من أجل جلب الخبز الجاف لإنقاذ المعتصمين المحاصرين، ضحى الإطار المعطل عبد الوهاب زيدون، أسكنه الله فسيح جناته، بحياته. ومن أجل العيش الكريم، ضحى ويضحي شباب أفنى زهرة عمره في مدرجات الجامعات، ليجد نفسه جراء سياسات الدولة المغربية الفاشلة بفعل الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والمالي في الشارع.

من أجل هذا وذاك تضامن الشعب المغربي بفئاته الواسعة مع عبد الوهاب زيدون، الشاب المعطل الحاصل على شهادة الماجستر في القضاء والتوثيق والعضو في شبيبة جماعة العدل والإحسان، منذ الساعات الأولى لإعلان وفاته يوم الثلاثاء 24 يناير 2012 بمستشفى ابن رشد بمركز الحروق بالبيضاء، حيث أسلم عبد الوهاب زيدون الروح لبارئها، بعد أيام من الصراع مع الموت، متنقلا من مستشفيات الرباط التي تفتقر للتجهيزات الضرورية -ويالها من حسرة في دولة تلفظ أطرها- إلى الدار البيضاء حيث المستشفى الوحيد والأوحد في المغرب بأكمله الذي يمكنه استقبال مثل هته الحالات.الصورة 1 من الصورة 2 من الصورة 3 من الصورة 4 من الصورة 5 من الصورة 6 من الصورة 7 من

جنازة مهيبة

جنازة مهيبة تلك التي زفت بها شرائح واسعة من المغاربة عبد الوهاب زيدون إلى مثواه الأخير، فردد الآلاف في استقبال جثمان الفقيد أمام منزل أسرته بمدينة سلا: الشهيد خلا وصية لا تنازل عن القضية)، حيث كان الاستقبال حاشدا، حضره الآلاف من المعطلين والجيران والأصدقاء والتنظيمات السياسية والمدنية، بينها شبيبة العدل والإحسان، حيث شيعوا جثمانه مشيا على الأقدام في مسيرة حاشدة إلى أن وصلوا باب المقبرة، ليؤدوا صلاة المغرب متبوعة بصلاة الجنازة، سائلين الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد برحمته ويسكنه فسيح جناته.

ومعلوم أن المرحوم عبد الوهاب زيدون من أبرز أطر مجموعة الأطر العليا المعطلة المقصية من محضر 20 يوليوز، كان معتصما بمقر ملحقة وزارة التربية الوطنية بحي الليمون بالرباط، وبعدما منعت عنهم السلطات المواد الغذائية والأدوية للمعتصمين والقيام من حين لآخر بمصادرتها، قام زيدون ومحمود الهواس وعمر عكاوي، يوم الأربعاء 18 يناير، بصب البنزين على أجسادهم تهديدا منهم للسلطات، التي كانت تضرب عليهم طوقا أمنيا، لتخلي بينهم والمواد الغذائية التي رمت بها المجموعات الأخرى للأطر العليا المعطلة ومجموعات المجازين بالقرب من معتصمهم، وبالتالي فالأمر لم يكن يتعدى كونه تهديدا، إلا أن التدخل الأمني الأرعن في حق الأطر المهددّة بإحراق الذات استفز الإطار المناضل محمود الهواس، الذي قام بإضرام النار في جسده، قبل أن تنتقل النيران إلى زميله المناضل عبد الوهاب زيدون الذي حاول إنقاذه، غافلا أنه قد صب بدوره البنزين على جسده.

عائلة محتسبة

واستسلمت لقدر الله، بعد أيام من المعاناة أمٌ صبرت وصابرت منذ سنين، وفي غياب الأب، لتنشئ شابا من خيرة أطر البلد، شهد له الجميع بلطف المعشر وحسن الخلق، حاملا لكتاب الله، إلى أن صار إطارا تفتخر به بين الناس، لتكتشف فيما بعد أنه محروم من حقه في الشغل الذي طالما انتظره لرد الجميل لهذه الأم المكلومة في ابنها جراء إصرار مخزني غريب على تهييء كل ظروف اليأس والبؤس والكمد.

كما تلقت خبر الموت بقلب مليء بالإيمان، زوج عبد الوهاب زيدون، رفيقة الدرب التي لم تتخل عن زوجها منذ خروجه أول يوم للمطالبة بحقه في الشغل، والتي أكدت للرأي العالم أن زيدون لم ينتحر، بل ضحى بنفسه من أجل إنقاذ المعتصمين المحاصرين من الموت جوعا بعد أن منعت السلطات المرابطة ليل نهار دخول الماء والطعام إلى المعتصم).

مسؤولية الدولة المستبدة

وكانت نظمت مجموعة من التنظيمات السياسية والمدنية وأعضاء من تنسيقيات الأطر المعطلة والطلبة المجازين وحركة 20 فبراير والهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان، وقفة تضامنية مع عائلة الفقيد، وتنديدية بسياسة الدولة المستبدة التي أوصلت شبابها إلى الاعتصام والمبيت والإضراب في الشوارع، ومواجهتهم، بعد عدم تمكينهم من الشغل، بسياسة القمع والعصا والتجاهل والتهميش.

وقد طالب الجميع بمحاكمة المتسببين الحقيقيين في مأساة أطر وشباب وعموم أبناء المغاربة، ودعوا إلى فتح تحقيق في أسباب مقتل زيدون وتجويع المعتصمين، مرددين شعار الشعب يريد محاكمة من تسبب في قتل الشهيد). عبارات ترددت في الشعارات وفي الكلمات التي ألقاها العديد من أصدقاء زيدون في تظاهرة حاشدة شاركت فيها عدة فعاليات من المجتمع المدني؛ الكل يطالب بالمحاكمة العادلة لمن كان.

ورابط المتظاهرون أمام مستشفى ابن رشد حتى استلام جنازة عبد الهادي زيدون التي خرجت من مركز الأموات في موكب من المشيعين فاق المئات بسياراتهم من الدار البيضاء إلى مدينة سلا حيث مرقده الأخير.

زملاؤه ينعونه

وأصدرت مجموعة أطر 2011 المعطلة المقصية من محضر 20 يوليوز 2011 بيان تعزية ومواساة، صدّرته بالآية الكريمة يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي، جاء فيه: بقلوب ملؤها الحزن والأسى تلقينا خبر انتقال أخينا الإطار الشهيد عبد الوهاب زيدون إلى عفو الله ورحمته تعالى، لذا تتقدم مجموعة الأطر العليا 2011 المقصية من محضر 20 يوليوز أصالة عن نفسها ونيابة عن جميع المعطلين بتعازيها الحارة ومواساتنا إلى أسرة الفقيد وذويه وجميع محبيه).

وذكّرت بمناقب الراحل كان الفقيد عبد الوهاب زيدون قيد حياته مناضلا في صفوف الأطر العليا المعطلة، يتحلى باستقامة عالية ونكران للذات كما هو مشهود له من طرف زملائه وأصدقائه، وكذا بدماثة أخلاقه وعلو أدبه، الشيء الذي جعله رحمه الله يتربع على قلوب جميع زملائه وأصدقائه ويتبوأ مكانة مرموقة بينهم)، خاتمة بالدعاء: وأمام هذا المصاب الجلل الذي حل بأسرة الفقيد الصغيرة، وبأسرته الكبيرة والمعطلين جميعا، نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد برحمته الواسعة ويسكنه فسيح جناته، ويلهمنا وإياكم الصبر والسلوان. )إنا لله وانا إليه راجعون.