الدولة العادلة هي التي أسس بنيانها على أساس العدل؛ وهو كما بينه لنا اللسان والتفسير عدل في الحكم والقضاء والقسمة؛ أصله إقامة الشريعة؛ وشرطه عدالة الحاكم، التي لاسبيل إليها إلا أن تختاره الأمة عن رضا ومشورة.

فنتحدث أولا عن أصل العدل، وهو سيادة الشريعة؛ ثم ثانيا عن شرطه، وهو الشورى؛ ثم ثالثا عن مراتبه، وهو العدل في الحكم والقضاء والقسمة.

سيادة الشريعة

لا خير في الدولة إن لم تكن عادلة. ولن تنال بر العدل حتى تتبع شريعة، تأمر بالعدل والإحسان وصلة الأرحام؛ ويؤيدها الله بنصره، وبأمة قائمة بالقسط شاهدة لله، تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

شريعة ربانية وأمة مؤيدة بالنصر الإلهي، هذان هما الركنان الأساسيان في بناء الدولة العادلة.

سيادة شريعة ثم سيادة أمة. للشريعة السيادة العليا، ثم للأمة السيادة في تنزيلها والعمل بها؛ أولا في كتابة الدستور، وثانيا في اختيار المؤسسات، وثالثا في المشاركة والمحاسبة، راعية في كل ذلك حقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحرياتهم.

– سيادة الشريعة

قال المفسرون العدل لا إله إلا الله.

وقالوا هو الفرض والنفل.

إن هذه الشريعة تهدي للتي هي أقوم، وتبشر الناس أن لهم ما يؤملون من العدل والإحسان وصلة الأرحام. فهي شريعة الرحمة ومكارم الأخلاق؛ تصون حقوقهم وترعى حرياتهم أغلبية وأقلية وأفرادا، وتقيهم ظلم استبداد الفرد والأقلية والأغلبية. فحَقَّ لها الحكم وللقانون المنبثق عنها، لا لأهواء الأشخاص أنى كانوا.

من أجل ذلك، فإن أساس الحكم الإسلامي وسنده هو العبودية لله وحده لا شريك له، والمسؤولية بمعيار الشرع) (البند 1 من الميثاق الإسلامي الوارد في كتاب العدل للداعية الرباني والمفكر الإسلامي عبد السلام ياسين).

وكل القوانين الصادرة عن الدولة لا وزن لها إن خالفت الكتاب والسنة.) (نفسه البند2).

وعلى الدولة أن تقيم المعروف وتزيل المنكر في كل مرافق الحياة بميزان الشرع.) (نفسه البند 3).

طالع أيضا  الدولة العادلة (2)الشورى ناقضة الاستبداد والنظام الشمولي

وعليها أن ترفع شعائر الدين ليسود الدين في التعليم والإعلام والأمن وكل ما أمر الله به ورسوله من قضايا المجتمع.) (نفسه البند 4).

وعليها أن تبني الحكومة على قواعد العدل والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.) (نفسه البند5).

شريعة عدل كلها، ورحمة كلها؛ تحفظ الناس في دينهم ونفوسهم وعقولهم وأولادهم وأموالهم. فترعى فيهم حق التربية والتعليم، وحرية العبادة؛ فلا فتنة تصد عن الدين ولا إكراه في الدين. ولسنا من ذلك في شيء إلا أن نتحرر رقابا؛ فلا يتخذ بعضنا بعضا أربابا. وأول ذلك حفظ النفس فلها حق الحياة والزواج والنسل، وأَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. (سورة المائدة الآية 32).

من أجل ذلك، حَقّت الحريات الحافظات لحرية الأشخاص وسلامتهم، فلا يبغي بعضهم على بعض؛ وللحرية الشخصية في الاعتقاد والتفكير والتعبير، فلا فتنة تصُدّ ولا إكراه يعَضّ؛ وللحرية السياسية في اختيار الحاكم ومشاركته ومحاسبته، فلا حجر على حرية التفكير والتعبير والتنظيم والصحافة والاجتماع، لا يضار آمر بمعروف أو ناه عن منكر؛ ولحرية المبادرة للكسب المشروع البار بالعدل والإحسان وصلة الأرحام.

شريعة عدل كلها، ورحمة كلها؛ تحرم الظلم وتؤدي الأمانة وتعطي الحق؛ فهي العدل في الحكم والقضاء والملك والقسمة، وهي الإحسان في العبادة والخلق والعمل، وهي الرحمة تسعى في صلة الأرحام. إنها الطريق إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

هذا، وإنه لا يُسلبُ أحد حقا من هذه الحقوق إلا إذا كان له مَساغٌ من الشريعة الإسلامية). (البند 8 من الميثاق).

– سيادة القانون

شريعة يهتدي بنورها القانون فيكون الخادم لمقاصدها؛ يحكم بالعدل ويخالق بالإحسان ويصل الأرحام، ويؤتي كل ذي حق حقه. بيِّن؛ بين أيدي الناس يتلونه ويتعلمونه حتى يعقلوه فيتبعوه. يحكم بينهم بالقسط فيأمر بأداء الأمانة وإعطاء الحق وينهى عن هوى السلطة التقديرية. هذا، وإن أولى الناس باتباعه للقائمون عليه، فلا يخالفون عن أمره إلى ما ينهى عنه، ولايستكبرون يغرهم السلطان فيقهرون الناس بغيا وعدوا؛ فأما الدولة، فرسوله الحفيظ العليم لا تشطط، توفي بالعقد الاجتماعي وترعى العهد الدولي؛ وأما القضاء، فوزيره القوي الأمين، قائم بالقسط ولو على النفس والوالدين والأقربين، شاهد لله ولو على السلطان؛ وأما الشرطة، فظهيره لاتميل مع الهوى، فهي صالحة مصلحة.

طالع أيضا  متوكل يكتب.. هيبة الدولة زمن كورونا

– سيادة الأمة

كيف تسود شريعة الرحمة ويعلو قانون العدل من دون أمة رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا؟ كيف، إن لم تختر طوعا من يقوم لأمر دينها من أهل الدعوة ومن يقوم لأمر دنياها من أهل الدولة؟ ألا إلى الأمة يرجع الأمر في الحل والعقد، ولا يرجع إلى من تختارهم إلا بتفويض منها. إن هذا لهو المقام اللائق بالأمة الموصوفة في القرآن بالخيرية تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. فهي الشاهدة بالقسط في وضع الدستور وانتخاب الحاكم ومحاسبته ومشاركته في الأمر. يشد أزرها أهل الدعوة ومؤسسات المجتمع المدني والصحافة والإعلام.

ثم لا بد في سيادة الأمة من أمور:

(الأول) الإلزامية الدستورية التي تفرض أن ينص الدستور على سيادة الأمة. ما عساه ينفع أو يضر شعب محاصر؟

(الثاني) التربية الإحسانية التي تجدد الإيمان بالله واليوم الآخر وتحيي الفضيلة الخلقية وتحث على العمل الصالح. ما يغني شعب جاهل؟

(الثالث) العدالة الاجتماعية التي تطعم من جوع وتؤمن من خوف. ما يملك شعب جائع خائف؟

– سيادة الدعوة

لن تسود الأمة الموكول إليها حفظ الشريعة حتى يسود من ارتضتهم لدينها من أهل الدعوة أهل المجاهدة والاجتهاد والجهاد.

ولن تتحقق سيادة الشريعة إلا بسيادة حماتها وهم أهل الدعوة، فهم القائمون على أمرها في الشورى والعدل والإحسان.

وإنما تكون سيادة أهل الدعوة من خلال الإلزامية السيادية الدستورية التي تنص عليها، والسند الشعبي الذي اختارهم، والسند الشرعي الذي يأمر بالرجوع إليهم في أمر الدين، وسند الثقة بالله عز وجل وصدق التوكل عليه جل وعلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفع قواعد الإسلام.

فعلى علماء الدين الأتقياء الذين يخشون الله ويتوبون إليه مع التائبين مسؤولية خاصة: أن ينشدوا باتحادهم على الحق وبجمع كلمة الصادقين من المومنين والمومنات إقامة الدين وقيامه بسيادة الدعوة على الدولة. تطَهُّراً وإنابة إلى الله من أنظمة العض والجبر التي كان فيها سيف السلطان وجبروته متسلطا على القرآن وأهل القرآن). (البند 12 من الميثاق).

طالع أيضا  متوكل يكتب.. هيبة الدولة زمن كورونا

وهكذا وظيفة الدعوة وظيفة سيادية شورية، تتمثل في رسم المصير التاريخي ورعاية المسير التغييري، والمراقبة والتوجيه حتى لا تشتط الدولة فتظلم الناس. وذلك من خلال:

أ‌) التربية الايمانية العملية

تعمر الدعوة مساجد الله، وتقيم في الناس الصلاة، وتتلو عليهم القرآن، وتعلم الكتاب والسنة، وتزكي النفوس. يدل عليه قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ. سورة آل عمران الآية 164.

تأخذ هذه الوظيفة النبوية الدعوية بقوة، تربية وتعليما ووعظا وجهرا بكلمة الحق وإشعاعا إيمانيا ومغالبة لأهوية الإعلام العالمي وتصديا لأهوائه.

ب‌) والتوجيه

فلها خِطة الفتيا والتوجيه العام، من خلال المجلس الأعلى للدعوة ومجلس الاجتهاد؛ مما يسهم في إقامة الدولة العادلة، وصياغة الدستور العادل.

ج) والقيام على سيادة القانون

تقوم لخِطّة القضاء والمراقبة، من خلال المجلس الدستوري والمجلس الأعلى للقضاء؛ ولخطة الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف بجانب مطالب العدل والاستقامة والخلق والدين؛ مما يحفظ سيادة الشريعة والقانون الذي منها.

ح) والإصلاح بين الناس

فهي تسعى إلى الصلح والإصلاح بين الناس؛ مما يلم الشمل، ويقي فتنة الحروب الأهلية أيا كان وقودها.

لا إله إلا الله محمد رسول الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.