على الإسلاميين أن يبينوا قوانين الشورى وأصولها ويفصلوا تفصيلا.

إن مبدأها لا يكاد يخالفه أحد. إنما يجب الحديث في التفاصيل التطبيقية لهذا المبدأ. وهذه التفاصيل من المسائل الاجتهادية التي يستفاد فيها من التجربة التاريخية والحكمة البشرية. من أجل ذلك لزم النظر اليوم في الشورى على ضوء مكتسبات التجربة الديمقراطية.

لقد ظن كثير من المسلمين أن الشورى في اختيار الحاكم اتخذت شكلا اجتهاديا في عهد الخلافة، وأنه يمكن تجاوزه إلى غيره على شاكلة ما كان في الملك العضوض والجبري.

لكن سنة الله في التاريخ أبانت عوار الاستبداد، وأنه الذريعة إلى الفساد.ظهر هذا جليا في تاريخ المسلمين وتاريخ أوربا. ظهر هذا عموما في تاريخ الاستبداد الشرقي والغربي.

من أجل ذلك أصبحت الديمقراطية مطلب أوربا والشورى مطلب المسلمين. لقد اعتُبرت الديمقراطية نهاية التاريخ ومآسيه، وأنها الطريق لا غيرها، إلى تحقيق السلام والاستقرار في العالم. أفلا تكون الشورى في العهد النبوي والراشدي بتفاصيلها العامة أفضل طريق في زماننا لتحقيق السلام في العالم؟

لكن علينا أن نبين ماذا نقصد بالشورى. ذلك أن العلمانيين وحتى بعض الإسلاميين، عندهم الشورى لا تناقض الاستبداد بالسلطة وانتقالها بالوراثة والانفراد بمجد الحكم وصناعة القرار. وعندهم الشورى نبتت نباتا شتى على مدى تاريخ المسلمين نبوة وخلافة وملكا. من أجل ذلك لزم الحديث المفصل في مبدأ الشورى، ناظرين سنة الله في العالمين وما يجري في المسار الديمقراطي وإشراك الشعوب في تدبير الشأن العام.

إن أنت استكفيت بقولك إن الإسلام يأمر بالشورى، وكتمت الحديث عن الديمقراطية، أو قلت نريدها شورى لا ديمقراطية، من دون بيان ولا تفصيل، قالوا: هؤلاء لنا نحن الديمقراطيين وللديمقراطية أعداء. ألا تسمعون؟. إنهم لا يريدون الديمقراطية. ومعنى هذا أنهم يريدون الاستبداد وما يتلوه من فساد وكساد على سبيل ما يوجد في الأنظمة الاستبدادية العربية والإسلامية. أليس عندها مجالس تسمى مجالس الشورى؟!

ألا إن الشورى في أذهان كثير من العلمانيين وبعض الإسلاميين تعني جماعة من دون عامة الأمة على رأسها أمير يستشيرها استشارة لا تلزمه. فهو القائد الملهم أو المعصوم يستشير جماعته كما يستشير الرجل امرأته. والشورى هنا وهناك غير ملزمة. هذا هو الظن الذي صنعه تاريخ الحكم في بلاد المسلمين.

وإذا كان ذلك فقد تحتم التوضيح.

لقد أصبحت الديمقراطية مطلبا عالميا بعد أن تبين عوار الاستبـداد والنظام الشمولي، وأنهما ذرائع إلى الظلم وخراب العمران. أبان هذا العوار تاريخ المسلمين وغيرهم. وأبان عوار النظام الشمولي الاتحاد السوفياتي الذي انهار بعدما أحل قومه دار البوار. فتبين أن أقوم طريق إلى العدل والنصفة إنما هو سلوك مسلك الشورى كما عرفه العهد الأول زمن النبوة والخلافة.

طالع أيضا  متوكل يكتب.. هيبة الدولة زمن كورونا

لقد كتب فوكوياما عن نهاية التاريخ أنه زمن الديمقراطية واقتصاد السوق. فهل يكون هذا على نحو ما كان زمن النبوة والخلافة شورى وتجارة لكنهما تحت حكم الدين وفي خدمة مقاصده في العدل والإحسان وصلة الأرحام؟

إن تاريخ الأمم قد أصابه البغي داء الأمم. ولعله قد استفاق من فاجعة الداء، واهتدى إلى سببه القريب وهو الاستبداد. فأصبح اليوم يطلب الديمقراطية وشروطها في الدولة القوية أمنا وإدارة وجباية وتعليما وصحة.

لقد اتخذت الشورى صورا في تاريخ المسلمين، ثم استبان أن صورتها المثلى كانت على زمن النبوة والخلافة. وإن طِلْبة العالم اليوم لَلشورى في اختيار الحاكم، والمشاركة العامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسهر على سيادة الشريعة والقانون، ثم تعددية واختلاف؛ يجمعهما ميثاق الشورى والعدل والإحسان ورعاية حقوق الإنسان.

إن سياط القدر تسوقنا للاعتبار. فلقد كانت الديمقراطية، كما هي الشورى في تاريخ المسلمين، نشازا في تاريخ أوربا. بدأت في أثينا لا حظ للعبيد فيها. وبدأت الشورى في المدينة محررة للعبيد يؤذنون بها.

ثم جاء الملك العضوض فالجبري فأنقض بنيانها، كما أنقض الاستبداد الفردي سواء جاء ملكيا أو عسكريا أو كارزماتيا بنيان الديمقراطية في بلاد أوربا؛ حيث كان الحكم القهري البونابارتي في فرنسا والفاشي في ألمانيا وإيطاليا والدكتاتوري في البرتغال وإسبانيا والإغريق، واستمر حتى الحرب العالمية الثانية.

ويبدو أن اليتيمتين الديمقراطية والشورى تطلان ببعض معانيهما في العدل والإشراك. لكن ذلك كان قليلا ونادرا. فلقد أطلت الشورى ببعض معانيها عند ملوك عرفوا بالصلاح وعلى رأسهم عمر بـن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي، ويوسف بن تاشفين.كما أطلت الديمقراطية ديمقراطية مدنية في العصر الوسيط في إيطاليا وسويسرا. وأطلت في انجلترا تحت حكم الملك جون سان تير الثاني في بداية القرن الثالث عشر، حيث حدث حدثان حاسمان ضد الحكم المطلق:

الأول: الوثيقة الكبرى للحريات التي تهم كل طبقات المجتمع.

والثاني: تأسيس برلمان مشكل من غرفتين.

وهكذا نشأت الديمقراطية نغمة نشازا في الزمان والمكان كما هي الشورى.

ثم كان الظهور في الثورة الفرنسية، حيث تقرر مبدأ سيادة الشعب وحقوق الإنسان. ظهرت متأخرة وغير مستقرة، باستثناء انجلترا التي وإن سبقت إليها، فإنها لم تقر التصويت السري حتى نهاية القرن التاسع عشر، والتصويت العام حتى بداية القرن العشرين، ثم إن هذا لم يشمل جميع مناطق إمبراطوريتها.

لكن الديمقراطية عمت بعدُ، شمال أوربا، الذي حاول وضع أوزار العهد الاستعماري عن ظهره. لكن شرقها المعذب تحت كلكل السوفيات ما فتئ تواقا إليها. حتى إذا سقط السوفيات هب فعانقها.

طالع أيضا  الدولة العادلة (1)

وهكذا أصبحت الديمقراطية غياث أوربا، التي أحرقتها نار الاستبداد والحروب الأهلية والحروب العالمية والنظام الشمولي.

وهكذا أصبحت الشورى أمل المسلمين؛ بل مطلبهم في “الربيع العربي”، الذي ضاق ذرعا بخريف الاستبداد والحروب والأنظمة الشمولية.

نفهم اليوم الديمقراطية بالمقارنة مع النظام الشمولي، وكنا نفهمها من قبل في تناقض مع الاستبداد الفردي، سواء كان ملكيا أو عسكريا أو كاريزماتيا. وكذلك ينبغي النظر في الشورى ناقضة للاستبداد، سواء كان المستبد الفرد الوحيد أو الحزب الوحيد.

إن النظام الشمولي حمل لواء العدالة الاجتماعية، فكانت دعوته ذات مسمع، تصد دعوة الرأسمالية الباغية على شعوبها وعلى غيرها من الدول، فكان التفاوت الطبقي والامبريالية الاستعمارية. وأصبحت الدعوة الاشتراكية قبلة المثقفين الأوروبيين في إيطاليا وفرنسا وألمانيا.

لكن دولة ستالين خطت خطوات باغية، فذهبت بعض أوهام أبهتها في الأكتوبر البولوني، والثورة الهنغارية، والوطنية الضيقة.

وإذ كان ذلك، فقد ولى الناس وجوههم عن قبلة موسكو إلى قبلة بكين الصين، حتى عم الدين الشيوعي أوربا الشرقية، وأصبح ملاذ المستضعفين في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

لكن الدين الماوي ذهبت قداسته؛ في قضية المارشال “لين بياو” حيث أصبح الحمَل ذئبا؛ وفيما كان من العدوان على حقوق الإنسان في مسلسل إعادة تربية “الدنج” سدنة النظام القديم؛ ثم جاء موت ماو وذهب ببعض دينه، فخلف من بعده خَلْف أضاعوا هذا الدين بعضه الباقي.

ثم ولى الناس وجوههم شطر الفيتنام وظنوها كما ظنوا السوفيات والصين حاملة أمانة الخلاص للإنسانية، وعندها مفاتح جنة الأرض.

لكن التاريخ كشف أن الجميع يحمل داء حب السلطة، وأن السلطة تفسد، وأن السلطة المطلقة تفسد فسادا مطلقا. فما لبث أن تحول الحمل ذئبا، فقهر شعبه واستعمر الكمبودج.

أما كوبا فاستحالت جنتها نارا. والغزْل الأحمر بين أنغولا والحبشة نُقض. ولم يعد العالم الثالث مخلصا، بل هو يحتاج الخلاص من ضراء الجوع، وبأساء الخوف والعداوة والقهر القديم والجديد.

وهكذا أعلنت ثورات 1968 سقوط الأصنام الرأسمالية والاشتراكية جميعا، وأن الوعود مكذوبة. ومنذئذ وشمس الثورة الشيوعية في أفول، وأوهام أبهتها في ذهاب، حتى ذهب الأمل فيها، فسقطت على فيها. فما بكت عليها السماوات والأرض، وما كانت ذكراها تبعث أملا بل ألما وأحقادا ومآسي.

وهكذا أصبحت الشيوعية والجنة الموعودة أفيونا، يلهي الناس عن الحقيقة المرة، حقيقة حب المال والسلطة الذي إذا تملك القلوب على غفلة عن الله والدار والآخرة، سار أصحابها سيرة الاستبداد والدكتاتورية والنظام الشمولي والعلو الإمبراطوري فالعدوان على الإنسان في نار خزنتها “الكولاك” و”النمنكلترا”.

طالع أيضا  متوكل يكتب.. هيبة الدولة زمن كورونا

إنه في النظام الشمولي يكون الحكم قائما على كل شيء. وهو في ظاهره يقوم على نفس الأساس الديمقراطي، المتمثل في حكم الشعب بالشعب لأجل الشعب، وله نفس البرنامج المتمثل في الحرية والمساواة والأخوة. لكن الواقع كذب هذا؛ فمبدأ حكم الشعب مقَوض في بلاد السوفييت، ففي القمة “النمنكلترا” لهم الامتيازات والخيرات ول”الزِّك” النار. فيا ليت شعري أين الحرية والمساواة والأخوة؟!

لكن الحزب، يا هذا، يحمل وعي الشعب المتنور!

إن الفارق الأساسي بين الديمقراطية والنظام الشمولي هو الموقف من التعددية والاختلاف والمجتمع المتعدد. ذلك أن النظام الشمولي لا يقبل التعددية السياسية والاختلاف الاجتماعي، كما لا يقبل الحوار والتفاوض في الحديث والتعاون بين كيانات مختلف ألوانها في الدين واللغة ووجهات النظر.

وكأني بالحزب الوحيد يقول “لا أريكم إلا ما أرى”، ويعلو علوا ثيوقراطيا كما علو فرعون. فبيده مقاليد السلطة السياسية والفلسفية والعلمية، وتحت يده الشرطة والأمن؛ فهو يملك كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والاقتصادية والثقافية.

ليس النظام الشمولي السلطة المطلقة للدولة؛ لكنه السلطة المطلقة للحزب الوحيد. فهو يتحكم في جميع دواليب الدولة، وفي جميع خلايا الحياة الاجتماعية.

يسعى الحزب الوحيد أن يكره الناس حتى يؤمنوا بعقيدته، ويكونوا على شاكلة ما يريد، ويرون ما يراه. فبذلك يكون المجتمع منسجما تلتقي فيه مصلحة الفرد والمجتمع والدولة جميعا؛ ما دامت عوامل الصراع قد قطع دابرها لما قطع دابر الذين ظلموا بالاستغلال البورجوازي. وهكذا لا يكون في المجتمع تعدد وتناقض واختلاف، وإنما من شذ عن المجتمع المنسجم فهو منحرف عقليا أو خائن أو جاسوس.

لكن الديمقراطية تنظم الاختلاف داخل المجتمع المحكوم بسيادة الشعب. هنا نقطة الاختلاف الأساسية: التعددية لازمة الديمقراطية، وإنها لعمرك أمر قضته سنة الله في الاختلاف.

وهكذا الديمقراطية تقر التعددية والتقسيم في قمة الدولة، والفصل بين السلط، وحماية الأفراد من استبداد السلطة وشططها، وحماية حقوق الإنسان وحقوق التعددية سيما الأقليات منها، فتتوقى بذلك دكتاتورية الأغلبية. وإن الحوار لهو السمة الأساسية في النظام الديمقراطي؛ إنها تنظم الاختلاف من طريق الحوار ومقارعة الحجة بالحجة في المجالس والاستفتاء والحملات الانتخابية.

وفي هذا هي والشورى سواء.

كيف تكون الشورى نقيض استبداد الفرد الوحيد أو الحزب الوحيد أو الأقلية أو الأغلبية؟ كيف التحرر من كل أنواع الاستبداد والاستعباد؟

لاإله إلا الله محمد رسول الله والحمد لله رب العالمين.