تقديم

استوقف الربيع العربي الجميع، أفرادا وجماعات، شعوبا ودولا وأمما. لفت انتباه الساسة والمثقفين والشعراء والأدباء والكتاب والعلماء والإعلاميين والفنانين واسترعى اهتمامهم؛ نطق اللسان حديثا وسال المداد كتابة عن أحداثه ومشاهده سواء المفرحة أو المحزنة، المطمئنة أو الباعثة على القلق.

تحدث عن سياق الربيع العربي ومساره، ربط بالماضي واستشرف مستقبله، لذلك ليس من التعسف إن ولينا وجهنا شطر عمق ماضي الأمة بحثا عن وشائج قرابة وأواصر صلة بينه وبين الربيع النبوي إحياء للحنين إليه واستلهاما لأسرار التربية النبوية ومفاتيح نهضة الأمة؛ ذلك أن السيرة النبوية كانت وستبقى في حياة الأمة المحمدية المنهاج العملي والبرنامج التطبيقي في كلياته ومبادئه الكبرى وقيمه ومثله العليا لسير الدعوة وبناء الدولة وتوحيد الأمة.

ربيع نبوي

إن الشغوف بالسيرة النبوية والقارئ لها قراءة تأملية متأنية يخرج بخلاصة مفادها أنها – أي السيرة – حوت أسرار التربية النبوية وعوامل نهضة الأمة بإمامة خير خلق الله المربي المعلم صلى الله عليه وسلم.

تلا آياته ربه ليلا ونهارا، ودعا إلى سبيله سرا وجهرا، وزكى رجالا وعلمهم الكتاب والحكمة، فأثمرت صحبتهم له وصدقهم مع الله وشغفهم بالقرآن وبيانه السنة رجولة إيمانية:

– تحررت من العبودية لغير الله.

– ملكت إرادة إيمانية قوية، فردية وجماعية.

– حملت وعيا رساليا عن قناعة قلبية وعقلية.

– استشعرت جسامة المهمة وعظم المسؤولية.

– جاهدت في سبيل الله لا تخاف فيه لومة لائم.

– جمعت بين الخبرة والأمانة والكفاية والديانة.

– أمنت المعاش وحرصت على العدل ونبذت الظلم.

– فتحت البلدان ونشرت الدعوة، فدان بدين الله العجم بعد العرب.

ربيع عربي

ننتقل من ماضي الأمة الرائق – عهد النبوة والخلافة الراشدة – إلى حاضرها. إذا أراد الله شيئا هيأ له الأسباب، فبعد أن عانت الأمة من ويلات الاستعمار وقهر الاستبداد، أذن الله الممهل غير المهمل بغضبات شعبية أسقطت أنظمة موغلة في الاستبداد والفساد، وأخرى ما زالت تستميت من أجل ذلك. أطلق على هذه الغضبات ثورات الربيع العربي تيمنا وتفاؤلا بإزهاره حرية حقيقية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية.

لا ينكر أحد أن الربيع العربي – وإن كان مساره لم ينته بعد – حمل بركات يصعب استقراؤها واستقصاؤها تتبعا لأحداثها ومشاهدها وتداعياتها ولواحقها… لذلك آثرنا في هذا المقال التنبيه على البركات الكبرى التي تنضوي تحتها تفاصيل لا تحصى.

من بركات الربيع العربي

– تحرير الإرادة

على رأس بركات الربيع العربي تحرير إرادة شعوب الأمة وتحررها. شعوب ظلت لعقود مرتهنة لسياسة الاستبداد؛ غيبت عن الشأن العام، وقهرت قمعا، وأسكنت خوفا، وأغرقت جهلا وفقرا، وهزمت معنويا وماديا، نفسيا وفكريا، فألصق بها عار التخلف متعدد المجالات، وصارت ضحكة بين الأمم، ضعيفة بين الأقوياء، تابعة للمتحكمين.

في ظل هذه العوامل الشالة للإرادة، نمت بذور تحرر جديد وبرزت بوادر انبعاث وانطلاق مستجد، انتظرت فرصتها لتفاجئ العالم؛ فكانت شرارة البوعزيزي قطرة تلتها قطرات فاضت فخرقت أسوار الخوف وفكت أغلال الجبن وهبت للتعبير عن أمل في حرية حقيقية مهما كلفت من ثمن.

إنه لا مراء في كون ثورة الشعوب على الاستبداد والظلم فطرة كامنة في النفوس البشرية، وما يزيدها الوعي إلا نضجا وتوهجا.

– تنمية الوعي

من الخطإ اعتقاد أن شعوب الأمة لا تملك وعيا، فأشكال التعبير المنطوقة والمكتوبة والمرموزة دليل على الوعي ومقياس حقيقي لقياس درجته.

ارتفع منسوب وعي الشعوب وجرعاته سواء الوعي بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أو حقوقه المشروعة المرتبطة بهده المجالات أو الوعي بالذاتية المسلمة والمراهنة على الإسلام أو الوعي بالانتماء للأمة؛ فمن حسنات الربيع العربي إحياء روح الانتماء للأمة وإذكاء الشعور به، وما تحرر الشعوب إلا مقدمة وخطوة سابقة لتحرر الأمة.

– خطاب جديد

علا صوت الاستبداد وخطابه في الوطن العربي عقودا، وامتد ودب في مرافق المجتمع وهياكل الدولة ومؤسساتها إحكاما لها وضمانا لتبعيتها؛ أقلام وأصوات ومسؤولون وموظفون… دافعوا عن فكره ونهجه وسياسته طوعا وكرها، سرا وجهرا، بحب خالص أو خوف ساكن، بوعي أو بدون وعي، فجاء الربيع العربي مؤذنا بفضح فكره ونهجه وإسكات صوته وتخليده في سجل صفحات التاريخ السوداء أو إرغامه على التكيف والتلون السلبي بطبيعة الحال.

خرج وعي الشعوب ونخبها المقهورة من صمته ليسجل خطابا جديدا سياسيا وإعلاميا وأدبيا وفنيا وفكريا، بلغة تمتح من قاموس الثورة. أبان هدا الخطاب عن وجود طاقات هائلة في الأمة في شتى الميادين تحتاج إلى فضاء الحرية الرحيب لتعبر عن كفاءتها وخبرتها، وإنه لا مناص ليسير في اتجاه التشكل لا التشوه والتبلور لا التقهقر والبناء لا الهدم من فتح حوار وطني في كل الشعوب وفي سائر القضايا بأدب الاختلاف، كل يدلي بدلوه لمصلحة الوطن والأمة، فهما فوق كل انتماء كيفما كان لونه ورصيده.

– شعور بالمسؤولية

تتحرر إرادة الشعوب لما يرتفع وعيها ويسري الشعور بالمسؤولية في أوصال شبابها وإطاراتها السياسية ونخبها الفكرية والأدبية… الحريصة على تغيير الاستبداد، فلولا هذا الشعور لما أنجزت تونس ومصر وليبيا ثوراتها، ولما استماتت ثورتا اليمن وسوريا لنفس الهدف.

إن إنجاز الثورة وحمايتها والانخراط في بناء دولة المؤسسات يعبر بوضوح عن استعادة الشعوب إرادتها المستلبة واستعدادها لتحمل مسؤوليتها التاريخية اهتماما بحاضرها وصنعا لمستقبلها.

– روح جهادية جديدة

لا يصنع عظائم الأحداث وجلائل الأعمال إلا من ملك وعيا وعاطفة وشعورا بالمسؤولية، صبرا ومصابرة ومرابطة… مشاهد بطولية ومواقف رجولية اتخذ الله فيها شهداء، شكلت روحا جهادية جديدة تجدد إرادة الأمة مستعدة للموت من أجل صناعة الحياة.

خاتمة

ربيع… وربيع؛ ربيع نبوي في سموه وصفائه وبهائه أطل على البشرية بعد جاهلية عمياء ونشر فيها العدل والكرامة الآدمية والعبودية لله الديان، وربيع عربي يروم تحرير النفوس والعقول من ذل الخنوع لتفك قيود الاستبداد وتطل على الحرية والعدالة والكرامة.