ما من حدث يقع من قدر الله إلا ويكون مثار تساؤل، خاصة إذا ارتبط بالإنسان. وحدث وفاة الإطار المعطل عبد الوهاب زيدون – رحمه الله ورزق أهله ورفقاء النضال معه الصبر والسلوان – يطرح تساؤلات مشروعة وصريحة عن مسيرة التلميذ والطالب من الدراسة إلى المهنة، وعن واقع التوجيه الدراسي والمهني ببلادنا، وعن مدى ملاءمة السياسة التعليمية لمتطلبات سوق الشغل، تساؤلات صارت كأخواتها المطروحة في كل الميادين: الصحة، السكن، الإعلام، القضاء… في الوقت الراهن تتطلب إجابات صريحة تضع الأصبع على الخلل لتتلمس له العلاج المناسب لا الترقيع المُمَوِّه.

في هذا المقال لنا وقفة مع مسيرة التلميذ من الدراسة إلى المهنة، أهي طريق معبدة أم عقبة كأداء؟ أو بتعبير أوضح: أهي طريق ماهدة سالكة ميسرة أم مليئة بالعوائق مزروعة بالأشواك معرض سالكها للصدود والسدود والصخور؟

إن الجواب عن هذا السؤال لا يحتاج إلى طول تفكير وتأمل، ولا إلى عناء البحث في الوثائق والاطلاع على أرقام وإحصائيات، ولا ينفرد به وزير التربية الوطنية والتعليم أو وزير التشغيل، بل يجيبك عنه الشباب العاطل والشباب المعطل والأمهات والآباء الذين خاب أملهم في عمل أبنائهم والأخ الذي يبصر أخاه أو إخوته الأكبر منه سنا من حصلوا على شهادة ويجترون مرارة البطالة و…، فأبلغ جواب هو الواقع الذي يحياه هؤلاء، عبروا عنه ويعبرون بلسان حالهم وقالهم، وهو واقعٌ أكبر من أن يُحجب أو يُغطى.

نعم، بكل تأكيد، الطريق من الدراسة إلى المهنة سالكة ماهدة، لكن أمام من؟ بالطبع أمام ثلة من المغاربة:

– أبناء الساسة ورجال الأعمال وأثرياء البلد… جعلوا تعليمهم بالخارج بديلا عن المدرسة العمومية – باتت تُهدَّد في وجودها نتيجة اكتساح التعليم الخاص – طمعا في الشواهد العليا المؤهلة لشغل المناصب السياسية والإدارية العليا في البلد.

– من يملكون وسائط بشرية تُعبِّد الطريق نحو الوظيفة أو ما يُعرف بالدارجة المغربية ب”الْمْعَارْفْ” أقرباء – دما أو سياسة – كانوا أو أصدقاء.

– من يدفعون – مباشرة أو بوسائط – الرشوة للنجاح في المباريات الرسمية التي تجريها القطاعات أو للدخول بدونها، والغريب في الأمر أن الأمر طال حتى المِهَن الصغيرة.

– المحظوظون الذين تفوقوا في دراستهم وحصلوا على معدلات مرتفعة ووجدوا أعمالا ووظائف في بلدهم، ولم يضطر البعض منهم إلى الهجرة إلى الخارج بحثا عن عمل أو إكمالا للدراسة في تخصص لا يوجد في بلدهم الأم كما يفعل الكثير فيما بات يُعرف ب”هجرة الأدمغة العربية”.

– الذين تابعوا دراستهم بالخارج وتمكنوا من إقامة مقاولات ومشاريع أو فتح عيادات بالبلد بعد أن توفرت لهم الإمكانيات المادية وروح المغامرة.

إذا كان هؤلاء الذين ذُكروا وغيرُهم قد ساعدتهم الظروف لإتمام مسارهم الدراسي وولوج المسار المهني، فإن شرائح واسعة وعريضة لم تفلح في متابعة الدراسة أو أكملتها واصطدمت بواقع متمنع يتسم بشح مناصب الوظائف وقلة فرص العمل وعسر الحصول عليها، فبين الأمل في تحقيق الأمن الاقتصادي (العمل) والاجتماعي (تكوين أسرة) والأمل في إعانة الأسرة (الوالدان والإخوة) أو إعالتهما، تدور بالخريجين عجلة الزمن دون توقف، لتنذر بمصير مجهول، في ظل الخصاص في الأطر والموظفين الذي تعرفه جل القطاعات، وفي ظل التشكي بقلة الموارد المادية في وقت يُنفق بسخاء على المهرجانات الفنية والمناسبات الرياضية.

جيوش من المتخرجين حاملي الشهادات، لا تُقبل طلبات العديد منهم في الفرز الأولي، ويُجري بعضهم – المئات في بعض الأحيان لا تؤخذ منهم إلا نسبة قليلة – المباريات بدون نتيجة، فتتقادم شواهدهم فتصير – عذرا على هذا التشبيه – كالسلعة الفاسدة المنتهية صلاحيتها، فيتسلل اليأس إلى النفوس وينقطع الأمل في الانخراط في سلك الوظيفة العمومية، فيلجأ البعض إلى امتهان مهن حرة، والبعض الآخر يبحث عن عمل في القطاع الخاص، وبعضهم يفضل الهجرة إلى الضفة الأخرى… وفي السنوات الأخيرة اتخذ بعض الخريجين حاملي شهادة الماستر والدكتوراه من مدينة الرباط مُعْتصَما للنضال من أجل التوظيف، في شكل مجموعات، وقد أدمج بعضهم بعد نضالهم المستميت وبقي آخرون. ومع الربيع العربي والحراك المغربي التحق بالنضال المجازون مشكلين بدورهم جمعيتهم، يناضلون في الرباط وفي عدد من المدن المغربية.

ولئن كانت نسبة الخريجين تتناقص بفعل نظام الوحدات في الدراسة الجامعية الذي لا يقوى العديد من الطلبة على مسايرته لضعف القدرة على التحصيل أو لثقل التكاليف في غياب المنحة والسكن الجامعي أو في وجودهما، وبُعد الجامعة عن العائلة، أو للاضطرار للعمل إعانة للأسرة، فإن أفواجهم تتْرى. فالنسبة غير مرشحة للارتفاع بالرغم مما شهدته نسبة الحاصلين على شهادة الباكلوريا في السنة الماضية من ارتفاع أو رفع لأسباب من بينها امتصاص الغضب التلاميذي.

حقا طريق هؤلاء ليست ماهدة بل عقبة كأداء: صبر على طول المسيرة الدراسية ومشقة طلب العلم، وصبر للأسرة على الاهتمام رغم صعوبة الظروف؛ وإن أسرا ضاربٌ الفقر أطنابه فيها تحْرِم نفسها لتعلم أبناءها وبناتها، تعقد آمالها عليهم علهم ينتشلوها يوما من وهدة الفقر وذل الحاجة، معاناة تلو معاناة مر منها أغلب المتابعين لدراستهم.

يبدو أن الحكومة الجديدة جاءت في ظرف دقيق، يطاردها ملف تشغيل المعطلين وغيرهم ويهددها شبح الهدر المدرسي المهول، ولن تسلم طريقها من عقبات كأداء تتلخص إجمالا في ضغوط ثلاثة: ضغط الشارع بما فيهم المعطلين الذي ما يهدأ إلا ليلتهب من جديد، وضغط المعارضة بغض النظر عن محركها، وضغط الماسكين بالزمام.

وإلى إخوتي التلاميذ أقول: لا تيأسوا ولا تملوا، وابذلوا قصارى جهدكم لإتمام مساركم الدراسي، ولا تتخذوا الواقع الكالح تُكْأة تُعَلِّقُون عليها فشلكم في التحصيل، فجهاد وقتكم الدراسة ثم الدراسة ثم الدراسة. فلتصنعوا مستقبلكم بأيديكم.