1. وجع مفاجأة الربيع العربي

لاشك أن حكومة ذ. بنكيران التي شكلت في سياق ربيع عربي له ثمنه لأجل الحرية الحقيقية ستعيش فترات زمنية عصيبة، خاصة أن هذه الحكومة ليست وليدا طبيعيا لهذا الربيع، بل هي نتاج تفاعلي في الاتجاه السلبي معه من طرف خبرة قرون من الزمن تشكل الرصيد السياسي لدى نظام استبدادي متجذر في حركة شعب مر من مراحل ضعف حادة.

إن التغيير عملية تاريخية عميقة وشاملة، ولذلك كان دوما يحتاج إلى مرحلة انتقالية – بعد إنجاز المراحل الأساسية – تتم من خلالها تصفية تركة ماض فاسد. والتصفية هنا عملية تربوية تعليمية اجتماعية وسياسية ومالية اقتصادية شاملة تتعارض جملة مع منطق العنف، لكنها تعرف جيدا معنى القوة والحزم المبني على الوعي والحكمة التي تخلص البلاد، وفق سنة التدرج، من تفاصيل ومفاصل الاستبداد والفساد المتسربة إلى أعماق الحياة النفسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والمالية والاقتصادية، وغيرها، ولذلك كان، دوما، يختلف منطق التغيير الجذري عن منطق الإصلاح الجزئي، وهذا الأخير ليس هو منطق الإصلاح الشامل المتدرج من داخل مؤسسات تسمح بذلك (مثال المؤسسات الديموقراطية أنموذج تركيا).

ففي مغربنا تحصل عملية تمويه كبيرة، والناس أمام مفاجآت الربيع العربي: هروب ابن علي (حاكم تونس)، والإطاحة بمبارك (حاكم مصر) ومصرع القذافي (حاكم ليبيا)، وتدهور الأوضاع بشكل خطير في اليمن وسوريا.

إنها عملية ارتداد طبيعي لحراك الربيع العربي، لكنها خارج سياقه ومختلفة تماما مع أهدافه، ذلك أنها من إنجاز رصيد سياسي كبير وعميق في التاريخ المغربي في إنجاز عمليات التمويه والتزوير والالتفاف وفق قواعد سياسية نظامية ممتدة في عمق هذا التاريخ ومؤسسة لكثير من فتراته ومراحله وأطره الفكرية والمجتمعية على الرغم من فسادها وطبيعتها الاستبدادية القرونية. ولذلك كان الرأي العام، وحتى الباحثون، أمام عملية تمويه هائلة مربكة لجل التصورات والمواقع والمواقف، إذ وفرت شحنة القواعد النظامية وخبرة الاستبداد في تفعيلها كفاية متطورة لاستيعاب ارتدادات الربيع العربي في الشارع المغربي وتوجيه آثارها “السلبية” إلى صلب أغلب القوى السياسية والمجتمعية الضعيفة أصلا بفعل فعالية تلك القواعد القرونية وتغطيتها الحياة المغربية، عوض أن تتجه نحو هذه القواعد وإخضاعها للنقد الجذري.

إننا إذا أردنا أن نفتح الأفق الحقيقي لحراك الشعب المغربي نحو الحرية المطلوبة، فلابد أن نقرأ جيدا عملية الالتفاف الكبيرة والهائلة التي أنجزها النظام السياسي القائم في المغرب حول حراك الشعب المغربي عند تجاوبه مع سياق الربيع العربي، إذ القراءة الموضوعية الصحيحة لهذه العملية ستؤسس للمدخل الحقيقي لإنجاز مطالب هذا الشعب من حرية وعيش كريم، وغيرها، لكن لا يمكن أن نفقه عملية الالتفاف عبر تشكيل حكومة 2012 إلا بعد فقه عملية الالتفاف الكبيرة الأولى التي حصلت مع فجر الاستقلال أواسط القرن العشرين الميلادي.

2. عملية الالتفاف الأولى

استعملت عبارة “الالتفاف” في مقالات عدة سابقة، ذلك أني وجدتها تحمل دلالات كافية لتفسير سلوكات سياسية مهمة صادرة عن منهجية النظام السياسي في تدبير قضايا الشأن العام في المغرب. ولذلك كانت أداة أساسية في تحليل المبادرات الرسمية عند التعاطي مع واقع الربيع العربي وتجلياته في الحياة السياسية المغربية.

وفي كتابي “وهم الديموقراطية ومداخل الحرية في المغرب” عند تفكيك المشروع “الديموقراطي الحداثي” الذي اعتمد مرجعا كليا لكل المبادرات الرسمية اعتبرت مفهوم “الالتفاف على رصيد الحركة الوطنية” من طرف النظام السياسي والنخبة المتحالفة معه مصدرا كبيرا للأزمة الحادة التي لم تفارق الحياة السياسية المغربية، وأن هذا الالتفاف أسس لمفارقة كبيرة في بناء الاستراتيجيات السياسية والمجتمعية؛ حيث شكل قطيعة مع العمق الجهادي للشعب المغرب وحوله إلى مستوى نضالي سطحي وهامشي وممزق سمح بتكريس القواعد النظامية القرونية وهيمنتها على الحياة المغربية، كما وفر لها (القواعد النظامية) إمكانية الاندماج السلس والواعي في سياق المدرسة الغربية، مما أضاف ركنا سميكا لبنية النظام السياسي مضافا إلى ركني العمق الديني والعمق التاريخي.

فمن المعلوم أن قوة الحركة الوطنية استمدت من عمقها الإسلامي الذي نهض، كما هو الشأن في جميع البلاد الإسلامية ضد هيمنة استعمارية صليبية توسعية تحالفت خلال الثلث الأول من القرن العشرين الميلادي مع الصهيونية العالمية، التي اغتصبت بيت المقدس وفلسطين وقضمت أراض شاسعة عربية وإسلامية وفرضت على الأنظمة السياسية العربية الخارجة من فترة الاستعمار الخضوع وحتمت عليها ربط مصيرها بمصيرها.

الشاهد هنا أنه حصل التفاف هائل على رصيد المقاومة الوطنية للاستعمار الذي اضطر لمغادرة الأرض وترك نخبة حاكمة ومفكرة ومدبرة للإدارة والحكم على قواعد التفكير الغربي ضمن سياق تجربة محلية حيدت كل رصيد إسلامي جهادي وجعلته على الهامش وأعادت تفعيل القواعد القرونية في تدبير الشأن العام حاضرا ومستقبلا.

من هنا بدأت الانتكاسة السياسية زمن الاستقلال؛ حيث إنه، بتحييد الرصيد الإسلامي الجهادي وتهميشه، تم إنجاز مهمتين:

الأولى: إقبار الحياة الجديدة والمتجددة للمشروع الإسلامي، وتفريخ بنية فكرية وسياسية حزبية ومؤسساتية وحركية ثانوية وجزئية كرست صراعا مجتمعيا هامشيا أمام التفعيل القوي للقواعد النظامية مع شخص الحسن الثاني رحمه الله. بل في كثير من الأحيان كان هذا الصراع وهميا وغير حقيقي يشغل بال الجميع وتفكيره مدة من الزمن حتى إنجاز حالة وهم آخر.

الثانية: تهميش الشعب وإنهاء موقعه الأصلي في الحياة السياسية والمجتمعية، وهو ما أدى إلى إبعاد أو اعتزال فئة لا يستهان بها من العلماء والفعاليات التي كان بإمكانها المساهمة القوية في النهضة العامة للشعب المغربي وإخراجه من وضع اجتماعي تقليدي إلى واقع حيوي ومتجدد منفتح على كل إمكانات النهضة العامة والشاملة.

ولا ينكر الباحث أن عملية الالتفاف هذه استندت على إجراءات سياسية ودستورية وأمنية وعسكرية، وكذلك مالية واقتصادية، حسمت كل الأمور لصالح توجهات القصر وحلفائه في الداخل والخارج، في حين تم تهميش المعارضة، أيا كانت هذه المعارضة، إلى حد أن صارت شكلية وثانوية التأثير، علما بأن غالبية المرجعيات المؤطرة للمعارضة لا علاقة لها بأي معنى إسلامي متجدد وناهض.

ولذلك بنيت كل تفاصيل الحياة المغربية؛ تربية وتعليما وسياسة، وغير ذلك، على قاعدة هذا الالتفاف الكبير الذي وفر إمكانية امتداد الاستبداد والفساد إلى كل تفاصيل هذه الحياة، بل الأدهى أن يصبح هذا الرصيد من ملك فئة قليلة محتكرة للفكر والسياسة ومسخرة آلة إعلامية لذلك.

إن نظاما استطاع أن ينجز، مع حلفائه بالتصريح أو بالضمن، عملية التفاف من هذا النوع وحسم الأمور لصالحه لقادر على أن يجعل تفاصيل حياة سياسية مبنية على معنى الوهم، ولذلك فمفهوم الوهم رفيق طبيعي لمفهوم الالتفاف في المغرب حيث اجتماعهما يولد كل قواعد التزوير والتحريف وصورهما على أدهى طريقة، ولذلك لا نستغرب أن نجد دلالات هذه المفاهيم وأخواتها تشكل روح الدساتير التي عرفها المغرب، وكذا القوانين المنظمة، وغيرها من وسائل تنظيم وتأطير الحياة العامة وتدبير الشأن العام. وهو ما أسس لعملية الالتفاف الثانية مع الربيع العربي سنة 2011 ميلادية.

3. عملية الالتفاف الثانية

كانت عملية الالتفاف الأولى الأساس الذي بنيت عليه الحياة السياسية المغربية في ما بعد الاستقلال؛ فشكلت ماهية العملية السياسية برمتها إلى أن جاءت لحظة الربيع العربي خلال عام 2011، والمستمرة اليوم، التي كشفت عن عامل حاسم في المستقبل القريب والمتوسط والبعيد المتجلي في إرادة الشعوب ووعيها بقضيتها ومصيرها وقوتها المجتمعية، حيث أسقطت أنظمة سياسية بسرعة غير منتظرة وهددت أخرى.

وقد لاحظ الجميع هرولة “النظام السياسي” إلى القيام بإجراءات اجتماعية وسياسية هامة، حيث لما انطلقت حركة 20 فبراير 2011 كان خطاب ملكي في مارس 2011 أعلن عن تشكيل لجنة سهرت على إنجاز “تعديلات” دستورية، وفي يوليوز 2011 تم إقرار الدستور المعدل من خلال عملية تصويت أشرف عليها المخزن وأدارت أجهزته تفاصيلها مع حملة إعلامية راعية لذلك وناقلة له في سياق محدد، ولاشك أن هذه “التعديلات” تفقد قيمتها ما لم يتم انتخاب حكومة منسجمة مع استراتيجية التعديل الدستوري وخادمة لمقاصده بنفس السرعة التي تم بها الدستور المعدل، وهو ما تم إنجازه من خلال انتخابات سابقة لأوانها في 25 نونبر 2011 أفرزت حكومة وظيفتها الأساسية تنزيل الدستور “الجديد”.

ومن المعلوم أن كل تفاصيل الثورات والانتفاضات العربية أفرزت الإسلاميين كقوة أساسية؛ سواء عند تفعيل يوميات الثورات العربية، أو عند إجراء انتخابات بعد سقوط رموز أنظمة سياسية (تونس، مصر).

لذلك كان لزاما أن تنجز عملية التفاف ثانية تؤهل لحسم مجريات الأمور لصالح النظام السياسي في المغرب. ولن يتم ذلك إلا بنجاح عملية استيعاب كبيرة للمد الإسلامي تحول واقع الحراك المجتمعي والشعبي من حراك متعارض جوهريا مع حركية النظام السياسي داخل المجتمع إلى حراك جزئي بحيث يحدد له سقف اجتماعي ذو سقف سياسي محدود جدا، وذلك لتجنب واقع المواجهة الكلية التي وقعت في بلاد (تونس-مصر-ليبيا-اليمن-سوريا) والتي لا تنتهي إلا بإسقاط الأنظمة مهما كان الثمن.

لقد كان المغرب مؤهلا لعملية الالتفاف هذه من خلال صيرورة استراتيجيات النظام السياسي في محاولات استيعاب الحركة الإسلامية طيلة العقود الماضية، والتي مرت من مراحل عدة توجت باحتواء فصيل إسلامي وفعاليات سلفية وصوفية صاروا خادمين ضمن الاستراتيجية العامة للنظام السياسي في تدبير وصناعة المستقبل المغربي.

وبما أن هذه المعطيات أفرزت “ديناميكية” جديدة في الحياة السياسية في المغرب أخرجت النظام السياسي من ورطة الحراك المتعارض كليا (بين حركية القصر وحركية الشعب)، التي لا تتحملها بنيته وطبيعته الهيكلية، كان لزاما على أكبر تنظيم إسلامي معارض اتخاذ الموقع والموقف المناسبين للحفاظ على قوة حضور خط مطلب التغيير الجذري وتأمين هامش استمراريته، ولذلك كان التوقيف الاضطراري لمشاركة العدل والإحسان في حركة 20 فبراير دعما ومشاركة لكونها أصبحت في موقع “نضالي” مكرس لعملية الالتفاف الثانية من خلال الحرص على تغييب المرجعية المغربية الإسلامية في حراك 20 فبراير ومن خلال ضعف سقفها السياسي الذي صار أقرب إلى معنى اجتماعي يحول دون تحقيق الحرية الكاملة للشعب، وهو ما يعني تموقعا نضاليا باعتبار النظر إلى مصير المغرب.

وفي نفس الوقت جاءت الرسالة التي وجهها مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان إلى قيادات حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية من باب القيام بواجب النصيحة التي تقيم الحجة في لحظة تاريخية فاصلة من حياة الشعب المغربي، علما بأن التعارض الجوهري بين المرجعيتين العلميتين كاف لتبرير الخلاف في تحديد موقعهما وموقفهما الحركيين في الحياة السياسية والمجتمعية في المغرب (سنرجع في فرصة قادمة إن شاء الله تعالى لناقشة هاتين المرجعيتين بما يسهم في وضوح طبيعة الاختلافات بين الطرفين). وبما أن عملية الالتفاف الثانية، مرة أخرى، تتم في حق تفعيل وتجديد حركية المرجعية الإسلامية في التصدي لقضايا الأمة، فإن الأمر يقتضي من تنظيم دعوي كجماعة العدل والإحسان اتخاذ المواقع والمواقف القادرة على حماية مسار التغيير الجذري الحقيقي من الانحراف والالتفاف.

فإذا كانت عملية الالتفاف الأولى تمت في سياق معين ضمن لها النجاح الكبير وغطى عقودا من زمن الواقع السياسي والمجتمعي المغربي المعاصر، حيث ضعف القوة الإسلامية ضمن مجتمع محكوم يومها بقواعد تقليدية جامدة، وبقواعد سياسية ممتدة في عمق التاريخ المغربي مع بروز نخبة من المفكرين الذين قادوا عملية انتقال الحركة الوطنية من العمل على قاعدة المرجعية الإسلامية إلى العمل على قاعدة مرجعية سياسية وطنية غامضة مؤطرة بمرجعيات “إديلوجية” تستمد مقوماتها المعرفية والعلمية من التجربة الغربية، فإن السؤال اليوم يبقى مشروعا: هل ستنجح عملية الالتفاف الثانية مع المعطيات الجديدة التي أفرزها تجدد الحركة الإسلامية وتطورها من خلال عرضها مشاريع تغطي المحلي والإقليمي والدولي؟

الجواب أنه يمكن أن يحصل نجاح محدود في الزمن، نظرا لخبرة النظام السياسي في الالتفاف والتمويه والترويض والاحتواء والإقصاء والتهميش، وكذا في صناعة الوهم السياسي والمجتمعي، لكن النجاح الاستراتيجي والمصيري أصبح غير ممكن لعوامل عدة، منها:

1. النهضة العامة في صناعة الوعي والإرادة التي تعيشه شعوب الأمة.

2. توفر الحركة الإسلامية على قدرات وكفايات هائلة في تدبير مراحل زحفها وتوسعها على الرغم من ظروف الحصار.

3. توفر هذه الحركات على مشاريع كبرى للنهوض وفتح آفاق المستقبل على عملية تجديد شاملة في الحياة المجتمعية والسياسية. مع حصول الوعي بضرورة صناعة قوة الوحدة ووحدة القوة.

4. واقع التواصل الاجتماعي والمجتمعي الذي أصبح من المستحيل محاصرته.

5. انكشاف حقيقة حكام ما بعد الاستقلال: الاستبداد والفساد والتسلط واحتكار الثروة والسلطة.

كل هذه الحقائق، وغيرها، تجعل من عملية الالتفاف الثانية محدودة الأثر؛ حيث ستكتشف الأمة أن نتائجها قاصرة عن تلبية مطالبها في الحد الأدنى. ولذلك سيعرف المشهد السياسي في المغرب تغيرات هامة في المستقبل القريب تتجلى في ظاهرة المراجعات لدى كثير من المفكرين والعلماء، وستعرف بعض الأحزاب انشقاقات حادة، إذ سيكتشف بعض أعضائها وقياداتها درجة الزيف والتزوير الذي وقع عليهم. كما سيعرف الحراك المجتمعي تحولا جوهريا في مضمونه واتجاهه وأفقه، فضلا عن التوسع الحاصل لفكرة التغيير الجذري وأساساته العلمية والمعرفية.