أقر مجلس الشيوخ الفرنسي قانونا يجرم إنكار مذبحة الأرمن ـ أرمينيا ـ على يد قوات الامبراطورية العثمانية في بداية القرن العشرين، أي قُبيل الحرب العالمية الأولى وخلالها. قرار مجلس الشيوخ الفرنسي يطرح تساؤلات حول الدوافع والأهداف ومدى حضور الجانب الانساني لفضح هكذا ممارسات تصنف في مجال جرائم إبادة جماعية؛ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يصدر قرار مماثل يدين الإبادة المنظمة التي يتعرض إليها الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال الإسرائيلي؟

وإذا كان مجلس الشيوخ الفرنسي قد اتخذ القرار لاعتبارات انتخابية بالدرجة الأولى، فاللافت من منظور السياسة الخارجية المغربية هو الموقف التركي، حيث بادر البرلمان التركي لعقد اجتماع طارئ للرد على القرار الفرنسي، وتوعدتها تركيا في شخص رئيس وزارائها طيب أردوغان بعقوبات اقتصادية وتخفيض مستوى التمثيل الديبلوماسي التركي في باريس.

إن استهداف أرواح الأبرياء مرفوض بكل المقاييس، لكن تركيا بلد له سيادته، وتاريخه مهما تضمن من أخطاء يستحق الاعتزاز لأنه ـ التاريخ ـ مكون أساس من الهوية الحضارية للبلد، ليس من حق أي طرف أن ينصب نفسه وصيا لإعادة كتابته أو قراءته. لذلك فموقف تركيا برلمانا وحكومة لا يمكن أن يقابل شعبيا إلا بالتأييد والمساندة، ويؤثر إيجابا على تنمية الحس الوطني لدى المواطن التركي؛ فحكومة تنافح عن تاريخ بلدها أجدر بالثقة على مستقبله ومصالحه.

وعلى النقيض من ذلك، تتموقع التجربة المغربية، فقبل أكثر من سنة وردا على موقف حزب الشعب الاسباني من الوحدة الترابية غداة أحداث مخيم أكديم وما شكلته من تهديد حقيقي لاستقرار البلاد، نُظمت مسيرة شعبية “هب” ملايين المغاربة من جميع ربوع المغرب للتنديد بموقف حزب الشعب الإسباني ودعمه للأطروحة الانفصالية؛ هذا الحزب الذي سيكتسح مقاعد البرلمان الإسباني خلال الانتخابات الأخيرة ليقود الحكومة الحالية التي سارع المغرب لاستقبال رئيسها دون أدنى تحفظ، بل ظهر أن النظام المغربي كان أحرص على هذه الزيارة التي لا تعدو أن تكون تقليدا سياسيا درجت عليه الحكومات الإسبانية تثبيتا على مصالحها الاقتصادية في المغرب.

استُقبل زعيم حزب الشعب الإسباني الذي طُلب قبل سنة إلى المغاربة أن ينددوا به وبتدخله في شؤون المغرب الداخلية، وعوض أن يطالَب الإسبان بالاعتذار إلى لشعب المغربي، تحول خصم الأمس السياسي إلى ضيف للمغرب يُستقبل بحفاوة وكأن شيئا لم يقع. أليس الأولى أن يطالب المغرب ببيان توضيحي يضع موقف الحزب الإسباني من أحداث العيون في سياق معين ولو بلغة ديبلوماسية تعيد الاعتبار للشعب المغربي عموما، ولمن تجشموا عناء السفر فقطعوا مئات الكيلومترات رافعين الأعلام الوطنية ومرددين: الصحراء مغربية؟ أم إن الشعب المغربي في نظر النظام السياسي لا يستحق هذا التقدير؟ ثم أليست الوحدة الترابية التي تختصر في مغربية الصحراء إحدى الثوابت في “العقيدة” السياسية للنظام، ما دفع الملك الراحل الحسن الثاني لينزع صفة معتقل رأي أو سياسي عمن لا يقول بمغربية الصحراء خلال خطابه التأسيسي للمجلس الاستشاري لحقوق الانسان يوم 8 ماي 1990؟

نستغرب لهذا السلوك الرسمي من حزب نال من الوحدة الترابية، ويزداد الاستغراب عندما تصرح الخارجية المغربية أن ملف المدينتين السليبتين سبتة ومليلية لن يدرج في برنامج زيارة رئيس الحكومة الإسبانية. ألم يكن الأولى أن تقابل هذه الزيارة بالتنديد الشعبي، وإن لم يكن ـ أو لم يسمح به ـ فلا أقل من تنديد حزبي؟

فشتان بين تركيا المعتزة بتاريخها مهما كانت أخطاؤه، وبين مغرب متنازل عن سيادته، مثلما تنازل عن حقوقه التاريخية، فعلاوة على احتلال ثغري سبتة ومليلية وهما أقدم احتلال في العالم إذ يعود تاريخ استعمارهما للقرن الخامس عشر الميلادي ـ 1415م ـ هناك ملف الإبادة الجماعية التي اقترفها الجيش الإسباني مستعملا الأسلحة الكيماوية لإخماد المقاومة المسلحة بالريف، وهناك ملف دعم المخطط الانفصالي لحل نزاع الصحراء.

إلى أن تستعيد الديبلوماسية المغربية عافيتها وتتخلص من عقدها النفسية فتتعامل مع الأقران دون مركب نقص كما فعل الأتراك مع إسرائيل سابقا ويتعاملون اليوم مع فرنسا، ندعو الحكومة المغربية أن تعطي للشعب المغربي تفسيرا عن دواعي قَبول زيارة زعيم حزب الشعب الإسباني للمغرب من جهة، وتعتذر للمغاربة إن امتلكت الشجاعة السياسية من جهة ثانية، وإلا لا داعي أن تجيشهم مستقبلا للتنديد بمن تعتبرهم اليوم خصوما ثم تستقبلهم غدا ضيوفا للمغرب.