قدم الدكتور عمر إحرشان، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ومنسق مركز الدراسات والأبحاث، مجموعة من الملاحظات السياسية والدستورية الدقيقة بخصوص تعيين الملك لحكومة عبد الإله بنكيران أول أمس الثلاثاء، في تصريح أدلى به لموقع هسبريس.

مؤشرات الحكم على الحكومة.. بداية خاطئة

قال الدكتور إحرشان بأن الحكم على الحكومة يكون عادة من خلال ستة مؤشرات، هي هيكلتها، وأعضاؤها، ومكونات ائتلافها، ومشاورات تشكيلها، وبرنامجها، وإنجازاتها)، معتبرا أن المؤشرات الأربعة الأولى، التي اتضحت ملامحها إلى حد الساعة، تقول بأن الحكومة الجديدة لم تكن في مستوى الطموح واللحظة والانتظارات).

أما المؤشر الخامس المتعلق بالبرنامج، يقول أحرشان في تصريح لموقع هسبريس، يمكن الحديث عنه بعد التقدم إلى البرلمان بالتصريح الحكومي الذي يتم على أساسه التنصيب الرسمي للحكومة، والذي قد يحمل مفاجآت من قبل بعض نواب الأغلبية الغاضبين على قياداتهم إن لم يتم اللجوء إلى أدوات ضبط لهم من نوع آخر وسيكون اختبارا حقيقيا للانسجام والانضباط والتخليق)، وأما المؤشر السادس المتعلق بالإنجازات والذي جرى العرف على انتظار مائة يوم بعد التعيين ليتم الحكم على مدى فعالية هذه الحكومة وسرعة إنجازها، ذكر بنقطة تتعلق بملفات مستعجلة، لا يتطلب حلها إلا إرادة سياسية، مثل ملف الصحافة وفي المقدمة الإفراج عن رشيد نيني، وفتح التحقيق في شهداء حركة 20 فبراير والإفراج عن معتقليها وعن الفنان معاد بلغوات “الحاقد”، ونظام الكريمات …

وأضاف عضو الأمانة العامة بأن تعيين الحكومة عرف خرق الدستور وامتلاك مستشاري الملك زمام المبادرة، وهو ما يخالف تصريحات أحزاب الأغلبية ورئيس الحكومة غداة تشكيل الائتلاف الحكومي.)

إحدى عشر ملاحظة مركزية حول الحكومة

وسجل الدكتور عمر أحرشان إحدى عشر ملاحظة متعلقة بتصريحات رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، والتي لم يلتزم بها غداة تعيين الحكومة للتدليل على التأويل السلطوي للدستور الممنوح.

أولا: قال عبد الإله بنكيران بأنه سيتعامل وفق ما جاء في الدستور، ولكنه عرض هيكلة الحكومة على الملك وهو غير ملزم بذلك كما ينص على ذلك الفصل 28 والمثير أن هذه الهندسة دخلت عليها تعديلات مما يدل على أننا لسنا أمام حكومة تمتلك قرارها وفق إرادة مكوناتها فقط.

ثانيا: قال عبد الإله بنكيران بأنه سيتعامل مباشرة مع الملك، ولكن جل أشواط التفاوض تمت مع مستشار الملك خارج أي نص قانوني وفي تناقض مع ما يقتضيه “التأويل الديمقراطي للدستور” الذي تعتبره الحكومة من أول أولويات برنامجها.

ثالثا: قال عبد الإله بنكيران ستكون الحكومة مقلصة عدديا، وهو ما لم يحترم لأن 31 وزيرا عدد مبالغ فيه، وخاصة إذا علمنا أن عدد مكونات الائتلاف لا يتجاوز أربعة أحزاب.

رابعا: قال عبد الإله بنكيران بأنه ستكون هناك وزارة سيادة واحدة هي الأوقاف، ولكن النتيجة وضعتنا أمام عدد مبالغ فيه لوزارات السيادة: الأوقاف والشؤون الإسلامية، والأمانة العامة للحكومة، ووزارة منتدبة في الداخلية، ووزارة منتدبة في الخارجية، وزارة منتدبة لدى رئيس الحكومة مكلفة بإدارة الدفاع الوطني.

خامسا: قال عبد الإله بنكيران بأنه ستكون تمثيلية المرأة في الحكومة محترمة، والنتيجة أنها كانت ضعيفة تقتصر على امرأة واحدة ظهرت بروتوكوليا أثناء الصورة الجماعية بشكل يجعل تأويل موقعها أقرب إلى الإقصاء.

سادسا: قال عبد الإله بنكيران أن الحكومة ستعتمد نظام الأقطاب وستكون حكومة سياسية، والنتيجة أنها كانت حكومة تقنية تشبه سابقاتها من حيث الهندسة، بل إنها كانت بعيدة عن أية حكومة سياسية تجعل كل وزير وصي على قطب يبرز فيه البعد السياسي في التدبير، وخاصة بعد تقسيم وزارة الخارجية إلى ثلاثة، ووزارة التعليم إلى اثنين دون احتساب التكوين المهني الذي ألحق بالتشغيل، ووزارة الاقتصاد إلى اثنين.

سابعا: قال عبد الإله بنكيران بأنه سيتم تشكيل الحكومة في أسرع وقت، والنتيجة أن المشاورات استغرقت مدة طويلة، 35 يوما، بالنظر إلى أن مكونات الائتلاف لا تتجاوز أربعة أحزاب.

ثامنا: قال عبد الإله بنكيران بأن الحكومة ستعتمد، في تشكيلتها وعملها، مبدأ التخليق والترشيد، والنتيجة أنها سمحت لوزير سابق من حزب معارض أن يكون عضوا فيها رغم أنه لم يقدم استقالته إلا بعد سويعات من استوزاره في اللائحة المقترحة على الملك، وصباغة وزير، كما كان في حكومات سابقة، بلون حزب الاستقلال في آخر لحظة، ويتعلق المر بالعمراني الذي لم يعرف عنه انتماء لحزب الاستقلال، وهناك أيضا وزير دولة بدون حقيبة، مما يؤكد استمرارية مبدأ الترضيات كما كان سائدا في ظل حكومات سابقة كان يعاب عليها وجود وزراء فيها بدون حقيبة، وهو ما يضرب كل المبادئ التي رفعتها الحكومة لمحاربة الفساد.

تاسعا: قال عبد الإله بنكيران بأن حزبه متشبث بوزارات بعينها، وخاصة الاقتصاد والمالية، والنتيجة وضعتنا أمام حزب يقود الحكومة بهاجس اجتماعي، ولكنه عمليا لا يتولى مسؤولية الوزارات الاجتماعية، وخاصة التشغيل والصحة والتعليم والسكن والفلاحة والاقتصاد والمالية. وهذه مناسبة أخرى للتنبيه أن هذه الحكومة لا تتوفر على أغلبية في الغرفة الثانية التي يفترض أن تعرض عليها ابتداء العديد من المشاريع ذات الصبغة الاجتماعية.

عاشرا: قال عبد الإله بنكيران بأنه سيتواصل مع الرأي العام مبرزا كل الحقائق، والنتيجة كانت هي إحجام غير مسبوق عن التواصل بشأن حقائق المفاوضات وخلفيات التغييرات التي طالت الهيكلة الحكومية وأسباب التحفظ على أسماء عديدة كانت في لائحة المرشحين للاستوزار.

حادي عشر: قال عبد الإله بنكيران بأن حكومته ستكون منسجمة، والواقع أن الاختلافات كبيرة تصل إلى حد التناقض، ولا أتحدث عن الاختلافات الإيديولوجية فقط، ولكن الاختلافات السياسية ستقف عائقا وخاصة في ظل وجود حزب التقدم والاشتراكية الذي له مقاربة مخالفة لباقي مكونات الأغلبية الثلاثة. والضحية سيكون هو الانسجام الحكومي أو فعالية الحكومة، لأن الحرص على الانسجام سيجعل الجميع يعمل وفق الحد الأدنى المتفق عليه وهو ما سيؤثر على الفعالية.

تخلف جديد عن الموعد

وخلص الدكتور إحرشان إلى أننا أمام حكومة فقدت الكثير من بريقها منذ لحظة إعلانها لأنها تشكلت بطريقة قديمة في ظرفية جديدة ومغايرة تستدعي مراعاة الأجواء الساخنة وحالة الترقب وانتظارات شرائح من المواطنين كانت تتمنى أن يشكل تعيين الحكومة مناسبة لبعث أمل جديد وثقة في بعض المؤسسات التي يتأكد يوما بعد آخر أن النص الدستوري لم يعزز مكانتها والواقع العملي لا يخدمها وميزان القوى لا يسير في صالحها، وخاصة في ظل نظام يشعر بالارتياح يوما بعد آخر وبأنه خرج من عنق الزجاجة التي ظل موضوعا فيها طيلة أشهر من الحراك السياسي والمجتمعي).

خاتما بالقول: إننا أخطأنا الموعد مع التغيير حين فوتنا فرصة صياغة دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا وفرصة إقامة انتخابات نزيهة وفق نظام انتخابي يفرز أغلبية منسجمة وفعالة عوض تفريخ البلقنة التي تضعف كل المؤسسات المنتخبة وتقوي مؤسسات أخرى تشتغل في الظل بدون رقابة أو محاسبة.)