قصيدة تؤرخ لعهدين: عهد كتب فيه الرجال الأحرار وثيقة المطالبة بالاستقلال من سلطة الحماية البائدة، وعهد كتب فيه الرجال الأبرار وثيقة المطالبة بالانتقال من الملك العاضّ إلى الخلافة الراشدة. وثيقتان من صنفين من الرجال المغاربة الأماجد ممن اتخذوا القيام لله بالحق، والشهادة بالقسط منهاجا وسبيلا: رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. فإن كان رجال الوثيقة الأولى قد خُذلوا إذ خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وها هم يلقون غيّا فإنّ رجال الوثيقة الثانية لن يُخذلوا بإذن الله، لأنهم ربّوا أجيالا من المؤمنين والمؤمنات ممن يقيمون الصلاة ويتّبعون الأُساة إرادة وسعيا، مات منهم محمد العلوي وأحمد الملاخ رحمهما الله وأمثالهما من الرّعيل الأول غرسوا فأكلنا، ونغرس ليأكل من بعدنا تمرا أحلى مذاقا وأيسر جنيا.يا أحمد الملاخ كَفْكِف دَمعتي *** غاصَت جُروحي في دِماء مَذَلّتي
الموت يا حِبّ القلوب كرامة *** إن لم يكن في العيش لحظة سُلوة
هذي المآسي غُصَّة في غصّة *** سقَط القِناع ولم أبارِح مِحْنتي
ذكراك سلوى حين يَعْرِض سيرة *** بدأَت بطوفانٍ رسالةَ بِعْثَة
في صحبة الدّاعي لمنهاج الهدى *** وشريفنا الغالي ورابع صَفْوة
سقراط أبقاه الإله لنا سَنا *** ذُخرا لحيّ والعَزاء لـمَيِّت
يا أحمد الملاخ نـَمْ عَذب الـمُنى *** هي خمسة أنس الأُسى في الوَحْشة
عِلْم وجارية وابن صالح *** والذِّكر بَعد الموت رابع مِنَّة
ودعاء مَن أحبَبْت نِلْت بحُبّهم *** مَدَداً يُعين على بُلوغ القِمَّة
نَم مُطمئِنّا يا حبيب فقد نما *** زَرْع سَقَيْت برحْمَة وموَدَّة
نَم قُرب أكرم صاحب نَبْع الوَفا *** جَنْب الشَّريف الصَّبّ جار المنبِت
في القبر في الحمراء في هذي الدّنى *** وغداً جِواركُما بدار النِّعْمة
يا أحمد الملاخ طِبْت مُمدَّدا *** ذِكر اللّسان وملء أطهَر مُضْغة
قَلْبَ الحبيب وفيكَ أجرى مَدْحَه *** مُستشهِداً بِك نور عَيْن الصُّحبة
مَن كان أولّ مُستجيب صاحبٍ *** ومضى إلى المولى نَقِيّ الصَّفحة
شَهْماً زكيّ العود والِدَ ثُلّة *** مِن صَفْوة الأخيار أطيب عِتْرة
والزوج أُمّ «النّور» أكرِم بالتي *** كانت مثالا في التُّقى والعِفَّة
إن كانت الأعمال إرثا للورى *** فَلَصالح الأبناء أعظمُ ثَروة
أو خَلَّد الأقصى وثيقة مَن مَضَوا *** فالمغرب الأدنى يُؤَبِّن أُسوتي
ذكرى يناير شاهدٌ إحياؤها *** أنّ العزائم هبّة من فتية
فوثيقة استقلال الأشاوس خطوة *** نحو التحرّر من حماية طُغمة
ووثيقة الطوفان عقد تحلّل *** مِن ربقة الإكراه مهد الفتنة
ممّن بَنَوا بجهادهم صَرْح الفِدا *** عهدَ الرّصاص مُؤسِّسين لِقومة
حَذْوَ الـمُبَشَّر حمزة الحادي حَذَوا *** في وَجْه سُلطان شديد السَّطْوة
و«العدل الإحسان» كان عَرينَهم *** لم يَذْعَنوا لـِحُسامِ عَضٍّ مُصْلَت
فُرسان سبح في النّهار وفي الدُّجى *** رُهبان ليل، نِعْمَ ليْلُ الـمُخْبِت
ولأحمد الغالي مزيدُ نَباهَة *** تَرْبو على فَهْم الأُساة بفِطنَة
كَرَم وحِلْم والوفاء خِصالُه *** رَجُلٌ بأَلْف، أُمَّةٌ في الأُمَّة
صَبْر وشُكر واليَقين زِيالُه *** سَمْت جميل في نَضارَة طَلْعَة
يا أحمد الملاخ عِشْت مُبَرّأً *** مِنْ كُلّ ما يُزري بأهل الدَّعوة
مِن فَتْرَة مِن شِرَّة مِن حِدَّة *** حَظٌّ وسَبْق والغَناء بهِمّة
بِشْر على الوجه المضيء وحِكْمة *** مِن صُلْب تجربة ومَوْرِد خِبْرة
مراكُشيٌّ لا تـَمَلّ كلامه *** في القول أو في الفعل صاحِبَ عَزمَة
لا تحسِبَنّ الموت محض مُصيبة *** الموتُ مَوعظة وأعظم عِبرة
والموت رحلتنا لدار خلودنا *** جِسْر إلى نيل المنى في الجنّة
والموت ذكرى إن تَفَطَّن مؤمِن *** مِن قَبْل أن يُلقى به في الحُفْرة
والموت رَحْمة ربّنا بعباده *** لولاه مات الرُّوح قَبْل الجُثَّة
والموت يُحْيي ذِكر أحبابٍ لنا *** رَحَلوا وهل تَفْنى كنوز الخُلَّة؟
والموت تُحفَتُنا وتحفة غيرنا *** دنيا ألا أبْخِس بها مِن تُحْفَة
والموت يُلْحِقُنا بمشكاة الهدى *** بالمصطفى الماحي نَزيل القُبَّة
شوقي إليها بالصَّلاة مُعَطَّر *** صلوا على طه عزائي سُلوتي
ما حَنّ للخَضْراء زائرُ طيبَة *** فاهتاج مِنْه القَلْب قَبْل العَبْرة
ما ناح نَوّاحٌ يُغرِّد نوحَه *** في عُزلَة في وَحْشة في كُرْبَة
مَن ذا يُؤانسه ويأسوا جُرْحَه *** إلاّ الرّحيم وَكيلُه في الشّدَّة
الذَّنب أضْنى قَلْبَه وأهَمَّه *** والسُّقْم أعْيى الجِسم فُلْك الرِّحْلَة
والعَضُّ يالَلْعَضّ مُلْكٌ جائِرٌ *** يَقْضي بأَحْكامٍ صَنيعَ مُبَيِّت
قَهْرُ الرِّجال مُكَدِّر ومُسَهِّد *** أواه إن قُهِر الرِّجال بصِبْيَة
وربيعُنا العَرَبيّ طال خريفُه *** في ثورة تُدسي معالِم ثورة
عامٌ مضى بعد انتفاضة تونس *** هَرَبَ المـُبير مُنَقَّباً في خِسَّة
ومباركٌ أمسى طَريح فِراشه *** من قبضة الأقدار ليس بـمـُفلِت
ومُعمَّرٌ والخَبُّ سَيْف جُنونه *** سَقَطا تِباعاً تحت نار النِّقْمَة
شاهَت وجوهٌ والفَساد مُدَعَّم *** بالمال والإعلام جُنْد العِلْيَة
يَمَن العليّ مُتاجَرٌ بِدِمائه *** والشام للأسَد الظَّلوم كضَيْعَة
والمغرب الأقصى غَريقُ فَسادِه *** هل غارِق يَخشى الخروج ببِلَّة؟
لو كان إصلاح البِناء بصَبغِه *** بُشرى لنا ولهم بأجمل صبْغَة
لكنّ بُنياناً خَرابٌ أُسُّه *** هو للتَّباب ولا بَقاء لخَرْبة
يا أحمد الملاخ هذا حالُنا *** ماذا ترى فيما جرى للأُمّة؟
لم أدرِ كيف أتى مِن الغالي صَدى *** لا تحزنوا لا تَقْنطوا يا إخوتي
إني أرى ما لا تَرَون فأبشِروا *** فالصبح آت بَعْد هذي الظُّلْمة
ثورات أُمَّتِنا بدايةُ حِقْبة *** أحْيَت شُعوبا مِن قُرون الذِلَّة
هذي البداية والنهاية بِعْثة *** لخلافة أُخرى مَضاء فُتوَّة
أنتم لها بَعد الذي كُنّا له *** فابنوا فقد شِدْنا أساس البِنْيَة
إن كان بَدْء دُعائنا بصَلاتِنا *** أفلا يكون بها تمام الختْمَة
صلّوا على طبّ العيون نبيّنا *** كَحِّل برُؤيته مآقِيَ مُقْلَتي
يا رب واختم بالرِّضا آجالَنا *** مَع أحمد والجار غُصن الدَّوحة
وعليِّنا وحبيبنا عبد السلا *** م المجتبى نِبْراس هذي الدّعوة
وجميع أهل العدل والإحسان مَن *** سبَقوا إلى الغُرف العلا في الجنّة
واجعل لنا الفِرْدوس دار مُقامة *** فوق الأسِرَّة ناضرين لنَظْرة
مَن مات لم يظفر برؤية ربّه *** لم ينْج مِن نار الأَسى والحسرة
هذي يدي مرفوعة مبسوطة *** وأنا الفقير أجِب إلهي دَعوتي
واغفر ذنوبي يا عفُوّ ونجِّني *** مِن شِقْوتي وأقِل بحِلْمِك عَثْرتي
واستُر عيوبي لا تؤاخِذني بما *** كَسَبَت يَدايَ أنا المـُقرّ بغَفْلَتي
هذا دعائي والصلاة خِتامه *** حاشى يخيبُ عُبَيْد ربّ العِزَّة
إن قيل لي بم عُدْت مِن دُنيا الورى *** يا عبد؟ قلتُ بصُحْبة ومحبَّة
الخِلّ يَتْبع خِلَّه في نَعْتِه *** إن كان مرفوعا مضى للرِّفْعة
وأنا خَليلي فَجْر وَعْد صادق *** أتمِم به يا ربّ ناقِص أُجْرتي
خمسون ممّا للصَّحابة والمـُنى *** شوق مِن الهادي مَزيد أُخُوَّة
لُذنا بك اللهم فاجبُر كسرَنا *** واجعل عِبادَك مِن ضُيوف الحَضْرة
إن لم نكن أهلاً لذاك فإنّنا *** نرجو بفَضْلك أن نُبَلَّ ببَلَّة
مِسْك الخِتام صلاتُنا تَتْرى على *** طه وجار المصطفى في الحُجرة
أبْلِغْهمُ مِني السَّلام تحيَّة *** فعَسايَ أحْظى مِنهمُ بتَحِيَّة
الاثنين 15 صفر 1433.

الموافق لـ9 يناير2012.

قصيدة أُلقيَت في حفل إحياء الذكرى الأولى لوفاة الأستاذ الفاضل أحمد الملاخ رحمه الله متزامنة مع إحياء المغاربة لذكرى تقديم وثيقة الاستقلال ومضي عام على بداية الربيع العربي المشرق ذكرى وذكرى وذكرى جعلها الله بُشرى تلو أخرى يسوقها المولى تَتْرى إلى أُمّة تتشوّف إلى قومة كبرى وتحقّق فتحا ونَصرا نحن به أجدر وأحرى، فيقينا وصبرا إلى أن يُحدث الله أمرا. فإنّ مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا.