مقدمة

تعتبر مناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف من أهم المناسبات الإسلامية للتأملِ في أحوال الأمة الراهنة وواقعها، وعرض ذلك على ما تركَنا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، واستشرافِ مستقبلها، والتفكير في الحلول للخروج بها من أزمتها، ورسْم الخطط للنهوض بها، كي تستردَ العزةَ المفقودة، وتنالَ الرفعة والمكانة اللائقة بها بين الأمم، وتصلَ إلى المقدمة وتصبحَ محط تقدير واحترام.

وفي هذه المقالة سأتطرق إلى بعض أحوال الأمة التي لا تخفى على المسلم الفطن المنشغل بقضايا أمته.

نعيش هذه الأيام ذكرى مولد الرسول المجتبى والنبي المختار صلى الله عليه وسلم، تلك الذكرى العاطرة التي تُذكِّرنا بميلاد هذه الأمة ونشأتها واستوائها على سوقها؛ هذه الأمةُ التي غيَّرَت مجرى التاريخ بقيادة الرسول الأمي، وحققت العدلَ والرحمةَ في المجتمع الذي كان يعاني من الظلمِ والاستبداد والجور، وأزالتِ الجهل ونشرت العلمَ ورسَّختِ الإيمانَ في نفوس الناس وقضتْ على العصبيات والقوميات، وأنقذت أجيالا من الجاهلية ومن براثنها، وقادت البشرية نحو العزة والسؤدد، فكانت خير أمة أخرجت للناس، ملكت أزمِّة القيادة، ونالت درجات الريادة، وضربت للعالم أروع الأمثلة في كل المجالات، هزمت الكفار، وفتحت الأمصار وغرست منهج الله في النفوس ومكنت له في الأرض، فرضيَ الله عن السابقين الأُول الذين نشروا دين الله وعاشوا من أجله وماتوا في سبيله.يا مولد المصطفى ذكراك تولعنا *** بنار شوق إلى لقياك تشتعل
ذكَّرتْنا ماضيا نشتاق عودته *** وسادةََ بأديم النجم تنتعل
إن ذكرى المولد النبوي مناسبة لمراجعة الذات والنظر في واقع الأمة الحالي، واستشراف المستقبل الرسالي لهذا الإنسان التائه الحائر فوق الأرض المنْحَطِّ في درك المتأخرين، وفرصة للتعرف على أدواء الأمة وأمراضها، ومحاولة لإيجاد الأدوية النافعة، والحلول الناجعة للمشكلات التي تتخبط فيها.

يا رسول الله: ذكراك من عبث الهموم وِجاء *** ولمن ألمَّ به الشقاء وِقاء
ذكراك للمحزون نفحة رحمة *** ولَدَى المريض تعلل وشفاء
ذكراك ما جاشت بها نفس امرئ *** إلا تُكشف بعدها البلواء
يا سيدي أين الطريق فكلنا أعمى *** وليس بأرضنا بُصراء

مظاهر الخلل في أحوال الأمة

إذا نظرنا اليوم إلى حال أمة المصطفى نظرة موضوعية واطَّلعنا على واقعها المرير نجد أن هذه الأمة التي كانت في يوم من الأيام رائدة، قد تراجعت إلى الحضيض، استضعفها أعداؤها واستعمروها، ونهبوا كثيرا من خيراتها، واستفادوا من كثير من طاقاتها المادية والبشرية، وأذاقوها ألوانا من العذاب، وأصنافا من الإذايات وألحقوا بها الهزائم وجعلوها في المؤخرة تابعة لا متبوعة، وطائعة لا مُطاعة، خاضعة لهم تنَفِّذ مخططاتهم وتعمل بقراراتهم المعادية للإسلام والمسلمين.

إن أمة المصطفى قُصِم ظهرها وتزعزع كيانها يومَ سقطت الخلافة الإسلامية بمقتل الخليفة سيدنا عثمان رضي الله عنه وتحولت الدولة الإسلامية من دولة الشورى والعدل إلى دولة التسلط والاستبداد والرأي الواحد والملك المنفرد بالقرار المستعبد للرعية، ويوم دخل الاستعمار إلى أراضيها، حيث استنزف خيراتها ورسم سياستها، وتحكم في مستقبلها واقتصادها وتعليمها وفتَّتَها إلى دويلات قومية متقاطعة ممزقة، ورسم لها حدودا جغرافية وجعلها فتائل يمكن إشعال نار الحروب بها متى شاء، وصنع حكاما عملاء ينوبون عنه في تحقيق أهدافه، وأصبحت بذلك أمتنا لا تملك من أمرها شيئا، تشتت شملها وذهب عزها وتوالت هزائمها وغدت أكلة سائغة لأعدائها كالقصعة يتداعى ويتنادى عليها الأكلة من كل مكان، كل ينهش مما يليه بصغار اللُّقَم وكبارها، وإلى كل ذلك وغيره أشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله المعجز، حيث قال:

“”يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟، قال: “بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزَعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهْن”، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: “حب الدنيا وكراهية الموت”” 1 .

فهذا هو حال أمة المصطفى كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالوصف أصبح منطبقا عليها اليوم كما وصف تماما، لأن الله أطلعه على كل ما ستؤول إليه أوضاع أمته من بعده.

يا رسول الله:

شعوبك في شرق الأرض وغربها *** كأصحاب كهف في عميق سبات
بأيمانهم نوران قرآن وسنة *** فما بالهم في حالك الظلمات
يا رسول الله معذرة إذا ما *** رأيتَ القوم قد هجروا الكتابا
وألهَتْهم أمانٍ كاذبات *** ولم يَرْعَوا حقوقا أو صوابا
فُتِنوا بعلمنة وعولمة وساروا *** وراء الوهم يبنون السرابا
تخدعُهم شعارات الضُّلال *** وفيها السم ممزوجا مذابا
فيا ليلَ الضلالة كُفَّ عنا *** فقد ملأتْ مآسينا الجِرابا
إننا نحيي ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بعيون دامعة، وقلوب جريحة وأجنحة كسيرة، وآمال محطمة، ذكرى تحمل معها هموم الإسلام والمسلمين.

إن أمتنا اليوم لا تُحسد على ما آلت إليه أوضاعها، تخلَّت عن منهاج ربها الذي ارتضاه لها. أمة مستضعفة تنخر كيانها كل عوامل الهدم والتخريب والتغريب التي ابتكرها أعداء الإسلام، حكمها من لم يخترهم أفرادها بغير منهاجها فباعوها لليهود والنصارى بأبخس الأثمان، فأزَّموا أوضاعها وضيعوا أبناءها، واستغلوا مواردها المادية والبشرية لمصالحهم الخاصة حتى رُتِّبت في مؤخرة المنهزمين، وتسببوا لها في السقوط والهبوط.

أمة اشتغلت بالأمور التافهة تتفرج وتضحك على أحوالها، منهمكة في الشهوات والملذات والمحرمات مما يزيد من تأزم أوضاعها. أمة عاشت زمنا طويلا تحت وطأة الفتنة الداخلية والعدوان الخارجي، وتعيش اليوم تحت كابوس التآمر الأمريكي الصهيوني. أمة كساها الذل قد غرقت في *** حمأة الهم والأحزان والكرب
تحمل الطبل في النكبات راقصة *** تستبدل الجد في الأزمات باللعب
وتستجيب لصوت الشرِّ لاهية *** بين القيان ذوات اللهو واللعب

تشخيص الرسول لواقع الأمة

فتعالى يا رسول الله لتنظر إلى أحوال أمتك البئيسة، وهل يحتاج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليطَّلع على أحوالنا؟، وهل نتوقع أن يخفى عليه شيء من أحوال أمته؟ لا، بل لقد أطلعه الله على أحوالها وأهوالها، وما سيبلغ ملكها في الأرض من بعده، وتُعرضُ عليه أعمالنا صباح مساء، كانت خيرا أو شرا، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم تُحدِثون ويَحدُث لكم، ووفاتي خير لكم تُعرَض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم” 2 ، وقال الرسول عليه أتم الصلاة وأزكى السلام: “إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليَّ منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول يا رب مني ومن أمتي، فيقال: أما شَعَرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم” 3 ، وقال عليه الصلاة والسلام: “ألا ليُذادَنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلُمَّ فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول سحقا سحقا” 4 ، ليت شعري كيف القدوم على الله وهو سائلنا عن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ساهمنا في هزيمتها بسكوتنا وتقاعُسِنا؟ وكيف يكون حال أقوام منا يوم يقفون أمام رسول الله طمعا في الشرب من حوضه فيطردُهم وقد كانوا في الدنيا يدَّعون أنهم من ذريته وآل بيته وعلى سنته ودينه، وهم في الحقيقة من جعلوا أمته تتخبط في المشكلات والأزمات، وحوَّلوها من أعالي الدرجات إلى أسفلها، فكيف يحلو لأمة هذه أوضاعها أن تحتفل بذكرى مولد قائدها الأعظم، وكيف لأمة هجرت القرآن الذي نزل على قلب رسولها وبدَّلت سنة رسولها بسنن النصارى أن تحتفل بذكرى الرسول، كيف لهذه الأمة التي تشبهت بالنصارى في كل شيء أن تحتفل بذكرى ميلاد هذا الإنسان الذي خالف اليهود والنصارى في كل شيء؟

كيف يطيب لهذه الأمة أن تحتفل وتفرح ودماؤها تنزف، وحقوق المسلمين منتهكة، والأخطار بها محدقة وقبلتها الأولى مغتصبة، وأمورها بأيدي أعدائها وهي مستعمرة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وهذا أشد من الاستعمار العسكري، فكيف يطيب لها الاحتفال في هذه الظروف؟ ومتى تحتفل الاحتفال الصحيح وتكتمل فرحتها؟ وتُكشف كُربتها وتزول نكبتها؟ وتتحسن أوضاعها وتستقيم أمورها؟ ذلك ما نتمناه ونرجوه من اله؟، والله خير مأمول وأكرم مسؤول.

من الخلل إلى الأمل والعمل

إذا كان حالنا كما نرى في واقعنا بعيدا عمَّا تَرَكَنا عليه الرسول من استقامة وعزة ونصر وتمسك بهديه، فالأمل في الله كبير، ووُعوده بانتصار أهل الحق كثيرة غزيرة، ومن ذلك قوله تعالى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين 5 ، وقوله جل شأنه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ويوم يقوم الأشهاد 6 ، وبشارات الرسول الخاتم بعودة أهل هذا الدين أعزاء منصورين منيرة، تملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وتعود الخلافة على منهاجه بعد عصور العض والجبر. قال الرسول عليه السلام: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة” 7 ، ولقد بشَّر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي من يُصلح أوضاع الأمة الفاسدة الكاسدة فقال: “طوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي” 8 ، وقال الشاعر يبشر بقرب النصر: هَوِّن عليك أخا الإسلام إن لنا *** في نصرة الدين نصرا ليس ينحسر
وكفكِفِ الدمع فالإسلام منتصر *** مهما طغى الهول أو حفَّت به النذُرُ
وها بوادره لاحت بشائرها *** وصحوة الدين في الأكوان تنتشر
وليس أقرب من نصر ومن فرَج *** وأقربُ النصر إذ يستفحل الخطر
9

خاتمة

ألا لا يأس ولا قنوط ولا استسلام ولا انهزام، ولا قعود عن الدعوة لهذا الدين والتبشير بعودة عزه وانتصار المسلمين، لأن أمتنا أمة عظيمة، تمرَض ولا تموت وتنام وتستيقظ، ويتخدر أبناؤها ويصْحُون، جعل الله فيها من يجدد لها دينها وأمرَها ويحقق عزها على رأس كل مائة سنة كما صح بذلك الخبر عن نبيها الكريم عليه السلام: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” 10 ، وأمتنا أمة خالدة مباركة، الخير منها ومن أبنائها لا ينقطع إلى يوم القيامة، ونبضُ الروح والحياة لم ولن يموت فيها، قال الرسول يؤكد ذلك: “أمتي أمة مباركة لا يُدْرى أولها خير أو آخرها” 11 ، ولن يُعدم منها المصلحون والمدافعون عنها إلى آخر عهدها، وإن الدين يبقى مطمورا في الفِطَر ومغروسا في القلوب ومؤصلا في النفوس وسرعان ما يظهر ويزهر ويثمر، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا.


[1] رواه أبو داود في كتاب الملاحم عن ثوبان وأحمد.\
[2] رواه البزار بسند صحيح عن ابن مسعود.\
[3] رواه مسلم عن أسماء الصديقية.\
[4] ليذادن: ليُبعدن / رواه مسلم عن أبي هريرة.

\

[5] سورة الروم الآية 46.\
[6] سورة غافر الآية: 51.\
[7] رواه مسلم عن جابر بن عبد الله كتاب الإيمان.\
[8] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.\
[9] كَفْكَفَ الدمع إذا مسحه مرة بعد مرة لِيَجِفَّ / مجلة الوعي الإسلامي ع 451 ص 95.

\

[10] رواه أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة.\
[11] رواه ابن عساكر عن عمرو بن عثمان بن عفان مرسلا ووثقه الذهبي وحسنه السيوطي.\