أجرى موقع “aljamaa.net” حوارا شاملا مع الدكتور محمد منار، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، تناول بالقراءة والتحليل الأوضاع السياسية المغربية والعربية الراهنة واستشرف آفاق الحراك السياسي والاجتماعي المتصاعد. وفيما يلي النص الكامل لهذا الحوار:

لنبدأ من الموضوع الذي استأثر في حينه باهتمام الرأي العام، ما هي ملاحظاتكم الأولية على مسار تشكيل حكومة بنكيران في الأبعاد الدستورية والسياسية، خاصة فيما يخص تداخل الصلاحيات ما بين القصر والحكومة؟

بسم الله الرحمن الرحيم. في البداية أشكركم على إتاحة هذه الفرصة للتواصل مع زوار الموقع. جوابا على سؤالكم ودون الخوض كثيرا في بعض الجزئيات والتفاصيل التي لا تخفى أهميتها، لكن الخوض فيها مباشرة والتوسع فيها قد ينسينا بعض الملاحظات الجوهرية التي هي الأساس. أقول بأن نجاح أي حكومة رهين بخمسة عوامل، أو قل خمسة شروط أساسية، هي: أولا: الأساس الدستوري الذي تنطلق منه هذه الحكومة؛ وثانيا: أساسها التمثيلي أي الشرعية الانتخابية التي تتمتع بها؛ ثم ثالثا: تكوين هذه الحكومة سواء على مستوى طريقة تشكيلها أو هيكلتها أو مكوناتها؛ ورابعا: البرنامج الحكومي؛ أما خامسا وأخيرا: القدرة المادية والسياسية للحكومة على تطبيق هذا البرنامج. والمتتبع للمشهد السياسي المغربي ولمسار تشكيل الحكومة سيلحظ دون شك أن هناك اختلالات واضحة، ترتبط بمختلف هذه الشروط، لا يتسع المقام للتفصيل في ذلك، ولكن أكتفي فقط ببعض الإشارات. فالدستور الأخير رغم كل ما قيل عنه لا يزال يحتفظ، إما بشكل مباشر أو غير مباشر، بهيمنة المؤسسة الملكية على كل السلط، بما فيها السلطة التنفيذية، فالملك له سلطة تعيين واسعة كما أنه يترأس مجموعة من المجالس، والقضايا الأساسية للعمل الحكومي تحسم في المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، وحتى في حالة التفويض لرئيس الحكومة، فإن ذلك يكون بناء على جدول محدد سلفا كما يحدد ذلك الفصل 48 من الدستور. وللملك سلطة واضحة على الوزراء ليس فقط من خلال تعيينهم ولكن أيضا من خلال إمكانية إعفائهم. الدستور الأخير يتيح إمكانات كثيرة لتدخل الملك في السلطة التنفيذية الأمر الذي يجعل عمل أي حكومة محدود الأثر، بغض النظر عن النوايا والطموحات، خاصة إذا كانت هذه الحكومة تفتقد إلى شرعية تمثيلية قوية، أقصد شرعية قيمية تتمثل في نزاهة الانتخابات وشفافيتها، وشرعية كمية تتمثل في نسبة مشاركة عالية. فالانتخابات الأخيرة لا تختلف من حيث بعض أساليب الفساد عن الانتخابات السابقة، فقد كانت هناك خروقات جوهرية عديدة سواء في مرحلة إعداد القوانين الانتخابية أو إبان العمليات الانتخابية، يكفي أن نشير إلى البيانات والتصريحات النارية لحزب العدالة والتنمية في هذا الصدد، والتي استمرت إلى يوم الاقتراع، ليختفي كل ذلك بالمرة بعد الشروع في الإعلان عن النتائج، ونسبة المشاركة المعلن عنها رسميا تبقى ضعيفة، فنسبة 45 في المائة هي من عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية الذين لا يتجاوز عددهم 13 مليون ونصف، وليس من عدد الناخبين الذين لهم حق التصويت والذين يتجاوز عددهم 21 مليون. يضاف إلى هذا أن نسبة الأوراق الملغاة لم يتم الإعلان عنها إلى حدود الساعة، بل إن نتائج الانتخابات لم تنشر إلى حدود الساعة في الجريدة الرسمية. وليس من الصحيح مقارنة نسبة المشاركة مع نسبتها في 2007، ولكن ينبغي مقارنتها مع نسب المشاركة التي عرفتها بعض الدول العربية في سياق الربيع العربي، هذا من جهة أما من جهة أخرى وهذا هو الأهم فإن تلك النسبة المعلن عنها رسميا تبقى مشكوكا فيها إلى حد بعيد ما دامت وزارة الداخلية كانت هي المهيمن الأول والأخير على إدارة الانتخابات. إنها لعبة أخرى من ألاعيب المخزن، فقد كان هناك نوع من الشفافية بالنسبة لعدد المقاعد التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية حتى ينبهر الناس ويقولوا إن الانتخابات نزيهة وشفافة، ولا ينتبهوا إلى ما حدث من فساد في الانتخابات وما حدث في نسبة المشاركة. مع العلم أن التحدي الأول بالنسبة للمخزن كان هو نسبة المشاركة، لأن نسبة مشاركة ضعيفة جدا تعني فشل مسار الالتفاف الذي انطلق في شهر مارس 2011، ولأنه يعلم أن أي حكومة في ظل القيود الدستورية والسياسية الحالية لا تشكل أي خطر عليه. إذن فحكومة لا تستند إلى أساس دستوري ديمقراطي ولا تتمتع بشرعية تمثيلية قوية لا شك ستكون حكومة ضعيفة وسيتجلى ذلك في تركيبتها ومسار تشكيلها وضعف فعاليتها، ولعل ما ظهر من اختلالات بالجملة إلى حدود الساعة يؤكد ذلك.

كيف تنظرون إلى تركيبة الحكومة الجديدة؟ وهل باستطاعتها تحقيق الانتظارات في ظل تنافر الخلفية الإيديولوجية والسياسية لمكوناتها؟

الحكومة الحالية لا يتوفر فيها الانسجام الإيديولوجي حيث تجمع بين أحزاب يقال إن مرجعياتها الفكرية مختلفة، كما لا يتوفر فيها الانسجام السياسي حيث تجمع بين وزراء منتمين إلى أحزاب ووزراء غير منتمين إلى أي حزب من جهة أولى، وبين أحزاب سياسية كانت في الحكومة وأخرى كانت في المعارضة من جهة ثانية. هذا كله من شأنه أن يؤثر على الفعالية المطلوبة في العمل الحكومي. يمكن أن نقول بأن حكومة السيد بنكيران لا تعرف فقط تطويقا دستوريا وسياسيا من الخارج يل تعرف أيضا تطويقا ذاتيا من خلال تركيبتها الهجينة. فبعض حلفاء العدالة والتنمية يمكن أن يشكلوا آلة للفرملة والتطويع ولعل ما حصل بشأن عرض الهيكلة الحكومية على المؤسسة الملكية مثال واضح على ذلك، فقد سمعنا أصواتا تقول إن بعض الحلفاء في الحكومة هم من أشاروا على بنكيران بذلك، رغم أن الدستور لا ينص على أي شيء اسمه عرض الهيكلة الحكومية على المؤسسة الملكية. مثل هذا يمكن أن يتكرر. وطبعا الإخوة في العدالة والتنمية غير معذورين في ذلك، لأنهم قبلوا بهذا الوضع منذ البداية. وطبعا حكومة بهذه الخصائص لا يمكن التعويل عليها كثيرا في تحقيق انتظارات الكثير من المغاربة، خاصة حين نعلم الحجم الاجتماعي الثقيل لهذه الانتظارات، في وقت يتحدث فيه المحللون الاقتصاديون عن صعوبات كبيرة أمام المغرب.

بعض الباحثين تحدثوا عن خروقات دستورية أقدم عليها الملك إبان فترة مفاوضات تشكيل الحكومة (تعيين السفراء مثلا)، وأخرى أقدم عليها أعضاء الحكومة بعد التعيين من قبل الملك وقبل التنصيب من قبل البرلمان (تسليم السلط)، هلا سلطتم الضوء على ذلك؟

أجل هناك خروقات دستورية، وقبل الحديث عن بعض هذه الخروقات، أريد أن ألفت النظر إلى شيء مهم، فالخرق المتكرر للدستور يعني أن الثقافة السياسية السائدة لا تمنح للدستور، بمفهومه السياسي والقانوني بغض النظر عن محتواه، المكانة اللائقة به، هذه الاستهانة بالدستور تؤكد أن الحكم والسياسة بهذا البلد يحكمها شيء آخر غير الدستور. الوثيقة الدستورية في البلدان الديمقراطية لها مكانة خاصة وتحظى باحترام خاص جدا جدا، وكلما نقص هذا الاحترام كلما كان الابتعاد عن الحكم الديمقراطي والاقتراب من الاستبداد. وحتى نعرف أن الأمور مرتبطة إلى حد بعيد فإن الدستور لا يمكن أن تكون له تلك المكانة اللائقة به إذا لم يولد عن مخاض عسير ويخضع وضعه لتدافع حقيقي بين القوى السياسية والاجتماعية وتأرجح واضح في ميزان القوى. بتعبير آخر الدستور الممنوح بشكل من الأشكال لا يمكن أن يكون إلا مهملا، ومتى كان الدستور مهملا فإننا سنبقى بعيدين كل البعد عن حكم مؤسساتي حقيقي.

لقد حرص المحيط الملكي خلال فترة تشكيل الحكومة على بعث إشارات لها دلالة خاصة في الثقافة المخزنية بغض النظر عن موافقتها أو مخالفتها للدستور، فتعيين السفراء وتعيين عدد مهم من المستشارين، وبالإضافة إلى ما يعنيه ذلك من حكومة ظل، فإنه يشكل رسالة تقول إن الملك موجود وهو يسود ويحكم وأنه في حاجة إلى مساعدين له في الحكم، وكثرة التعيينات والتدشينات الملكية خلال هذه الفترة فيها محاولة للإيحاء بأن الإنجاز الحقيقي هو ما يقوم به الملك، فإذا كان المشاركون في الحكومة يقولون ويصرحون أو تحصل بينهم بعض السجالات السياسوية، فهذه التدشينات في فاس ومكناس والجديدة والوليدية وغيرها تقول بلسان الحال، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال، انظروا إلى العمل الدؤوب للمؤسسة الملكية. هذه إشارات مقصودة وغيرها كثير مما تحرص عليه الثقافة المخزنية.

أما فيما يرتبط بالحكومة، فهناك مجموعة من الخروقات والتأويلات غير الديمقراطية للدستور، على سبيل المثال لا الحصر نفهم من منطوق الدستور أن ما يجب عرضه على الملك هم الوزراء المقترحون ليتم تعيينهم وليس هناك أية إشارة في الدستور لعرض الهيكلة الحكومية وما تشمله من قطاعات وزارية على الملك ونجد أن هذا الأمر قد تم، بل إن المحيط الملكي كانت له تعديلات جوهرية في الهيكلة الحكومية. ومن أغرب ما سمعت وقرأت في الإعلام أن مصطفى الرميد بعد أن كان الاعتراض عليه وبعد أن تشبث به بنكيران تدخل الملك ليقول لا اعتراض، مع العلم بأن التعيين بنص الدستور هو بيد الملك، وإذا كان هناك من اعتراض فيجب أن يكون من الملك وليس من غيره. وانسجاما مع نص الدستور كان ينبغي أن تكون أكثر من امرأة في الحكومة، وكان ينبغي الاكتفاء فقط بالوزراء لأن ليس هناك في الدستور شيء اسمه الوزير المنتدب، وهنا أسأل كيف ستكون العلاقة بين الوزير والوزير المنتدب في وزارة الداخلية أو الخارجية، هل سيكون الوزير المنتدب تابعا للوزير وفي هذه الحالة هل من المنطقي اعتبار الوزير المنتدب عضوا في الحكومة؟ وهل من المنطقي منحه صفة وزير؟ وإذا كان الوزير المنتدب تابعا لرئيس الحكومة مباشرة فكيف ستكون العلاقة بينه وبين الوزير؟ وما هي الحاجة إلى وزيرين في نفس القطاع مع ما يسببه ذلك من تكاليف مادية ومن تداخل في الاختصاصات؟ علما أن للوزارة هيكلة تضم موظفين سامين وغيرهم تغني عن إحداث منصب وزير منتدب. هذه أسئلة مشروعة لكن الكل يعلم الدور المنوط بالوزراء المنتدبين من قبل جهات عليا. وهناك قضية كثر حولها الحديث، هي مسألة تنصيب الحكومة، فالفقرة الأخير من الفصل 88 من الدستور تقول بالحرف: تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي)، فهذا يعني بشكل واضح أن الحكومة لا تعتبر منصبة إلا بعد تصويت مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لصالح البرنامج الحكومي، وبالتالي فالوجود المؤسساتي للحكومة بصفتها حكومة لا يكون إلا بعد التصويت في مجلس النواب، وإذا كانت هذه الحكومة غير موجودة بقوة الدستور مؤسساتيا فكيف يعقل أن تعقد مجلسا حكوميا، علما أن المجلس الحكومي هو آلية لاجتماع الحكومة بصفتها مؤسسة. إلى هنا الأمور واضحة لكن حين نقرأ عبارة لصالح البرنامج الحكومي وليس مشروع البرنامج، فهذا يفترض أن الحكومة اجتمعت وأعدت برنامجها لعرضه على البرلمان، وصفة الحكومي تحتمل إما العودة على موضوع البرنامج، بمعنى أنه برنامج يفصل خطوط العمل الحكومي، أو العودة على واضع البرنامج، أي أن هذا الأخير وضعته الحكومة. كل هذا يؤكد نقيض الاستنتاج الأول ليكون المقصود بالتنصيب مجرد تزكية بعدية لمجلس النواب بعد تعيين الحكومة بصفتها المؤسساتية وليس فقط أعضائها من قبل الملك. إذن هناك القراءة والقراءة المضادة للدستور، أو التأويل والتأويل المضاد، وهذا إشكال كبير في الدستور الحالي، فالكثير من فقراته تحتمل أكثر من تأويل، بل تحتمل تأويلات متناقضة. وهناك من ذهب إلى أن الحكومة من حقها بعد التعيين الملكي أن تقوم ببعض المهام الإدارية لضمان استمرار المرافق العمومية أما القيام بمهام سياسية ذات بعد استراتيجي فإنه يتوقف على التنصيب من قبل مجلس النواب، وهنا أسأل: هل تدخل زيارة وزير الخارجية لبلد ما ضمن المهام السياسية أم الإدارية؟ حقيقة لا أفهم دواعي الاستعجال في زيارة السيد سعد الدين العثماني للجزائر سوى إذا كان القصد من بعض الجهات بعث إشارة مفادها أن الوجود الإداري والسياسي للحكومة يكون مباشرة بعد تعيينها من الملك. الكثير من الباحثين يحرصون في كتاباتهم على التأويل الديمقراطي للدستور، لكن هناك جهات تفرض في الواقع تأويلا آخر، وهو ما أسميه التأويل السلطاني وليس التأويل السلفي كما يقول عبد الله العروي. والسؤال هو لماذا لم يكن الدستور أكثر وضوحا في نصه بحيث لا يحتاج إلى كثرة التأويلات. أظن أن هذا داخل في اللعبة.

تشكلت حكومة بنكيران وتسلمت العدالة والتنمية بزمام الأمر، كما هو الحال بالنسبة لحركة النهضة في تونس، ما هو في نظركم المشترك والمختلف بين التجربتين؟

لا قياس مع وجود الفارق، الانتخابات في تونس هي انتخابات تأسيسية تحقق القطيعة الكاملة مع الانتخابات السلطوية التي كانت في السابق، أما الانتخابات في المغرب فهي استمرار لمسلسل انتخابي قد تتغير بعض سماته لكن وظائفه ثابتة، بحيث لا تفضي هذه الانتخابات حقيقة إلى امتلاك السلطة ولكن تفضي إلى إفراز مساعدين لمالك السلطة. في إطار تجديد السلطوية وبنوع من التكيف الظرفي قد تحقق الانتخابات بعض التغييرات في التوازنات لكنها لا تحقق تغييرات في بنية السلطة. هناك فروق متعددة سواء على مستوى النزاهة أو المشاركة أو الفعالية، أقصد بالفعالية مصداقية المؤسسات التي أفرزتها الانتخابات. أقف فقط على الفرق فيما يتعلق بالجهة المشرفة على الانتخابات، مع العلم بأن من أهم ضمانات الانتخابات الديمقراطية هي تحقق شروط الاستقلالية والحياد والاحترافية في الجهة المشرفة عليها. ففي تونس أشرفت على الانتخابات لجنة عليا مستقلة شهد الجميع باستقلاليتها وحيادها واحترافيتها، أما عندنا فقد أشرفت على الانتخابات وزارة الداخلية ذات التاريخ الحافل في تزوير الانتخابات. في تونس اللجنة العليا المستقلة هي من اختارت رئيس وأعضاء مكاتب التصويت، أما في المغرب فنحن نعلم أن العامل وبقوة القانون هو من يعين رئيس وأعضاء مكاتب التصويت. عند مناقشة الإطار القانوني للانتخابات تم شغل الرأي العام ببعض القضايا، حصة النساء وحصة الشباب والتصويت بالوكالة وغير ذلك، مع العلم أن بعض الأمور التقنية كتلك التي أشرت إليها تشكل مدخلا لتحكم وزارة الداخلية في نتائج الانتخابات.

في بيان 18 دجنبر فككتم ارتباطكم نهائيا مع حركة 20 فبراير، كيف تعلقون على تداعيات قراركم وردود الفعل المختلفة على المستوى السياسي والإعلامي والميداني؟

أظن أن حيثيات تعليق المشاركة في 20 فبراير تم إيضاحها بما يكفي سواء في البيان الذي أشرت إليه أو فيما أعقبه من استجوابات وتصريحات لبعض قيادات الجماعة، أما فيما يخص ردود الفعل فأود أن أشير إلى ما لوحظ من تطور إيجابي في التعامل مع مواقف الجماعة، بحيث إن مجموعة من القوى السياسية بما فيها المشاركة في 20 فبراير أبدت تقبلها لموقف الجماعة بعيدا عن لغة التشكيك والاتهام، كما أن العديد من الناس، بمن فيهم المختلفين مع الجماعة، اعترفوا لأعضاء العدل والإحسان بتفانيهم ونكرانهم للذات ومسؤوليتهم. وهذا شيء إيجابي. وهناك دروس عديدة تستفاد من حركة 20 فبراير، لعل من أهمها ضرورة تخلي بعض فصائل اليسار عن منطقهم الاستعلائي والإقصائي، إذا كانوا يريدون فعلا تعاونا من أجل مواجهة الاستبداد.

كيف تقيمون الحراك الميداني في غيابكم؟

يمكن أن نتحدث عن نوعين من الحراك الميداني في المغرب، حراك اجتماعي عرفته وتعرفه مجموعة من المناطق بالمغرب، وهذا الحراك انطلق منذ سنوات، أي قبل انطلاق الربيع العربي أصلا، فلا ننسى أن أحداث سيدي بوزيد بتونس التي أطلقت شرارة الثورة تزامنت مع انتفاضات اجتماعية بالمغرب في تنغير وغيرها من المناطق. هذا الحراك الاجتماعي هو في تنام يوما بعد آخر بسبب تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وأعضاء الجماعة حاضرون في هذا الحراك لأنه يصيبهم ما يصيب هذا الشعب. النوع الثاني من الحراك الميداني هو الحراك السياسي، والبعد الاجتماعي فيه لا يختفي لكنه يكون بتوجيه وتأطير سياسي من خلال شعارات لها دلالتها السياسية. هذا النوع الأخير من الحراك هو الذي جسدته حركة 20 فبراير. المناضلون في هذه الحركة مصرون على الاستمرار وذلك حقهم، بل ذلك هو المطلوب، لولا أن غياب بعض الشروط هو الذي جعل جماعة العدل والإحسان تعلن انسحابها. أقصد الانسحاب من حركة 20 فبراير، وليس الانسحاب من الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يمكن أن يكون بأشكال وصيغ مختلفة.

ما هي البدائل الممكنة والمقترحة ليتمكن الشعب المغربي من فرض إرادته في التغيير ما دامت إرادة الإصلاح الرسمية غائبة؟

“كما تكونوا يولى عليكم”، البديل هو أن يتحمل الشعب مسؤوليته، ولا يمكن أن يتحمل الشعب مسؤوليته في إحداث تغيير حقيقي وجوهري بالمغرب إذا لم تتحمل النخبة السياسية مسؤوليتها في القيادة والتضحية والتربية والتثقيف والتوعية والتأطير. جزء كبير من النخبة السياسية وللأسف الشديد إما فاسد أو مستفيد بشكل أو أخر من الأوضاع الحالية، لذلك فحين تتحدث أنت عن ضرورة التغيير العميق يقول البعض نريد الاستقرار، لنجد أنفسنا أمام معادلات مغلوطة، إما استبداد واستقرار أو فوضى وتغيير. الكل يريد الاستقرار ولا يريد الفتنة لهذا البلد، لكن نريد في نفس الوقت أن تتغير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية تغييرا ملموسا، نريد استقرارا كريما ولا نريد استقرار “الحكرة” والظلم والهوان. نريد استقرار الإنسان وليس استقرارا على حساب الإنسان. وهل الإنسان الفقير يعرف استقرارا؟ وهل المهمش والمقصي يعرف استقرارا؟ وهل الذي لم يتلق تربية مناسبة وتعليما مناسبا يعرف استقرارا؟ وهل المظلوم يعرف استقرارا؟ وهل الشاب صاحب الشهادة العليا الذي لا يجد عملا كريما يعرف استقرارا؟ وهل الكهل المعوز الذي لم يستطع أن يتزوج بعد يعرف استقرارا؟ الجمع بين الأمرين، أي الاستقرار والتغيير العميق، وإن كان صعبا يبقى ممكنا متى ما توفرت إرادات صادقة ومتى ما كان هناك نضج سياسي في مستوى هذا الربيع العربي. ما نعيشه في المغرب هو نوع من المناورة المكشوفة لكن مع ذلك تصر بعض القوى السياسية التي كان يمكن أن يكون لها دور مهم في الضغط من أجل تحقيق تغيير حقيقي، تصر على تسمية ذلك تغييرا، وتمني نفسها ومعها الشعب بأماني وآمال بدأ يتضح منذ الأيام الأولى أن الكثير منها مجرد سراب، لا أريد أن أعدد التراجعات الكثيرة ولا أريد الخوض في التبريرات المتناقضة لتلك التراجعات، كما لا أشكك في النوايا، ولكن النوايا وحدها لا تكفي في المجال السياسي، الذي هو مجال المنافسة والتدافع، إذا لم نقل مجال المكر والخديعة. لذلك نخشى أن نسمع غدا خطابا من قبيل أنه غرر بنا أو أن هناك جيوبا لمقاومة التغيير أو أن المشاكل كانت أكبر مما كنا نتصور… سيكون هذا الخطاب من قبيل الضحك على ذقون المغاربة بعد أن يكون أصحابه قد أسهموا في إضاعة فرصة تاريخية لتغيير حقيقي.

يرى البعض أن الحراك في المغرب (كما في سوريا رغم اختلاف المسار والواقع الميداني) كان ضحية تسرع في الانطلاق كرد فعل على ثورة تونس ومصر في غياب الشروط الضرورية لنجاح الحراك، ما رأيكم؟

لا يمكن أن نتحدث عن تسرع في الانطلاق. هل كان المطلوب أن لا تخرج حركة 20 فبراير إلى الوجود؟ أظن بأن الجميع الآن يقر بالإيجابيات العديدة التي حققتها هذه الحركة. لا شك أن المغرب بدون 20 فبراير كان سيكون أسوأ مما هو عليه الآن. أما هل ما تحقق يطابق ما كانت تطالب به الحركة فهذه مسألة أخرى. المخزن لا يتنازل عن شيء بمحض إرادته، لذلك كان من الممكن أن تكون النتائج أحسن بكثير مما هي عليه الآن لو تحملت قوى سياسية بما فيها المشاركة الآن في الحكومة مسؤوليتها، ولو تحمل الشعب بمختلف طبقاته مسؤوليته من خلال ضغط شعبي سلمي قوي. المخزن نجح إلى حد ما في محاولة الالتفاف، لكنه التفاف ظرفي، أما على المستوى الاستراتيجي فهناك عدة نقط لصالح تغيير حقيقي وجوهري بالمغرب، فمنسوب السخط على الأوضاع في ارتفاع، ومنسوب الوعي في ارتفاع، ومن الوعي معرفة أن الاستبداد ولا شيء غيره هو السبب الأول فيما يعانيه الكثير من المغاربة من مآس، من شأن هذا الوعي أن يحول الاحتجاجات الاجتماعية المتفرقة إلى حراك سياسي، وعلى قدر هذا التحول يكون التغيير، من جهة أخرى فإن حرق أوراق مهمة في هذه المرحلة كورقة العدالة والتنمية سيقلل إلى أبعد الحدود قدرة المناورة لدى المخزن مستقبلا. وكل هذا يتوقف على مدى تحمل جبهة الرافضين للاستبداد لمسؤوليتهم من خلال التعاون فيما بينهم والتأطير والتوعية والضغط.

هل ما زال فصل “الربيع العربي” مزهرا في واقع الأمة بما تحقق من تغيير وإسقاط لنظم مستبدة؟ أم إنه استحال خريفا مخيفا بما خلفه ويخلفه من قتل ودمار وتخريب للدولة وتفكيك للمجتمع؟

أظن بأنه من السابق لأوانه تقييم تجربة “الربيع العربي”، فهذه تجربة شعوب وتجربة الشعوب لا تقاس بشهور أو سنة أو سنتين. نعم هناك تحديات والمتتبع يلحظ مجموعة من الأحداث غير المطمئنة هنا وهناك، لكن لنكن واقعيين فليس هناك من ثورة طوت صفحة النظام السابق وأنهت بعض مظاهر الاحتجاج أو الخروج عن القانون في ظرف بضعة أشهر، بل إن لمونتسكيو رأيا مفاده بأنه كلما طالت حالة التوتر والفوضى أثناء الثورة كلما كان التغيير أفضل. كثيرا ما يتحدث الناس عن الثورة الفرنسية ورغم وجود فوارق كبيرة، أنا أسأل متى استقر النظام الجمهوري بفرنسا، بكل تأكيد لم يستقر بعد قيام الثورة سنة 1789 بعام أو عامين أو حتى عشر سنوات، ويكفي أن نعلم أن الجمهورية الثانية كانت سنة 1848، وقد عرفت فرنسا بعد الثورة عودة الاستبداد بأشكال مختلفة كحكومة المديرين والإمبراطورية وغيرها. إذن ظهور أحداث غير منسجمة مع مسار التغيير، أو ظهور حركات أو ثورات مضادة، يبقى واردا؛ المهم أن يكون ميزان القوى لصالح الشعب وقواه الحية. أظن أن ما حققته هذه الانتفاضات الشعبية إلى حدود الساعة رغم اختلاف مساراتها يبقى إيجابيا وله ما بعده، فقد أعادت الثقة إلى الشعوب وأحيت السياسة بعد طول ممات وكسرت قيود الخوف وهذه أمور لها وزنها في تاريخ الشعوب بل في تاريخ الحضارات.

ما تقييمكم لتفاعل مختلف الأطراف الفاعلة في الثورة العربية: الشعوب، النظم، الإسلاميون، العلماء، النخب العلمانية، العسكر، المجتمع الدولي؟

من الصعب جدا الإجابة عن هذا السؤال بشكل مقتضب، فهناك مجموعة من الأطراف الفاعلة كما جاء في سؤالك، وهذه الأطراف يختلف فعلها وتفاعلها باختلاف التجارب، لذلك سأقتصر على بعض الإشارات التي تهم بعض هذه الأطراف وليس كلها. أولا يحق للشعوب العربية أن تفتخر بما حققته من انتفاضات وثورات، فما تحقق بتوفيق الله هو من هذه الشعوب وإليها، لقد ذهب بعض الناس بمن فيهم بعض المثقفين أن ما حدث لم يحدث بإرادة الشعوب، وإنما حدث بإرادة خارجية، وهذا في رأيي غير صحيح، فأهل سيدي بوزيد مثلا وهم القرويون الفقراء، وهم من أطلقوا شرارة الانتفاضات والثورات العربية، لم ينتفضوا بتحريك من جمعية ثقافية ممولة من الخارج أو مركز للأبحاث مدعوم من أمريكا، وإنما انتفضوا بإرادتهم بعد أن ذاقوا ما ذاقوا من ظلم وتهميش و”حكرة”. لا أنفي أن الغرب وبعد أحداث 11 شتنبر، وخاصة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير، حرصوا على اختراق جمعيات المجتمع المدني وتمويل بعض مشاريع البحث، لكن لم يكن الهدف إحداث ثورات بالشكل الذي حدثت به، ولكن كان الهدف تجفيف منابع “الإرهاب” من تطرف ويأس وتهميش وإقصاء. ولعل حيرة مراكز القرار السياسي والعلمي في الغرب في التعامل مع الانتفاضات العربية في مراحلها الأولى يؤكد ذلك. ثم إن نجاح هذه الثورات وتميز مساراتها كان بقدر انخراط الشعوب فيها، فالنتائج كانت على قدر ما أبداه الشعب من حضور في الميدان ومن تحرر من الخوف ومن استعداد للتضحية ومن تضامن وتآزر. فيما يخص الأنظمة ينبغي أن نرى فيما حدث أية من آيات الله عز وجل الذي يمهل ولا يهمل ويأخذ الظالمين على حين غرة، فكما أهلك سبحانه وتعالى فرعون وهامان وقارون، أهلك بعض طغاة هذا الزمن بوسائل تناسب هذا الزمن ليكونوا عبرة لغيرهم. التحليل والبحث عن الأسباب والمسببات لا ينبغي أن ينسينا هذه الحقيقة الإيمانية. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإننا نلاحظ نفس السيناريو تكرر في كل من تونس ومصر وليبيا. في البداية يحاول الطاغية تجاهل الاحتجاجات والاستهانة بها ثم يعمد إلى قمعها، وأمام الصمود والاستنكار الدولي للقمع يتم اللجوء إلى محاولة التبرير والتخويف بالإرهاب والقاعدة، وحين لا يجدي ذلك يشرع الطاغية في تنازلاته بعد أن يكون قد فات الآوان. من تتبع خطب كل من بنعلي ومبارك والقذافي وصالح وبشار يتأكد فعلا، وكما قال لابواسييه في مقالته الرائعة: العبودية المختارة، أن الغباوة تلازم الطغاة دائما، فبنعلي وبعد أن اشتدت المطالبة برحيله، وسقط عشرات الشهداء، أراد أن يرجع بالانتفاضة إلى بدايتها الاجتماعية، فوعد بإحداث 300 ألف منصب شغل إلى غاية 2012، الأمر الذي استفز المنتفضين، حيث توسعت المظاهرات لتشمل العاصمة تونس وضواحيها. ونفس الأمر تكرر في استجداءات مبارك وهذيان القذافي، وهاهو بشار الأسد وبعد حوالي 10 أشهر من صمود السوريين وإصرارهم على رحيل الرئيس، يعلن في مرسوم تشريعي له العفو عن المتورطين في الاحتجاجات، الأمر الذي استفز المنتفضين وزاد من حدة انتفاضهم. لم يستوعب الطغاة أن المطالب إذا انتقلت إلى ما هو سياسي وارتفع سقفها يصعب جدا إخمادها بالاستجابة لمطالب جزئية، مهما كانت مغرية. حين يطالب الناس برحيل النظام هذا يعني انفراط الثقة بالكامل في ذلك النظام وفي وعوده. قد لا تبلغ المطالبة السياسية حد رحيل النظام مما يتيح لهذا الأخير هامشا من المناورة، لكن من الغباء الاكتفاء بنوع من االمسكنات التي لا محالة ستفقد مفعولها في وقت من الأوقات. بخصوص الإسلاميين أقول إذا كان العقد الأخير من الألفية الثانية شهد حضورا وتكثيفا لعملهم السياسي، والعقد الأول من الألفية الثالثة شهد محاولة لترشيد العمل السياسي من خلال بعض الأوراق والمراجعات والتدقيقات، فإن العقد الثاني من هذه الألفية سيشهد اختبارا للعمل السياسي الإسلامي خاصة من موقع الدولة. لكن ما ينبغي الانتباه إليه هو أن السياسة بصفة عامة لا تشكل حسب منطلقات وأدبيات الإسلاميين إلا جزءا من المشروع وليس كل المشروع، والتخوف أن تبتلع السياسة العمل التربوي والدعوي الذي هو الأصل عند الإسلاميين. ما حدث في تونس ومصر وما يمكن أن يحدث في غيرهما من الدول من شأنه أن يكون مفيدا للإسلاميين بحيث سيسمح لهم بصقل تجربتهم السياسية أكثر، لكن يبقى من الضروري إحداث نوع من التمايز الوظيفي بين العمل الدعوي والتربوي والعمل السياسي، وإلا فإن الخلط سيكون على حساب نوعي العمل معا. وفي هذا الصدد ينبغي التنبيه إلى اختلاف التجربة المغربية عن التجربتين المصرية والتونسية، ففي المغرب هناك استمرارية ومواصلة وليست قطيعة ومفاصلة، لذلك فالاختبار في المغرب سيكون بين اختيارين؛ اختيار أول يرى إمكانية التغيير من خلال الاندماج في مؤسسات يكاد يفرغها الإطار السياسي والدستوري من أي تأثير حقيقي على السلطة ويغرقها في هوامش من التدبير في غياب الإمكانات الحقيقية للرقابة والتنفيذ، واختيار ثان ليس له أي مشكل مع المؤسسات والعمل في المؤسسات لكن بعد الإقدام على خطوات دستورية وسياسية تأسيسية من شأنها فعلا أن تنقل المؤسسات من الشكلانية إلى الفعالية المطلوبة لإخراج المغرب من أزماته.