هذه الأيام، وبعض شعوب الأمة الإسلامية تحتفل بالذكرى السنوية الأولى لتحررها من الاستبداد، ما يزال الشعب السوري البطل يعاني الأمرين تحت عسف نظام استبدادي لم يفرق في بطشه بين الأطفال والنساء والشيوخ.

تكررت المبادرات وتعددت اللقاءات والاجتماعات وتشكلت لجان وزارت وفود دمشق فكرست العجز العربي، ولم تفلح في لجم آلة القمع التي لم تتوقف عن إراقة دم شعب أعزل، فانتقل عدد الضحايا من العشرات والمئات إلى الآلاف، ويأبى نظام الأسد أن يعتبر مما وقع في دول الجوار أو يُحكّم العقل والمنطق، وكأن مصير الطاغية القذافي أو خزي مبارك على رؤوس الأشهاد أو مهانة ابن علي أو مذلة عبد الله صالح لا تكفي للاعتبار. لكن لا حياة لمن تنادي. إصرار مرضي على التشبث بالسلطة، وكأن منطق الاستبداد يقول صارخا: “أحكمكم أو أقتلكم”، فكل الحلول مبتدؤها ومنتهاها في عرف أنظمة الاستبداد البقاء في السلطة وإلا فلا بديل إلا التقتيل والتنكيل. واشهدي يا حمص العزة فما أشبه اليوم بالأمس.

مناورات مكشوفة ودساتير ممنوحة وإصلاحات هي أشبه بوعود عرقوب، ونهج استبدادي واحد وموحد، وأكاذيب وأوهام مسكنة تحاول الديكتاتورية أن تخدر بها الشعوب ردحا من الزمن لعلها تفلح في احتواء رياح التغيير العربي القادم، وخلط للأوراق وتزييف للحقائق، وفتنة هي سوريا كما يريدها النظام الأسدي يختلط فيها حق الشعب في الحرية والعدالة والكرامة بباطل القول بالتبعية للغرب والانبطاح للأجنبي والانخراط في المشروع الصهيوني الأمريكي. وكل الحجج والمبررات لا يمكن أن تبرر قتل الأطفال وإراقة الدماء وتشريد الأسر وتهديم البيوت، فثورة الشعب السوري بدأت سلمية قوية مستقلة، غير أن شبيحة الأسد وبلطجيته أبت إلا أن تلجئ من انشقوا عن نظام الأسد من العسكريين إلى حمل السلاح دفاعا عن الأعراض والأرواح.

حرب دولة جبارة على شعب أعزل تلك التي يقوم بها نظام الأسد، حرب إبادة انتهج فيها كل أساليب الغصب والإكراه والعنف لعله يسكت صوت الحرية الذي انطلق من إسار أربعين سنة من استبداد الأب والابن والعائلة والحزب. أحرقت العصابة الحاكمة في الشام الأخضر واليابس، ودكّت القرى والمدن والبلدات، وأعاد الابن في حمص، وكل سوريا، رسم صورة الأب في حماة، وواصل “حماة الديار” طيلة الأشهر الإحدى عشرة الماضية إزهاق أرواح الأبرياء من الرضع والأطفال والنساء والرجال والشيوخ، في واحدة من أبشع صور الإبادة التي يمارسها نظام في حق شعبه.

سقطت الإنسانية من جديد أمام الوضع المأساوي في سوريا المنتفضة ضد جلادها، فما زال العالم عاجزا أمام صراع مصالحه وحساباته السياسية والاقتصادية الفاقدة للإحساس الإنساني والمنفلتة من كل القيم والأخلاق، وسقط العرب مجددا في امتحان الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية التي يصنعها الشعب السوري العظيم، ولم تنفع سياسة إمساك العصا من الوسط ومغازلة كل الأطراف وتحاشي وضع كل البيض في سلة الثورة، وبدا جليا أن الانتفاضات العربية لها من مبررات الوجود والقيام ما يدفعها إلى إعادة رسم خارطة السياسة في المنطقة بقدر تجديدها لمعنى وقيمة والإنسان.

ومع كل الآلام والتحديات تمضي الثورة السورية، وهي تقترب من استكمال عامها الأول، في دربها المتألق وفي أفقه قول الحق سبحانه وتعالى: “ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله”، وهو اليوم الذي يقترب مع كل صرخة وشعار ومظاهرة، ويدنو مع كل قطرة دم ودعاء كل أب ودمعة كل أم. تمضي ثورة أحرار وحرائر الشام في مسار تصاعدي مشهود حتى بات لها في دمشق وحلب، كما في كل سوريا، وجود وصوت وأنصار يقدمون الأرواح فداء للوطن، وتُطهّر براءة دمائهم الشلالة البلد من أدران الظلم والاستبداد والفساد، وتؤسس سواعدهم لدولة تسعهم جميعا وتحفظ لهم حريتهم وكرامتهم.