نعم أيها الإنسان الحر! أينما وليت وجهك في هذا الوجود، ولأي زمن عبرت… يبقى هو ولا أحد سواه، ببسماته وألق ضحكاته، بنظرات عيونه، بمشيته، بعذب صوته، برهبة صمته، بجمال سكونه، بكل حركاته، بآياته بأحاديثه بأخباره بمشاهده، بكل مافيه، بدموع رحمته، برحمات قلبه، بشذى روحه، بمسك عرقه، بعطر أنفاسه، بدعائه، بصلواته، بكل عبادته.

كل من رآه حسبه شمسا ساطعة في ضيائه، بل بدرا منيرا في بهائه، وسلوا أصحابه وآل بيته بأي وصف وصفوه وماغَالَوْا وماتطرفوا، وبأي لذة شاهدوه حتى نطقوا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر…

في كلامه حلاوة لا تنقضي، وفي مجالسه متعة لا تنتهي، في مناجاته يسكن إليه كل شيء، ويبقى هو يترنم بكلام روح غير مسبوق.

قل لا أسئلكم عليه من أجر إلا المودة في القربي

أي زمن وأي تاريخ وأي ذكرى هاته يمكن أن تحيي ذكراه؟ بل هي كل الذكريات الخالدة معه وهي كلها له. كل القصص العظيمة هو صاحبها. سل أي ليلة سل أي يوم من أي سنة سيخبرك حتما أنه يحفظ له صورة بضياء لا ينطفئ. نوره أشرق على الكون كله بل عم العوالم بأسرها. ألم يشهد له من أرسله وسماه: “رحمة للعالمين”؟ نعم إشراقات رحمته تمتد حيث الوجود كله، حيثما يوجد من في شبحه قلب يخفق بالشوق والحب، وبعد كل هذا الإشراق والسناء منه، يأتي من يسألك عن ذكرى مولده لم تفرح لها؟ ولم تحتفل بها؟ يفجعونك بلا حياء أن الشريعة لا تسمح بذلك!!! ألم يفرح هو وكان يقول: “ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعث فيه وأنزل علي فيه” 1 فكان يصوم كل يوم إثنين؟ كان الإثنين هو يوم الميلاد المحمدي وكان هو يوم البعثة والرسالة المحمدية أيضا، وزاد الحنان المتفضل سبحانه فجعله يوم الوحي ونزول القرءان كذلك، عطاء إلهي وكرم رباني فاض على خير البرية ليسع العالمين رحمة وهديا، وإظهار لجلال ومقام نبيه الخاتم. هذا ربنا العزيز الكريم الجليل سبحانه، يعلمنا كيف نحتفي برسوله المختار صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك وبما في قلبي من حزن على ما يقول أولئك في حق نبيهم -الصلاة والسلام عليه-، بكل الحياء أجيبهم: لو كان الفرح بذكراه يحتاج إلى دليل من شريعة هذا السيد النبي الحبيب، لصرحت بها مع كل نفس من أنفاسي حتى آخر نفس، أنا الدليل!!! ومعه نَفَس كل محب له منذ أن جاء إلى الوجود سيدنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ومع قصة أول محب له إلى آخر محب من أحبابه، مع توحيد كل مؤمن وتسبيح كل ذاكر، مع تشهد كل أواب مسلم وصلاة كل متبتل خاشع ومناجاة كل عارف واصل، مع تلاوة كل آية من آيات رسالته ومع كل مجلس يروى فيه حديثه… تحل ذكراه، ويطيب الزمان بعبق يعرفه كل أحبابه، ليحيى القلب من جديد بالتعلق به والتشوف إليه والشوق والحنين إليه، نعم مع كل نفس من أنفاس من يحبه تحل ذكرى مولد سيدنا الحبيب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وكل الشهور هي ربيعه الأول وكل الأيام هي إثنينه الأول، بل مع بسمه كل فجر جديد يؤذن فيه باسمه محمد صلى الله على الحبيب وسلم، وكل مؤمن محب يردد ويصلي عليه ويشهد، تطل ذكرى ميلاده التي لاتموت.

قمر واقف بالباب

لما بدا نور القمر ذهب الظلام جاء الســهر
من نوره عجب البشر قالوا إلها قد قـــدر
لما بدا نور المصطـفى بلـغ الخبـر كل الأثــر
حــجوا لبيته ينظروا وجدوا القمر ببابه قد انتظـــر
قالــوا بنورك تكتفي عـزا رقيا في السمـــا
قال دعونــي اقتفي من دونـه كنت حجــر
يا طائـرا في جوه ومغـــردا في سربــه
بلغ سلامـي لخير من كان أبــا ومعلمــا
بلغ سلامــا قد رسم على قلب عليل قد احتضــر
شوقا إلى نور الوجود شوقـا إلى حب الـودود
2 فيا أيها المحبون للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، يا فرحين ويا كل من يحيي ذكراه في قلبه وبشره، مع بهجة وتلألئ ذكرى ميلاده الكريم المجيد، هنيئا لكم ذكرى مولد أحب الأحباب النبي الأمي محمد، وسراج القلوب محمد، وهادي الأرواح محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه واخوانه وحزبه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، لاإله إلا الله محمد رسول الله.


[1] أخرجه الإمام مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهما بسند صحيح عن أبي قتادة رضي الله عنه.\
[2] هدية خاصة من الشاعر الشاب الأخ سعيد السليماني.\