تقديم:

يعتبر الحقل السياسي -إلى جانب الحقوقي- الواجهة الأمامية المعبرة عن كل انتقال ديمقراطي حقيقي، إذ منه تبدأ عملية الانتقال لتمتد إلى باقي الحقول الأخرى، وكل نظام سياسي لا ينفصل عن أطره المرجعية التي يستمد منها شرعيته ويدخل بالتالي مع جميع الفرقاء السياسيين على قدم المساواة في عملية الانتقال الديمقراطي، فإن الأمر لا يعدو تسويقا للوهم ومادة للاستهلاك الإعلامي. إن مساحة إرادة الانتقال الديمقراطي الحقيقي لا يمكن أن تملأها حزمة الأماني المعسولة التي تتخذ من لعبة المفاهيم الجوفاء الفارغة من المعنى والمدلول الحقيقي أداة تتوسل بها لصناعة وهم الانتقال الديمقراطي الذي سرعان ما يدمغ واقع الاحتقان السياسي باطل وهمه.

إن الانتقال الديمقراطي على الواجهة السياسية لا يمكنه أن يتحقق إلا بتبديد بنية “الاحتكار السلطوي” وبنية “التمركز السلطوي”، وذلك باعتماد “مبدأ توزيع السلطة” و”مبدأ فصل السلط” لمعالجة الاحتقان السياسي، أما ما عدا ذلك فلا يعدو سوى خلطة من خلطات العطار الذي يروم إصلاح ما أفسده دهر الاستبداد.

ينتج الاحتقان السياسي في المغرب بين النظام المخزني والفاعلين السياسيين المعارضين لأطر هذا النظام بسبب أمرين أساسيين هما: “الإجماع الوهمي” و”التوافق الإكراهي”.

1-“الإجماع الوهمي”:

من الأوهام التي تصنع منها الأنظمة السياسية حقائق تدغدغ بها عقول الناس وتستخفها هي وجود إجماع حقيقي على نظام سياسي ما، ومحاولة فرض ذلك الوهم ضدا على منطق الأشياء والتاريخ، وذلك لأسباب هي:

– سبب منطقي: وهو امتناع ذلك واقعيا. وذلك لوجود الرغبة ونقيضها. ووجود الحق ونقيضه. ووجود التصور ونقيضه. وما ظهرت في الكون من دعوة إلا وظهر ما يخالفها سواء كانت حقا فيظهر ما يخالفها من الباطل، أو كانت باطلا فيظهر ما يخالفها من الحق.

– سبب تاريخي: لم يثبت في التاريخ وجود إجماع على نظام سياسي ما، وأصح دليل على ذلك من التاريخ وأقربه إلى العقل والذاكرة هو تعدد الأنظمة والدول وتعاقبهما. ولو ثبت ذلك في التاريخ البشري لكان دليلا قويا على وجود النفاق السياسي إذ لا يخلو زمان من وجود من يظهر الأمر ويضمر خلافه.

– سبب كوني: يتجلى في سنة التداول بين الناس لقوله تعالى: “وتلك الأيام نداولها بين الناس” (آل عمران140)، وتعبير الناس فيه نوع من الإطلاق الذي لا يتحدد بإيمان أو كفر أو غير ذلك.

لتحقيق ذلك الإجماع يربط النظام المخزني “شرعية الوجود القانوني” للفاعلين السياسيين ب:

– الاعتراف بالأنظمة الرمزية لنظام الحكم المخزني والمتمثلة في “الملكية التاريخية” و”إمارة المومنين”.

– الاعتراف برموز النظام المتمثلة في أشخاص محددة بالأسماء.

كما يربط “شرعية الفعل القانوني” ب:

– العمل على المحافظة على تلك الأنظمة الرمزية.

– العمل على خدمة مصالح تلك الرموز المحددة بالأسماء.

2-“التوافق الإكراهي”:

يعمل النظام المخزني على ترجمة ذلك “الإجماع الوهمي” عبر “التوافق الإكراهي” حيث يكون لذلك التوافق ثمنه وهو:

– تذويب الرصيد السياسي: المتمثل في المبادئ والأهداف التي تأسست عليها المعارضة، وتقديمهما هدية وقربانا في حفلات الركوع.

– تذويب الرصيد النضالي: من خلال تحويل وجهته لخدمة الصالح الخاص بدل الصالح العام، واستنزافه في معارك حزبية مع الفرقاء السياسيين أو في معارك هامشية، أو في معارك داخلية حزبية تتم على خلفية صراع المصالح الشخصية.

تتم في الأنظمة الاستبدادية عملية اغتيال الحرية فلا يبقى منها إلا هامش ضيق يسمح فقط بالنظر إلى المصالح الشخصية، يبدأ من الاعتراف بالنظام الاستبدادي وينتهي عند خدمته. كما تغيب في الأنظمة الاستبدادية المصلحة العامة في مقابل ذلك تحضر مصلحة الفرد أو الأسرة أو الطبقة. فيصير الشعب في خدمة الفرد، يقايض بحريته ضمان وهم الاستقرار، المنة العظمى التي يجب تقديرها والمحافظة عليها. وعي الشعب وإرادته في الأنظمة الاستبدادية هو موضوع الرهان بين المعارضة والنظام، تريد المعارضة تحريره ويريد الاستبداد تعبيده.

3- استراتيجيات الاحتواء (نموذج العدل والإحسان):

تعتبر جماعة العدل والإحسان المكون المركزي المحوري في بنية المعارضة للنظام المغربي لكونها معارضة جذرية شاملة، أمام معارضة بهذا الشكل لا يبقى النظام المخزني مكتوف الأيدي، فهو دائم المحاولة في إخضاعها واحتوائها، لذلك فقد جرب معها العديد من الاستراتيجيات لخدمة ذلك “الإجماع الوهمي” وذلك “التوافق الإكراهي”.

استراتيجيات النظام المخزني في احتواء المعارضة الحقيقية تتم على خمسة مستويات هي المستوى الإيديولوجي، المستوى السياسي، المستوى القانوني، المستوى الإعلامي، والمستوى التنظيمي. ولربما حصل تداخل بين العديد من المستويات في نفس الإستراتيجية، أو تداخل بين العديد من الاستراتيجيات في نفس المستوى. تلك الاستراتيجيات كانت دائما حاضرة في التعامل مع الجماعة لكن الأولية تكون لبعضها دون الآخر في بعض الأحيان. تاريخ جماعة العدل والإحسان السلمي يعطي نموذجا عمليا في المحافظة على المبادئ وتحقيق الأهداف والغايات.

قدرة الجماعة على الصمود أمام تلك العواصف المتتالية من استراتيجيات المخزن المتمرس بآليات الترويض والإخضاع لا يمكن تفسيرها إلا بأمور أساسية هي:

– توفيق الله عز وجل وتأييده،

– ربانية القيادة المتعلقة بالله تعالى الممد لها باليقين في النصر والثبات على ما تراه حقا؛

– امتلاك المنهاج/الرؤية الذي يمكنها من عرض المستجدات والنوازل السياسية عليه؛

– حكمة القيادة التي تستطيع الحسم والتقرير في الوقت المناسب وبالشكل المناسب والقدر المناسب؛

– تنظيم قوي مؤسس على ثلاثة قواعد هي الحب في الله، والشورى والنصيحة، والطاعة؛

بعد عملية استقرائية لمسار العلاقة بين الجماعة والنظام وتاريخها تحصل لدينا ما يقارب تسع استراتيجيات استعملها النظام المخزني لثني الجماعة عن معارضتها الأكثر تعبيرا عن العمق والشمولية. لن أدخل في تفاصيل تلك الاستراتيجيات وتقييمها والحيثيات التي صاحبتها من فعل وردود فعل من كلا الطرفين، ولن أفصل في كيفية تعاطي الجماعة مع تلك الاستراتيجيات وحدودها ونتائجها. لكن القاسم المشترك بين تلك الاستراتيجيات هو خروج الجماعة دائما منتصرة بدليل استمرارها في الوجود، واستمرارها في تحقيق أهدافها وتشبثها بمبادئها، أمر آخر هو استثمار تلك الاستراتيجيات إلى أبعد الحدود، على أن هذا الأمر لم يكن في أي وقت من الأوقات اختيارا للجماعة أو داخلا في جملة الوسائل التي تتوسل بها الجماعة لتحقيق أهدافها، بل النظام المخزني هو الذي يضع نفسه في تلك المآزق التي لا يهتدي بعدها إلى سبيل للخروج منها، لأنه لا يرى بديلا عن المقاربة الأمنية والسياسية الاحتوائية في التعاطي مع القوى السياسية الوطنية.

تلك الاستراتيجيات هي:

1-استراتيجية التجفيف: حصار الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد الجماعة، واعتقال مجلس إرشاد الجماعة.

2-استراتيجية التوقيف: قرار حل الجماعة.

3-استراتيجية التخويف: المضايقات والمتابعات الأمنية لأعضاء الجماعة والمتعاطفين معها واعتقالات بالجملة في مجالس النصيحة. (ملف الطلبة الاثنا عشر).

4-استراتيجية التحريف: محاولة جر الجماعة إلى العنف عن طريق المواجهة مع اليسار ومحاولة اختراقها لتحريفها عن أهدافها.

5-استراتيجية العزل: محاولة عزل الجماعة سياسيا ومنع الفرقاء السياسيين من التواصل معها.

6-استراتيجية الإضعاف: محاولة إنهاك قوى الجماعة ماديا وتنظيميا، حملة 2006 وما بعدها.

7-استراتيجية الالتفاف: محاولة لف الجماعة في عباءته والالتفاف على أهدافها، نموذج الحراك في 20 فبراير.

8-استراتيجية التزييف: محاولة اختلاق وفبركة ملفات كاذبة (ملف المختطفين السبعة بفاس).

9-استراتيجية التخريف: محاولة إظهار الجماعة مخرفة عقديا (قضية الرؤيا) وسياسيا (محاولة تمييع مفهوم القومة والخلافة).