛ يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: واعلم من هنا أن ألف كتاب تحفظه لا يتقدم بك شعرة في الطريق إلى الله إن لم تنبثق فيك إرادة ويقظة وهمة وطلب ولم تجد من يسدد خطاك من رجال عصرك. وتكفي كلمة صادق في لحظة صفاء في لقاء شفوي أو مقروء يباركه الله تعالى ليُورَى زَنْدُكَ، وتظلم الدنيا في عينك، لا يقِرُّ لك قرار حتى تضع قدم قلبك في مدارج العقبة لتقتحمها، ولتكون من أهل المناجاة والنجوى، والقرب مع ذوي القربى) 5 .

فما أحوجنا إلى تجديد العهد مع الله، في صحبة أهل الله، ومن طريقهم، وما أحوجنا إلى تجديد الطلب، وشحذ الهمم، ولحظات صفاء يمن بها المولى في لقاءات شفوية أو مقروءة، فالطريق سهلة على من سهل الله له السبيل، وهداه إلى سوائه، وصراطه المستقيم.

فاللهم جدد صحبتنا لمن يدلنا عليك، واجعل أقدام قلوبنا في مدارج العقبة، ويسر اللهم اقتحامها، واجعلنا من أهل المناجاة والنجوى، والقرب مع ذوي القربى… آمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.


[1] المستدرك على الصحيحين للحاكم – كتاب البر والصلة، عن أبي هريرة.\
[2] رواه الشيخان واللفظ للبخاري – باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، عن أبي سعيد رضي الله عنه.\
[3] عبد القادر الجيلاني، الفتح الرباني والفيض الرحماني، ص 330.\
[4] عبد السلام ياسين: المنهاج النبوي، ص: 123 و124.\
[5] عبد السلام ياسين: الإحسان – ابك على نفسك.\