السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا من أشرق الوجود بنور طلعته البهية، وأزهرت الأكوان بطيب هدايته الربانية، واتصلت الأرض بالسماء بحبل رسالته الإلهية.

نستأذن المصطفى صلى الله عليه وسلم ونطلب ضيافته الكريمة، وهو أكرم الناس وأجودهم، ينفق من المال نفقة من لا يخشى الفقر، ومن بشاشة وجه من لا يكن الغل.

ندخل بعد إذن رسول الله المجتبى بيت النبوة، في لحظات نعتبر بها في زمان غاب عنه أولوا الأبصار أهل الاعتبار، وأصيبت فيه البيوت الأسرية بعدم استقرار.

نستأذنه وندخل معه بيت أمنا خديجة عليها السلام، وهو راجع صلى الله عليه وسلم من غار حراء الذي كان يختلي به قبل النبوة، والذي به آتاه جبريل عليه السلام رسول من عند رب العالمين، وناداه وقد سد الأفق: اقْرَأْ، ناداه بعد أن ضمه إلى صدره حتى كاد يغشى عليه: اقْرَأْ، ناداه بعد أن اعتذر إليه بالأمية، فهو النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.

ندخل معه بيت من قرأ الله عليها السلام من فوق سبع سماوات، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا تعب فيه ولا نصب، ونستمع إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يقول بصوت مرهف متعوب: “زملوني زملوني”، وبعد أن زملوه، وقص قصته، قال لحبيبته وأم أولاده رضي الله عنها وعنهم: “خشيت على نفسي”، فكان جواب المرأة الكاملة، المبشرة بالجنة، السباقة بالإيمان، العارفة بقدر زوجها، وبفضل الله على أمثاله: كلا أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق في الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) 1 .

أمنا تعرف شمائل زوجها عليه السلام، أمنا تمدح زوجها عليه السلام، أمنا تزمل زوجها عليه السلام…

حبيبنا يأوي إلى زوجه عليها السلام، حبيبنا يبوح لزوجه عليها السلام، حبيبنا يعمل برأي زوجه عليها السلام حين تأخذه إلى ورقة ابن نوفل.

مشهد لم نعد نراه في بيوتنا، عفوا رسول الله، استغفر لنا ربنا.

السلام عليك يا رسول الله.

نستأذن الحبيب صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، هذه المرة وهو مجتمع بنسائه أمهاتنا رضي الله عنهن، يحدثهن حديثا، فقالت امرأة منهن: كأن الحديث حديث خرافة!

فقال: “أتدرون ما خرافة؟! إن خرافة كان رجلاً من عُذْرَةَ أَسَرَتْهُ الجنُّ في الجاهلية، فمكث فيهم دهراً، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى من الأعاجيب فقال الناس: حديث خرافة” 2 .

اجتماع عائلي موسع، مؤانسة ومفاكهة، أمنا تقاطع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول حديث خرافة.

رسول الله لا يغضب، رسول الله لم ينهض من المجلس العائلي، رسول الله لم يكدر جو الفكاهة والمؤانسة، قال: “أتدرون ما خرافة”؟…”.

مشهد لم نعد نراه في بيوتنا، عفوا رسول الله، استغفر لنا ربنا.

السلام عليك يا خير خلق الله.

نستأذن رسول الله وهو في غزوة الأحزاب يتنقل بين الخندق وخيمته حيث أمنا عائشة رضي الله عنها، نستأذنه لنسأل أمنا عائشة رضي الله عنها عن سر هذا التردد، قالت: يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق للحراسة في هذا الليل البهيم البارد، حتى إذا أصابه من البرد ما لا يطيق، رجع عندي إلى الخيمة لأدفئه في حضني، ثم يرجع إلى الخندق.).

صلى الله عليك يا علم الهدى.

مشهد لم نعد نراه في بيوتنا، عفوا رسول الله، استغفر لنا ربنا.

السلام عليك يا أيها الرحمة المهداة والنعمة المسداة.

نستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المرة في أن ندخل بيت أمنا ميمونة. رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع مع أمنا ميمونة على طول الوسادة، وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مضطجع في بيت خالته على عرض الوسادة، ولندع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي لنا الحكاية يقول: فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي.) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ).

مشهد لم نعد نراه في بيوتنا، عفوا رسول الله، استغفر لنا ربنا.

السلام عليك يا خير الورى.

نستأذنك يا حبيب الله لندخل معك بيت ابنتك فاطمة البتول عليها السلام، وقد أتتك تشكي الرحى وما فعلته في يدها، والحبل وما فعله في يد علي ابن عمك عليه السلام، ونصغي إليها وهي تصف زيارتك إياها: أتانا وقد دخلنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: )“على مكانكما”، حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: )“ألا أدلكما على خير مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا الله أربعاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وسبحا ثلاثاً وثلاثين، فإن ذلك خير لكما مما سألتماني”. وفي رواية أنه – صلى الله عليه وسلم- قال: “والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم”.

مشهد لم نعد نراه في بيوتنا، عفوا رسول الله، استغفر لنا ربنا.

السلام عليك يا بدر التمام، ويا خير الأنام.

نستأذنك سيدي رسول الله أن ندخل بيتك عند أمنا سودة بنت زمعة عليها السلام، التي كان يسعدها أن تراك تضحك من مشيتها – وكانت ثقيلة الجسم -، وكنت تأنس لخفة روحها. نستأذنك لندخل معها بيتها وقد قدم بأسرى بدر، ويفجأها مشهد سهيل بن عمر وهو من أقاربها مجموعة يده إلى عنقه بحبل في ناحية الحجرة، فما ملكت نفسها حتى قالت:

أعطيتم بأيديكم، ألا متم كراما؟)

فما كان منك يا رسول الله إلا أن قلت بقوة الناصح، ورحمة المشفق: “يا سودة، أعلى الله ورسوله تحرضين؟”.

نصيحة ورحمة.

مشهد لم نعد نراه في بيوتنا، عفوا رسول الله، استغفر لنا ربنا.


[1] رواه الحاكم رحمه الله.\
[2] رواه الإمام أحمد رحمه الله.\