أجرت جريدة “الأسبوع الصحفي” عدد 1114/677 الصادر بتاريخ 26 يناير حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، تناول مستجدات المشهد السياسي بالمغرب وموقف الجماعة من مجموعة من القضايا. وفيما يلي النص الكامل للحوار:

اعتبرتم في رسالتكم الأخيرة الموجهة لحزب العدالة والتنمية أن حزب بن كيران ساهم في الالتفاف على المطالب الحقيقية للشعب، كما اعتبرتم أن المؤسسات التي يعمل من داخلها مجرد هوامش على متن الاستبداد، هناك من اعتبر أن ذلك إصرار على العمل خارج المؤسسات؟

عندما تفرغ المؤسسات من أدوارها وتسحب منها صلاحياتها تصبح واجهة لديمقراطية مزيفة تخفي وجه الاستبداد، وتساهم في تعشيش الفساد في دواليب الدولة. لأن وضعا كهذا تغيب فيه قواعد المحاسبة والمراقبة المفترضة لمن يتحمل مسؤولية تسيير الشأن العام، تصبح المؤسسات شكلية ومزيفة، والمشاركة فيها عائقا أمام قيام دولة الحق والقانون والحريات، وتحرم المواطن من تلمس حقيقة الوضع، في ظل الغبش الذي تحدثه لعبة المؤسسات والبهرجة التي تصاحب الانتخابات، وما يرتبط بذلك من انتظارات وآمال. لذلك فنحن نقدر أن تزكية هذه المؤسسات بالقول أو الفعل، مهما خلصت النوايا، هو التفاف على مطالب وحقوق الشعب المغربي في العيش بكرامة وحرية.

هناك من يقول بأن العدالة والتنمية بدخولها للمعترك السياسي سحبت البساط من تحت أقدامكم لاسيما بعد أن اعتبرتها عدة منابر دولية كحكومة للربيع العربي واعتبرتها تتويجا لجهود الإسلاميين على غرار ما حصل في بلدان أخرى؟

ما حدث في بلدان أخرى هو ثورة، ثورة حقيقية واضحة المعالم، أسقطت بنيان الاستبداد، ومازالت حركيتها تدافع من أجل اجتثاث جذوره المتمكنة في سراديب الدولة. أما الوضع في المغرب فلا يخرج عن كونه تكتيكا مخزنيا لمرحلة معينة. فالدول الأخرى عرفت انفراجا سياسيا وحقوقيا واسعين حيث رفع الحصار عن الحركات المعارضة للأنظمة البائدة، وتحرر الإعلام، وأطلق سراح معتقلي الرأي والسياسة، وتوقف التعذيب والاعتقالات والمحاكمات الملفقة، ونظمت انتخابات حرة، بمشاركة مكثفة ودون إقصاء أي طرف، فهل تحقق نفس الشيء في بلدنا؟ أبدا، ففي عز الحراك الشعبي تم إخراج نسخة أخرى لدستور يمكّن للاستبداد شكلا ومضمونا، واستمر كتم صوت حرية التعبير السياسي والصحافي وحرية التنظيم، ومحاكمات الرأي متواصلة إلى اليوم، وتعرض معتقلو ما يسمى بالسلفية الجهادية للتعذيب في السجون، واستشهد عدد من المحتجين على أيدي قوات الأمن خلال المظاهرات. فكيف يمكن لعاقل أن يتحدث عن ربيع عربي مغربي؟

بصيغة أوضح ما هو الفرق بينكم وبين حزب العدالة والتنمية؟

العدل والإحسان جماعة دعوية، بالمفهوم الواسع للدعوة الإسلامية الذي يشمل كل مجالات الإنسان والمجتمع، والعمل السياسي جزء من هذه الاهتمامات، وفيه نختلف جوهريا مع الإخوة في حزب العدالة والتنمية، فنحن نعتقد أن الاستبداد هو أصل الداء الذي يعيشه المغرب على جميع المستويات، وأن إسقاط الاستبداد الذي ثبت أنه غير قابل للإصلاح هو الطريق المباشر لتحقيق طموحات المغاربة في العيش الكريم، وهذا الإسقاط لا يمكن أن يتم من خلال التحالف معه، أو تزكية مؤسساته ودب الروح فيها.

من بين القرارات التي اتخذتموها مؤخرا هو الانسحاب من حركة 20 فبراير، لكن مبرراتكم لم تقنع كثيرا من المتتبعين إلى حدود اليوم، هل يعقل أن التضييق على العدل والإحسان بلغ إلى درجة أنكم فضلتم الانسحاب، علما أن هناك من يقول أن عددكم كبير؟

كل المتتبعين الموضوعيين أدركوا جيدا أبعاد قرار العدل والإحسان توقيف مشاركتها في حركة 20 فبراير، وكلما مر الوقت إلا ازداد الأمر وضوحا، وبالطبع فإن موقفنا لن يعجب من يصب في غير مصلحتهم ورهاناتهم، خاصة منهم من كانوا يركبون على الاحتجاجات بتلك الوتيرة للضغط من أجل تحسين مواقعهم وابتزاز خصومهم، وفي مقدمتهم النظام والأطراف التي كانت تعلن عداوتها للحركة وفي نفس الوقت تستفيد من ضغطها. وفي كل الأحوال فنحن لم نعتمد على كتلتنا العددية في يوم من الأيام لفرض تصوراتنا وإيقاعنا، ودائما نعتقد أن التعاون يقوم أساسا على احترام الآخر والقبول به على طبيعته، مع البحث عن وسائل لتحقيق الأهداف المشتركة. والذين عاشروا شباب الجماعة خلال العشرة أشهر التي قضوها في التنسيق من خلال الجموع العامة لحركة 20 فبراير يدركون ذلك جيدا. وبقدر ما نقبل الآخر كما هو، فعليه أن يقبلنا كما نحن، لذلك فإننا نرفض أن يلزمنا أو يشترط علينا أحد أن نغير من قناعاتنا ومبادئنا ومرجعيتنا، بما يناسب قناعاته ومبادئه ومرجعيته هو.

هناك من اعتبر أن انسحابكم محاولة للانسحاب بشرف بعد أن تضاءل عدد المشاركين في مسيرات حركة 20 فبراير؟

لقد أوقفنا مشاركتنا في حركة 20 فبراير وهي في أوج عطائها، وقد تتبع الجميع المسيرات التي نظمت عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية، وعدد النقط الجغرافية التي كانت تعرف نشاطا للحركة، وبالتالي فهذه القراءة التي روجها البعض تفتقر إلى الدليل الواقعي.

وما دليلكم أنتم على قوتكم التنظيمية إن لم يكن الأمر كذلك؟

ما حبانا الله به من نعم ومنها مواقفنا القوية وتنظيمنا الواسع وصفنا الموحد لا يحتاج منا لدليل لأنه واقع يشاهده الجميع وآثاره فاعلة مؤثرة في مجريات المشهد السياسي والبنية المجتمعية.

لا نقول هذا من باب التعالي أو الثقة الزائدة في النفس ولكن من باب وأما بنعمة ربك فحدث.

ماذا كنتم ستخسرون لو بقيتم في الحركة؟

وماذا كنا سنربح ويربح الشعب من خلال الاستمرار في الحركة في ظل الشروط والأفق الذي تحدثت عنه سابقا. فقد كنا على أتم الاستعداد لمزيد من البذل والتضحيات مهما استغرق ذلك من الوقت لو اقتنعنا بحجم النتائج المحققة. المهم أن الأهداف هي نفسها، وعلى رأسها إسقاط الاستبداد والفساد، أما الفضاءات والأساليب فالمحدد فيها هو مدى فعاليتها ضمن الشروط المحيطة.

كيف كنتم ترتبون مسألة الخروج للشارع مع الأطراف الأخرى داخل حركة فبراير؟

كل ما يتعلق بالنزول للشارع من مواعيد وأماكن ولافتات وشعارات ولوجستيك، كان يتم التقرير فيه داخل الجموع العامة للحركة، حيث تتخذ القرارات بطريقة ديمقراطية، وقد كان شبابنا مشاركا فعالا فيها.

عمليا أنتم الأن أعلنتم انسحابكم من الشارع وتعارضون العمل من داخل المؤسسات هل معنى ذلك أنكم ستواصلون الاشتغال بنفس الأسلوب القديم؟

لقد أوقفنا مشاركتنا في حركة 20 فبراير ولم ننسحب من الشارع. ونحن جسم حي يتطور باستمرار، ونتعامل مع الظروف الموضوعية بما يتلاءم معها، وأساليبنا في العمل تشهد تنوعا مستمرا، ولا تكبلنا الأساليب والوسائل، ولدينا الاستعداد الفكري والنفسي والتنظيمي لذلك.

هناك سؤال ما زال معلقا حول مصدر تمويل تلك الشعارات واللافتات التي رفعت في حركة 20 فبراير، هل كان لمالية الجماعة دور في هذا الإطار؟

أعتقد أن الجانب المالي كان واحدا من النجاحات التي توفقت فيها مكونات الحركة ولا يمكن لأحد أن يزايد عليها فيها لما اتسمت به من شفافية ومسؤولية. فقد كان الشباب يجمعون المساهمات والتبرعات والاشتراكات المالية من داخل الجموع العامة، وكان الجميع يساهم حسب استطاعته، وكانت لجان منتخبة تشرف على الصرف بناء على تقارير دورية.

ما هو جوابكم على من يتهم الحركة بالتبعية المالية لجهات خارجية؟

جماعة العدل والإحسان مستقلة في تنظيمها وإمكانياتها وقراراتها، ومن يقول عكس ذلك يلزمه الدليل لا الإشاعة.

هناك من تحدث عن صفقة بينكم وبين الدولة أو مع العدالة والتنمية عندما أعلنتم انسحابكم من الشارع، ما رأيكم؟

وما رأي أصحاب هذا الطرح بعد رسالتنا الأخيرة لحركة التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية؟

طالما أنكم تعتبرون أن رسالتكم لحزب العدالة والتنمية تعتبر دليلا واضحا على عدم وجود صفقة، كيف تفسرون رد حركة التوحيد والإصلاح التي اكتفت بشكركم على الرسالة؟

لم تكتف الرسالة الجوابية للإخوة في التوحيد والإصلاح بالشكر، بل إنها أكدت نفس ما ذهبنا إليه في رسالتنا إليهم بوجود اختلافات جوهرية بيننا، خاصة في الاختيار السياسي، لا يستقيم معها ادعاء من يدعي تنسيقنا في أمر تعتبره جماعة العدل والإحسان هامشا على متن الاستبداد وتعتبره حركة التوحيد والإصلاح تحولا مهما.

ماذا عن الدعوات التي يطلقها بنكيران في كل مرة والتي تدعوكم إلى النضال من داخل المؤسسات؟

بهذا القول هو يحمل الجماعة وضع الحصار المفروض عليها ويبرئ المخزن من ذلك، في الوقت الذي نؤكد نحن ويشهد به الواقع أن النظام هو الذي يمنعنا من هذا الحق الذي لا ينبغي أن يكون أصلا محط مساومة أو اشتراط، والمستغرب هو استمرار الأستاذ بنكيران في قول ما يقول حتى وهو رئيس للحكومة مما يفرض عليه حل المشكل لا تكرار ما واجهنا النظام به أزيد من ثلاثة عقود، ولا نعتقد أنه بإمكانه ذلك لأن الأمر خارج عن سلطته.

أين وصلت مفاوضاتكم مع القصر وهل تجددت هذه المفاوضات في الفترة الأخيرة؟

لم نشعر يوما أن النظام يفاوضنا. والمرات التي جاءنا فيها مبعوثون من القصر كانوا حاملين لتعليمات وإملاءات فوقية، على عادة النظام في تعامله مع كل الأطراف. وكنا دائما نرفض هذا الأسلوب، ولهذا توقف زوار القصر منذ سنوات.

لماذا ترفضون دائما تأسيس حزب سياسي؟

نحن لا نرفض تأسيس حزب سياسي، المخزن هو الذي لا يسمح بتأسيس حزب إلا بعد توفر شروط غير تلك الواردة في قانون الحريات العامة. فالحزب السياسي في المغرب يخضع لمساطر قانونية وإلى جانبها مساطر سياسية يفرضها المخزن فرضا على كل راغب في ممارسة حقه في التجمع والتعبير السياسيين. وكم من حزب في المغرب، بل كم من جمعية ثقافية أو رياضية أو فنية أو تربوية لم تتسلم وصل إيداع ملفها القانوني لمجرد أن المخزن شم رائحة معارض له من ضمن أعضاء مكاتبها. ويتابع الجميع كيف أن أحزابا تحصل على الترخيص بين عشية وضحاها، في حين ما تزال أحزاب أخرى تناضل منذ سنوات لنيل هذا الحق البسيط وتمنع منه إلى يومنا هذا.

كما أن الشروط التي يفرضها المخزن مقابل السماح بالنشاط الحزبي تفقد الحزب دوره ووظيفته التي من أجلها أوجدته الديمقراطيات الناجحة، وبالتالي ما الجدوى من تأسيس إطار لا يؤدي مهمته كما يفترض؟

هناك من يقول بأنه عرضت عليكم في وقت من الأوقات إمكانية الالتحاق بالعمل السياسي من خلال أحزاب قائمة هل هذا صحيح وما حقيقة ذلك؟

نعم حصل هذا ولم نقبل به أبدا، نريد حقنا الطبيعي في الممارسة المجتمعية، وقد ارتضينا جماعة العدل والإحسان إطارا لذلك لا غيرها لأننا نريد العمل بوجه مكشوف ولا نقبل التسلل من خلال النوافذ.

بشكل أوضح ما هي شروطكم من أجل الدخول في اللعبة السياسية؟

نحن منخرطون في العمل السياسي ولسنا أبدا على الهامش كما يصورنا البعض، ولعله يغالط نفسه من لا يزال يروج لهذه الشائعة بعد السنة الفارطة وما كان فيها من أحداث كبيرة كانت جماعة العدل والإحسان المؤثر الأبرز فيها. وعلى كل حال فنحن لا نطلب أكثر مما يضمنه الدستور المغربي على علاته من حق في التجمع والتعبير بحرية.

صرحتم في وقت سابق أن حسن أوريد هو من تكلف بمناقشة قضية فك الحصار عن الشيخ ياسين، لكن قلتم أنه أخد شروطكم واقتراحاتكم ولم يعد هل تؤكدون ذلك؟ وهل حمل لكم عرضا بالدخول للسياسة؟

لا لم يحمل عرضا يتعلق بالوضعية العامة لجماعة العدل والإحسان، إنما كانت الغاية التخلص من عبئ قضية الحصار الذي كان مفروضا على مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين وما كانت تجلبه للنظام من حرج. ونحن لم نقبل هذا المنطق التجزيئي فذهب المفاوض ولم يعد.

هناك من يتوقع دخول الجماعة في أزمة تنظيمية بسبب الصراع على خلافة الشيخ ياسين، ما رأيك؟

من يقول بذلك لا يعرف حقيقة الجماعة وطبيعة روحها التربوية وتنظيمها وتدبيرها الداخلي. المشكل الذي يعاني منه البعض هو أنه يكذب كذبة فيصدقها ثم يبني عليها تحليلات وخلاصات. الحقيقة أن قوانين الجماعة كافية بتوفيق من الله لتدبير كل القضايا التنظيمية الداخلية، والأهم أن هذا يعرفه ويهضمه جيدا كل أعضاء الجماعة.

هل هو بصحة جيدة، بمعنى آخر هل مازال يقوم بتسيير شؤون الجماعة؟

لا يزال الأستاذ عبد السلام ياسين يؤدي دوره التربوي والتنظيمي باعتباره مرشدا عاما للجماعة، علما أن تسيير شؤون الجماعة يتم بإشراف مؤسساتها كل حسب تخصصه.

انتشرت بالموازاة مع الحراك الشعبي الذي يعرفه الشارع مقاطع تدين بعض أعضاء الجماعة بفضائح أخلاقية، كيف تعاملتم مع ذلك؟ وبماذا تفسرونه؟

تلفيقات المخزن ومحاولة تشويه الصورة الأخلاقية للجماعة من خلال أعضائها أسلوب ليس جديدا على النظام في تعامله مع المعارضين، وقد تعاملنا معه بالانشغال عنه بقضايانا الكبرى والتحديات التي تنتظر مجتمعنا.

هل ما زلتم تؤمنون بإمكانية تحقق الطوفان؟

لقد تابع الجميع طوفان تونس، وطوفان مصر وليبيا وسوريا واليمن، أليس هذا دليلا واقعيا على إمكانية تحققه؟ أليس هذا حجة على صحة قراءتنا لمآلات الاستبداد؟ فكيف نفقد اليوم إيماننا بإمكانية تحقق الطوفان بعد أن أكد الواقع نظريتنا، إن لم تقدم إجابات حقيقية على مطالب الشعب؟