نظمت جماعة العدل والإحسان بمدينة فاس ندوة علمية يوم الأحد 19 فبراير 2012 حول موضوع: الدولة الإسلامية والدولة المدنية، أية علاقة؟

استهل الحديث فيها، أستاذ الفقه ومقاصد الشريعة الدكتور محمد رفيع -مُنشط الندوة- بالتطرق إلى أهمية الموضوع ومركزيته، خاصة في زمن الربيع العربي الذي كان ظلم الدولة وفسادها واستبدادها السبب المباشر في ثورات الشعوب، وخروجها إلى الشوارع للتعبير عن رفضها الجماعي لمنطق الاستخفاف بحق الأمة في اختيار حكامها، وأكد صاحب كتاب “الجدل والمناظرة، أصول وضوابط” الدكتور رفيع، أنه من اللازم الإفصاح عن طبيعة الدولة المنشودة بعد إسقاط الاستبداد والفساد… وبعد أن ذكر بأهمية أمثال هاته الندوات في التواصل العلمي، وفي تشكيل الجهاز المفهومي والترسانة المعرفية، رحب بالمتدخلين الكريمين: الأستاذ أحمد الفراك، والأستاذ خالد العسري.

هذا الأخير بَيَّنَ أن القرن العشرين كان قرن الإيديولوجيا بامتياز، وعرَّف بالتنازع الإيديولوجي الشديد بين الشرق والغرب، فكان من اللازم أن تنعكس الصبغة الإيديولوجية على مفهوم الدولة، وأن توسم بعنوان إيديولوجي؛ دولة اشتراكية أو دولة إسلامية أو دولة ليبيرالية.

ولكن بعد سقوط المعسكر الشرقي، يضيف الأستاذ الباحث في القانون العام خالد العسري، ومع بداية القرن 21 الذي عرف مراجعات عند العديد من التيارات الفكرية، لوحظ التقاء العديد من الحركات القومية بالحركة الإسلامية في كثير من الملتقيات والمنتديات، وبزوغ النموذج التركي الذي أكد إمكانية التعايش بين الحركة الإسلامية والدولة المدنية الليبرالية، وكل هذا، يؤكد صاحب كتاب “التربية والشورى، الأسئلة الحرجة”، دفع بالانتقال من التفكير الإيديولوجي المنغلق، إلى البحث عن الفسيح المشترك، خاصة عندما نزل الجميع الميدان في زمن الثورات العربية الأخير.

هذه الرغبة المشتركة في التخلص من الفساد والاستبداد، وفي تأسيس دولة الحرية والعدل والكرامة، وبعد تأكد كل الأطراف بما فيها الحركة الإسلامية التي تعتبر الأكثر اتساعا في المجتمع بعدم استطاعتها التغيير بمفردها، وبعد تخوف أطراف أقل تمثيلا في المجتمع من المشروع الإسلامي، دفعت الجميع، للبحث عن الدولة المشتركة الخالية من الطابع الإيديولوجي، التي تجمع مختلف مكونات المجتمع، وهي الدولة المدنية.

وعرج في الأخير مؤلف كتاب “الشورى المغيبة” الأستاذ العسري، على الخصائص النظرية والعملية للدولة المدنية، قبل أن يتساءل عن إمكانية تأسيس الدول دون تصور مجتمعي موحد؟

أما المداخلة الثانية للأستاذ الباحث أحمد الفراك، فركزت مع بعض التفصيل في المدخل النظري الضروري المعرف لماهية كل من الدولة الدينية والدولة المدنية والدولة الإسلامية.

وذكر أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي أحمد الفراك أن الدولة الدينية غربية المنشأ، وهي دولة الكنيسة الكاتوليكية، التي كانت تزعم أن الحاكم هو ممثل الإله في الأرض. كما بين أن هذا الطرح قد يلتقي في تاريخنا الإسلامي مع العقيدة الجبرية التي لا تجيز منازعة الحاكم لأنه خليفة الله في الأرض وظله المقدس.

ثم انتقل صاحب كتابي “ضرورة العمل الجماعي” و”رسالة العلماء” الأستاذ الفراك، إلى تبيين الأسس التي تقوم عليها الدولة المدنية، وهي القانون، والتعاقد الذي يعطي السيادة للشعب ويرفع عنها القداسة والوراثة، وفصل السلط حتى تُوقف السلطة السلطة، والحقوق سواء منها الفردية والجماعية، ومبدأ التعددية السياسية وحق المعارضة وحق التناوب على السلطة…

وبعد ذلك تساءل: هل الدولة الإسلامية دون أو تساوي أو تتجاوز الدولة المدنية؟

وقبل أن يخلص للإجابة على هذه المسألة، عرج على خصائص الدولة الإسلامية التي لخصها في:

1. حاكمية الشريعة، إذ لكلِّ “وطن” مرجعية تأسيسية متفق عليها.

2. سيادة الشعب، إذ الأمة هي المستخلفة لا الحاكم. فالحاكم هو نائب عن الأمة وليس عن الله.

3. الشورى والاختيار وهي بذلك تقطع مع الاستبداد والوراثة وسرقة رأي الأمة.

4. فصل السلط، وفي هذا التقاء مع الديمقراطية.

5. الحقوق والحريات.

وفي الختام تطرق المتدخل إلى أن دولة الإسلام لها ثلاث مرتكزات تجمع بين ثلاث دوائر متداخلة ومتكاملة: هي دولة القرآن، ودولة الأمة، ودولة الإنسان.

وهي بذلك تزيد على الدولة المدنية بكونها حاملة رسالة خالدة إلى الإنسان أينما وُجد وكيفما وُجد تذكره بمخلوقيته ومقتضيات هذه المخلوقية.

وعرفت الندوة نقاشا تعددت زوايا النظر فيه، وتنوعت بين النقد البناء، والاستفسار والمساءلة، والإضافة والتوضيح.

وتلخص رد الأستاذ خالد العسري أنه لا تزال تطرح على الموضوع أسئلة حرجة، تحتاج كما قال الأستاذ أحمد الفراك إلى مزيد من الاستبصار والاجتهاد.