عَلَى قَدَمِ الصِّدْقِ قِفْ وَاثْبُــتِ *** فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ قُمْ واقْنُــتِ
لِسانَكَ فَاحْفَظْ وَقُلْ طَيِّبــــاً *** مِنَ القَوْلِ أَوْ فَاحْتَشِمْ واسْكُتِ
وَكُنْ فِي السُّكُونِ وفِي الحَرَكَات *** مِثَالَ الفَتَى المُتَّقِي المُخْبِـتِ
الإنسان في هذه الحياة الدنيا له معنى. ليس وجوده عبثا، لا وليس يترك هملا. لكن خلقه الله الحكيم ليتحقق بالإنسانية وبكمالها وكرامتها بواسطة الاستسلام والعبودية لخالقه سبحانه. ورتب له على ذلك جزاء الحسنى والسعادة في الدار الآخرة بعد الممات، بعد عبور مخاضة الدنيا الفانية وعبور مفازة الابتلاء الدنيوي.

عبودية القلب وصلاحه حاسم في المسألة، إذ هو ملك مملكة الجوارح. يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله في كتاب الإحسان: في هذا الكتاب نتحدث في كل صفحة عن القلب وإرادته، وصدقه، وصفائه، ومرضه، وشفائه، وعَماه، وبصيرته، وحبه، وبغضه، ونقصه، وكماله، وقصوره، ومشاهدته. نعطي للقلب المكانة الأولى لأن بصلاحه يصلح الكل وبفساده يفسد الكل، كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: “ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلُحت صلُح الجسد كله. وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”. الحديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير).

لكن الوقوف عند صلاح القلب وحسن نيته من غير أن تشهد له بالصلاح استقامة الجوارح على الطاعة والعبادة لله تعالى، نقص وهوس وسوء فهم وتقدير… ذلك أنه: لا حول للقلب ولا طول، بل ولا وجود ممكنا أصلا، إلا بوجود القاعدة الجسمية. ولا عمل للقلب يرفعه ويرقيه لو لم تكن طوعا لتوجيهه هذه الأجهزة التنفيذية التي هي الجوارح).

فالشأن اجتماع عبودية القلب والجوارح معا. يقول السيد المرشد في نفس كتاب الإحسان: إن الله الخالق جلت عظمته عرض على قلوب العباد وعقولهم، كما عرض على جسومهم، العبودية له جل جلاله. وفرض على القلوب والعقول وجوارح الجسم، لكلٍّ عبودية خاصة، تتكامل هذه بتلك، ولكل عبودية مراسيمها وشروطها وأركانها.

وهذا، بين أيدينا، حديث عظيم الشأن يبين لنا فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف: )“يبعث -الله جل جلاله- الأعمال الصادرَةَ عن الجوارح صوراً ناطقة حية فاعلة”. يبعثها سبحانه يوم القيامة تُحاجّ عن صاحبها فينتفع بها أيما انتفاع يوم الأهوال والكرب يوم لا ينفع بين يدي الله عز وجل مال ولا بنون:

)“عن سمرة بن جندب قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وكنا في صُفة بالمدينة. فقام علينا فقال:

“إني رأيت البارحة عجبا! رأيت رجلا من أمتي أتاه مَلَك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه.

ورأيت رجلا من أمتي قد بُسِط عليه عذاب القبر فجاء وضوءه فاستنقذه من ذلك.

ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله عز وجل فطرد الشياطين عنه.

ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، وجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم.

ورأيت رجلا من أمتي يلتهب -وفي رواية يَلْهَثُ- عطشا، كلما دنا من حوض مُنِع وطُرِد، فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه.

ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيئين جُلوسا حِلَقاً حِلَقاً، كلما دنا إلى حلقة طُرِدَ، فجاءه غُسْلُه من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي.

ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظُلْمة ومن تحته ظُلمة وعن يمينه ظُلمة وعن يساره ظُلمة ومن فوقه ظُلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرتُه فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلا من أمتي يتقي بيده وهَجَ النار وشررها، فجاءته صدقته فصارت سُتْرة بينه وبين النار وظلَّلت على رأسه.

ورأيت رجلا من أمتي يكلم المومنين ولا يكلمونه، فجاءته صلته لِرَحِمِه فقالت: يا معشر المسلمين! إنه كان وَصولا لِرَحِمِه فكلِّموه! فكلمه المومنون وصافحوه وصافحهم.

ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة.

ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حُسن خُلقه فأخذ بيده وأدْخَلَه على الله عز وجل.

ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شِمالِه، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه. ورأيت رجلا من أمتي خَفَّ ميزانه، فجاءه أفراطُه (من مات من أطفاله) فثقلوا ميزانه.

ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه في الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى.

ورأيت رجلا من أمتي قد أهْوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يُرْعَدُ كما تُرْعَدُ السَّعَفَةُ (جريدة النخل) في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكَّن رعدته ومضى.

ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط، ويحبو أحيانا، ويتعلق أحيانا، فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته.

ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة””
.