من أين نبدأ القول في قضية “مركزية” من قضايا الأمة؟ من متغيرات عالم السياسة المتقلب بالناس السائر بالناس؟ أم من آيات الوحي ومنارات النبوة؟

سؤال محوري يلح علينا بجواب حاسم، وينأى بنا شيئا فشيئا عن المعضلة ذات الرأسين المتنافرين؛ إن أمسكنا بطرف التحليل المادي، تفلت من بين أيدينا الاستناد إلى معالم الهدي.

لا يزال الجرح الفلسطيني منبعا لدماء المسلمين ومآسيهم، ومشهدا متجددا للابتلاء والاختبار، منذ أزيد من قرن. ينزف الجرح في بلد المسجد الأقصى الذي باركه الله وبارك حوله، بصور شتى وبألوان عديدة، وتنزف أمتنا من غربها إلى شرقها تحت نير حكام العض والجبر. وهم الآن بإجماع شعوبنا العقبة الماثلة بين يدي الجهاد دفاعا عن عزتنا ومروءتنا وديننا. هم الآن معدن الضعف والمهانة، ووجه بارز للذل والغثائية.

مشهد جديد للعنف اليهودي

مشهد آخر من مشاهد الجرح الفلسطيني عايشناه حينما حرك الكيان الصهيوني آلته العسكرية الدموية لتهاجم قطاع غزة المحاصر، وتشرع في تقتيل المسلمين والمسلمات بأبشع الطرق وأحدث الأشكال.

إنه مشهد دموي تابعه الناس في كل مناطق العالم، باهتمام واضح وإنكار صارخ. وقد تداعت كثير من الهيئات والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية، إلى إنكار همجية بني إسرائيل العاقين وقسوتهم وعنفهم غير المحدود. وسارعت بعض الحكومات أيضا إلى اتخاذ قرارات استنكار أو تجميد للعلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية.

كان ذلك في عالم الناس. فلننظر في القرآن الذي أنزل للجن والناس.

يثبت القرآن المبين أن أفعال بني إسرائيل اليوم ليست سوى مشهد آخر لعنف وقسوة اليهود الذين جمعوا في صدورهم خلاصة الحقد البشري، وصاروا بشهادة القرآن الكريم، معدن الفسق والمكر والكفر. قال الله عز وجل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ. لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ 1 .

ونحن اليوم، وإن كانت تشمئز نفوسنا لهذه الصورة الهمجية البشعة، نزداد تمسكا بالبيان القرآني الذي أثبت حقيقة العلو والإفساد اليهوديين عبر مسيرة البشرية؛ علو في الأرض مرتين اثنتين يكون بإزائهما قوة إيمانية تعتصم بالله العزيز.

لقد رأينا في الحرب الصهيونية على غزة فصلا من فصول ذلك العلو الكبير، ونرى في انتصار وصمود المقاومة هناك مقدمة للرد الإيماني القوي، للتحرير الشامل للأرض المباركة. قال الله عز وجل: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا 2 .

سآوي إلى جبل…

كلمة لابن نوح عليه السلام، قالها وهو يخط لنفسه طريقا بين أمواج متلاطمة، مبتعدا عن سفينة الرسول المبعوث، زاعما لنفسه النجاة من الغرق باللجوء إلى جبل يعصمه من الماء.

كذلك، يفصلنا التحليل المادي الأرضي عن منبع القوة والعزة، وهو الاعتصام بالله القوي. وهو الاعتصام بالوحي والنبوة. وهو العمل الدؤوب استنادا إلى سنة الله في الحضارات والأقوام والمجتمعات. ولن تجد لسنة الله تبديلا.

ولقد سمعنا من “القراءات” السياسية والاستراتيجية لمعركة غزة ما يقوم دليلا على قصور ذاك التحليل عن إدراك سنة الله القائمة منذ بدء الخلق.

تحدث بعض “المحللين” عن انتصار تاريخي حازته فصائل المقاومة الفلسطينية في وجه الآلة العسكرية الصهيونية، لما وقفت صامدة تحت سماء تمطر قنابل وصواريخ. لما أرهبت العدو الذي لم يستطع التوغل في دائرة التجمعات السكنية المكتظة إلا بشكل محدود. وبالموازاة مع هذه القراءة المؤيدة لخط المقاومة والممانعة، برزت قراءة أخرى تزري بموقف المجاهدين المؤمنين والمناضلين الوطنيين الفلسطينيين، وترى فيما أقدموا عليه من إنهاء اتفاق التهدئة مع العدو الصهيوني- عنوان طيش وخفة، وعلامة تهور وسوء تقدير.

وإني لأزعم أننا – معشر المنتسبين إلى صفوف الدعوة والجهاد – نلتقي مع بعض تلك التحليلات الداعمة للمقاومة، الداعية إلى التبين وحسن النظر في الأوضاع السياسية المحلية والعالمية ونختلف عنها من زاوية النظر، إذ نربط الوقائع والأحداث والأفعال والأقوال بسنة ماضية لا تحابي أحدا من الناس. ففي ثنايا الآيات المذكورة من سورة الإسراء، يقرر الحق سبحانه قاعدة ثابتة يوضحها الشهيد سيد قطب رحمه الله: وقبل أن يتم السياق بقية النبوءة الصادقة والوعد المفعول يقرر قاعدة العمل والجزاء: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}.. القاعدة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة؛ والتي تجعل عمل الإنسان كله له، بكل ثماره ونتائجه. وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل، منه تنتج، وبه تتكيف؛ وتجعل الإنسان مسؤولاً عن نفسه، إن شاء أحسن إليها، وإن شاء أساء، لا يلومن إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء.) 3

سنة التداول

على أرض فلسطين المباركة وحولها، يشتد الصراع العالمي بين المسلمين واليهود الصهاينة، (بعض اليهود يعلنون براءتهم من العنف الوحشي للدولة العبرية).

يشتد الصراع ويعظم شيئا فشيئا، وتتعدد مشاهده وفصوله بين جنين والناصرة وعكا وبيت لحم وغزة والقدس… لكننا لا نرى الآن حسما إسلاميا لهذا الصراع ما دامت شروط الغلبة لم تنعقد بعد لأمتنا الموعودة بالنصر.

نستند أولا إلى وعد الله المقطوع في بداية سورة الإسراء، ونتقبله بالتصديق الكامل، تصديق العاملين المجاهدين، علماً أن الله هو الذي وضع سنة التداول التي تسقط بموجبها حضارات وتقوم أخرى. وقد جاء الحديث في القرآن الكريم عن مداولة الأيام بين الناس في سياق العناية بأمر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هزيمة أحد. ولننظر كيف كان المسلمون ينفعلون بالوحي أمرا ونهيا وعتابا وتوجيها. قال عز من قائل: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ 4 .

ليست مصيبة غزة، مصيبة العنف اليهودي في غزة، سوى مشهد جلي لصراع الكفر والإيمان، حيث يزداد الكفار فسوقا وجهلا وإعراضا. والمؤمنون المتمسكون بأذيال العبودية لله القوي العزيز، يستمعون إلى نداء الربوبية يذكرهم ويعظهم ويهديهم. يذكرهم القرآن بحقيقة: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، فيزداد إقبالهم على فهم ومعرفة مصادر القوة في عالم الناس، ويزداد أيضا إقبالهم على قاعدة العمل الصالح المتقن استعداد ليوم التداول، يوم يعز فيه الله من يشاء من عباده. ولن يكون ذاك اليوم القريب بحول الله سوى يوم رجوع الأمة إلى ربها الكريم، وقراءة كتابيه المسطور والمنظور. والله غالب على أمره.


[1] المائدة: 78-82.\
[2] سورة الإسراء: 4-7.\
[3] في ظلال القرآن: ج 5 / ص 7.\
[4] آل عمران: 137-140.\