“إفريقيا للأفارقة” شعار رفعه الملك النوميدي ماسينيسا غداة توليه الحكم في نوميديا لتوحيد كلمة النوميديين لتحرير البلاد من الاستعمار قبل قرنين من الميلاد. ونوميديا مملكة أمازيغية تمتد على جزء من شمال ليبيا وتونس والجزائر.

الشعار يفرض نفسه وتؤكد صدقيته نهائيات بطولة إفريقيا لكرة القدم في دورتها الثامنة والعشرين ـ28ـ التي تُوِّج المنتخب الزامبي بكأسها ليبرهن أن إفريقيا القارة والأرض تعطي لمن قدرها واحترمها جغرافية ومناخا وطقوسا ومؤهلاتٍ، فجدَّ وبذل وتهيأ واستعد وعمل بصدق وتفانٍ يقارع العوائق وينازل الخصوم بعناد، يؤمن بإمكانياته وقدراته مهما كانت متواضعة.

النزال الإفريقي الرياضي له طعم خاص يحضر فيه العالمي بمذاق المحلي: مهارة عالية في الأداء بواقعية إفريقية تستحضر ظروف الطقس ـ رطوبة مرتفعة مثلا ـ وتواضع أرضية الملاعب لتقدم فرجة رائعة بمعايير إفريقية حيث لعبة كرة القدم ليست رفَها بل ضرورة وأوكسيجينا لتجاوز شظف العيش وخشونة الحياة.

تفوقت المدارس الكروية الواقعية البسيطة على المغترة الحالمة الغارقة في الوهم، فنجحت فرق ذات إمكانيات متواضعة بشرية ومادية ولوجيستيكية ـ زامبيا نموذجا ـ فرقا بإمكانيات عالية ـالمغرب نموذجاـ سواء على مستوى كلفة الإعداد أو تعويضات اللاعبين والأطر الفنية، وفي هذا درس بليغ يتجاوز الشأن الرياضي إلى غيره من المجالات الحيوية في المجتمع.

المشاركة المغربية في النزال القاري المخيبة للآمال حديث الشارع المغربي، أذكاها التجييش الإعلامي الذي سوّق وهما للمغاربة بكونهم الأولى بالكأس الإفريقية؛ ولو حدث واستحال الوهم حقيقة لطويت جميع الملفات الاجتماعية والحقوقية زمنا تتفرغ فيه الأبواق الإعلامية الرسمية للتطبيل للإنجاز التاريخي، والذي ما كان ليتحققـ في زعمهاـ لولا الحكامة الرشيدة والاختيارات الصائبة التي انخرط فيها المغرب من خلال “حزمة إصلاحات” يتفيأ المغاربة اليوم تحت ظلالها، فلا بؤس ولا حرمان ولا قمع ولا إذلال، بل إنها الكرامة البشرية في أنبل درجاتها، وإنها العدالة الاجتماعية في أدق تنزيلها.

لكن قدر الله وما شاء فعل، ولكي لا يصبح الاستحقاق الكروي ـ لو تحقق ـ غربالا نتستَّر به على عيوبنا، فمن دروس خيبتنا ونكستنا الرياضية يجب أن نتعلم دروسا لتجاوز أزماتنا وإخفاقاتنا العامة؛ وفي هذا السياق أجمع أصحاب الرأي السياسي أن فضيحتنا الكروية مردها إلى غياب الحكامة وسوء التدبير وغياب الشفافية، وهي عناوين سائر إخفاقاتنا ليس في الرياضة فقط، بل في جميع القطاعات الحيوية.

إن من أعظم بلاوينا احتقار مؤهلاتنا وقدراتنا الذاتية وتنامي عقدة الأجنبي فينا. داؤنا عدم الاعتراف بالكفاءات الوطنية والمحلية، علما أنه لا تنمية إلا بتوطين العلوم والتقنيات، وحال تدبيرنا يقوم على استيراد المناهج والمخططات، ولا أدري كيف ساقتنا اختيارات المسؤولين في كرة القدم كما في قطاع التربية والتعليم إلى بلجيكا دون غيرها لنستورد خبرتين كلفتنا غاليا. فتحت ضغط فشل الميثاق الوطني للتربية والتكوين وتقهقر رتب المغرب تعليميا وقع الاختيار على استيراد مقاربة الإدماج علها تضخ ماء الحياة في جسم منظومة تعليمية تُحتضر، ولذات الغرض جيء بالبرنامج الاستعجالي للتعليم ورصدت له ميزانية استثنائية بالملايير لم تغير من واقع الأزمة التعليمية شيئا، إذ نزيف الهدر المدرسي مستمر ـ ربما بحدة أقل ـ والاكتظاظ أضحى واقعا، بل غدا من “مميزات” منظومتنا التعليمية. هذا على مستوى الكم، أما على مستوى الكيف والجودة والملاءمة لسوق الشغل، فالشهادات الاستحقاقية تسلم على قاعدة تكديس و”تحنيط” المعلومات والمعارف، وهو ما ينذر بأن معضلة تشغيل حملة الشهادات العليا ليست إلى زوال، “فالماكينة” التعليمية تُخرّج الآلاف من حملة شهادات دون مهارات وخبرات إنتاجية، والمسؤول المباشر هو منظومة تعليمية “تقدس” الكم، وواقع اقتصادي مشلول بسبب الاحتكار والتبعية للخارج لتكتمل مكونات معادلة التأزيم.

إن سوء التدبير وغياب الحكامة داؤنا المزمن الذي ينتعش مع استمرار الفساد ويغذيه الاستبداد، فتتحول الرياضة كما التعليم أو التنمية أو التجهيز إلى قطاعات مملوكة تتوارث، تتغير المقاربات والمخططات ولا تتغير الوجوه، فكيف يزهد في الثراء مع وقعت يده على كنز وله من الضمانات ما يحميه عن المساءلة، وإذ استدعى منطق الانحناء للعاصفة فأكباش الفداء والقرابين جاهزة حماية للرؤوس؟

نكستنا في كرة القدم والرياضة عموما جزء من نكسة عامة، تتطلب إرادة حقيقية للإصلاح، وأول مفاتيح النجاح الثقة في المؤهلات الذاتية، وتبني المقاربات الوطنية دون انغلاق أو تزمت، فالحكمة ضالة كل عاقل أنى وجدها فهو أحق بها. فكيف لمجتمع أن يبرح دائرة التخلف وهو يهمش كفاءاته الوطنية؟ كيف يمكن مثلا أن تنخرط الأطر التربوية على مستوى البحث والتنظير التربويين وقد اتهموا في نظر المسؤولين بالقصور المعرفي عمليا عندما يتم التعاقد مع مستثمر بيداغوجي بلجيكي لاقتناء مقاربة قد لا يكون المغرب ثقافةً وإمكانياتٍ وانتظاراتٍ تُربتَها الخصبة؟ كيف يصاغ قبلها ميثاق التربية والتكوين وفق توصيات البنك الدولي ويستدعى “اللاعبون” السياسيون لمباركته في غياب ممنهج للمعنيين الميدانيين بالشأن التربوي؟ كيف يسند إنجاز دراسات ومنظومات لمؤسسات أجنبية بالملايين والبلد يزخر بالكفاءات العلمية التي تستطيع أن تنجز نفس الدراسات وربما بمستوى أحسن وكلفة مالية أقل؟

وحيث إن سبب كتابة هذه السطور هو الإخفاق الكروي، كيف نهمش كفاءات وطنية في التدريب والإشراف على الفرق المحلية قبل المنتخب الوطني ونتعاقد مع الأجنبي وبشروط مجحفة جعلتنا أضحوكة عالمية، حتى بات كشف راتب الناخب الوطني سرا من أسرار الدولة. أية ضحالة هاته؟ وأي استخفاف هذا بشعور المغاربة؟

رب ضارة نافعة، وقد تكون خيبة وإخفاقا بطعم النصر والانتصار، إن وعينا الدرس وصححنا المسار وجعلنا المصلحة العامة للبلد فوق المصالح الفردية أو الفئوية، وصارحنا نفوسنا بزلاتها، وأسندنا الأمور إلى أهلها، كل في مجال اختصاصه؛ وإلا فلنوطِّن النفس على النكسات والهزائم، ولن نكون في المواعد التاريخية التي أخطأنا موعدها الكروي في حين توافق المنتخب الزامبي معها. وأختم بصورة ومشهد غاية في الدلالة، فقد حرَص آخر لاعب زامبي أثناء تسديد الضربات الترجيحية على ترديد النشيد الوطني يستمد منه الإصرار على الظفر والنصر، مشهد لا يحتاج إلى تعليق، وإن كان ولابد أقول: إنها الروح الوطنية التي قتلها فينا الفساد.