أجرت يومية المساء، في عدها 1652 الصادر يوم الإثنين 16/01/2012، حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، حول الرسالة الأخيرة التي بعثت بها الجماعة إلى حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، مفصلا في أسبابها ودواعيها وتداعياتها، هذا نصه:

أقدمت جماعة العدل والإحسان في بحر هذا الأسبوع على توجيه رسالة إلى حركة التوحيد والإصلاح، فما هي العوامل التي دفعتكم إلى توجيه هذه الرسالة في هذه الظرفية؟

أولا لأن النصيحة من الدين ولأن النصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم واجب شرعي وخلق إسلامي دأبنا عليه في مواطن وقضايا مختلفة.

ثانيا لأن قياديين من الحركة والحزب بالغوا في دعوتنا عبر وسائل الإعلام للدخول إلى المؤسسات، وهذا فيه محاولة تحميلنا المسؤولية وإعفاء النظام من إقصائنا، ومن جهة ثانية فيه عدم التزام الإخوة بما صرحوا به اليوم ردا على رسالتنا بكون الاختلاف بيننا في هذا الموضوع قديم وليس فيه جديد، فلم الإلحاح علينا في ذلك ما داموا مقتنعين بأن ليس هناك جديد؟.

ثالثا لرفع اللبس الذي وقع بفعل تشبث الإخوة في التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية بحدوث تغيير حقيقي مثلما حدث في تونس ومصر على الطريقة المغربية، والواقع أنه شتان بين إسقاط الاستبداد هناك وبين إنعاشه هنا من خلال الالتفاف على مطلب التغيير الجوهري.

رابعا لكشف تلبيس خطير يجري من خلال الحديث عن وصول الإسلاميين في المغرب بالتعميم ومن غير تمييز، في حين أن الأمر يتعلق بمكون واحد من الإسلاميين فيما الباقون جلهم يعانون الإقصاء والقمع المستمر إلى اليوم، وجزء منهم، وضمنهم جماعة العدل والإحسان، لهم موقف رافض لما يجري من إخراج نسخة مزيدة ومنقحة ومنمقة للمخزن باستبداده بكل الشؤون السياسية والدينية والأمنية والاقتصادية والقضائية، ورعايته الممنهجة للفساد في كل المجالات.

بعد أيام جاء رد حركة التوحيد والإصلاح مقتضبا، واتخذ شكل رسالة شكر، على حد وصف محمد الحمداوي، رئيس حركة التوحيد والإصلاح. كيف تلقيتم جواب المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح على رسالتكم؟

جوابنا لا شكر على واجب. فنصيحتنا لم تكن تنتظر جوابا ولا جزاء، وتقديم النصيحة تمليه علينا الأخوة في الدين وضرورات التعاون بين أبناء الحركة الإسلامية ، فلا خير فينا إن لم نقدم النصيحة ونقبلها.

هل كنتم تتوقعون أن يكون رد حركة التوحيد والإصلاح بهذا الشكل، حيث لم يخض في كثير من القضايا التي أثرتموها في رسالتكم، واكتفى بشكركم على الرسالة وتجديد التأكيد على الاختلاف القائم بين منهجي الجماعة والحركة؟

لو عمل الإخوة في الحركة والحزب بما أكدوا عليه من وجود اختلاف معروف في المنهجين ولم يلحوا في دعوتنا للانخراط في مؤسسات يعرفون أننا نعتبرها فارغة ومزيفة ويحملوننا كامل المسؤولية في قضية عدم تأسيسنا لحزب، لما اضطررنا بدورنا لرسالة مطولة. فنحن نعلم كما يعلم كل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في المغرب وفي العالم الإسلامي عموما أن هناك اختلافات في التقدير وفي الاجتهاد بين تيارات الحركة الإسلامية المتعددة والمختلفة في الكثير من القضايا، ولعل إحدى هذه القضايا الخلافية مسألة المشاركة في الانتخابات التي تشرف عليها أنظمة الاستبداد وتتحكم في نتائجها وفي المؤسسات التي تنبثق منها. نحن من واقع التجارب المختلفة السابقة في الأردن ومصر وفلسطين والجزائر وحتى في المغرب نقدر أن الرابح الأكبر من مشاركة الإسلاميين في لعبة السياسة الرسمية المجحفة والمؤسسات المحنطة هي الأنظمة المتسلطة الاستبدادية، فالديكتاتوريات تملك جميع مفاتيح اللعبة وإنما تفتح هامش المشاركة للإسلاميين لتزين بهم الواجهة، وتغطي بهم على الطغيان والحكم الشمولي.ونحن في هذه المرحلة المفصلية في تاريخ الأمة ارتأينا أن نقول للإسلاميين العاملين في حقل الدعوة أو المتصدرين للشأن العام في السياسة إن الرهان على الأنظمة الديكتاتورية المفلسة سياسيا وأخلاقيا واقتصاديا وجماهيريا إنما هو رهان خاسر وتمديد لعمر الاستبداد.

ثمة من يقول إن المعني برسالتكم هو حزب العدالة والتنمية، الذي عين أمينه العام عبد الإله بنكيران، رئيسا للحكومة. ما صحة هذا الأمر؟ ولماذا لم يتم توجيه الرسالة للحزب بدل الحركة؟

دعني أقول أولا إن الرسالة نفسها وجهت إلى حزب العدالة والتنمية أيضا، وتسلمها أحد أعضاء الأمانة العامة بشكل رسمي، وبالتالي فالرسالة وإن وجهت إلى حركة التوحيد والإصلاح أو الحزب باعتبارهما المعنيين المباشرين بها للأسباب التي شرحت، فهي موجهة لكل من يعنيه أمر التغيير في المغرب لنؤكد على عدم جدوى الرهان على المخزن ووعوده ومؤسساته في ظل الشروط الحالية التي يطبعها الفساد والاستبداد.

هل يمكن اعتبار هذه الرسالة ردا صريحا على دعوة عبد الإله بنكيران الجماعة في وقت سابق إلى العمل من داخل المؤسسات وليس من خارجها، حيث جاء في رسالتكم “إننا نعتبر الحديث عن المؤسسات وتعددها واختصاصاتها في ظل الحكم الفردي ومشروعه السلطوي الاستبدادي ضربا من الخيال، ونحسب العمل من داخلها وفق شروطه وابتزازه مخاطرة سياسية بل انتحارا حقيقيا”؟

نعم هذا أحد الدواعي، والمهم لدينا هو التأكيد على أن ما يقوم به المخزن الآن بإشراكه لطرف من الإسلاميين في تدبير المرحلة هو مناورة مكشوفة، اضطر إليها اضطرارا لامتصاص الحراك الشعبي الواسع، وأن كل ما يقوله عن إصلاحات دستورية وتوسيع الاختصاصات والصلاحيات هو وعود كذبها الواقع وسيكذبها فيما يستقبل من الأيام، إذ يكفي الوقوف على ما أقدم عليه المخزن من إجراءات وتعيينات وتعزيز لمحيطه لمعرفة طبيعة السلطة التي ستتعامل معها حكومة الأستاذ ابن كيران، ولمعرفة حجم التحديات التي ستواجهها.

كيف ستتعاملون مع أول حكومة يرأسها قيادي إسلامي في المرحلة المقبلة خصوصا بعد انسحابكم من حركة 20 فبراير؟

السؤال الحقيقي هو كيف ستتعامل معنا هذه الحكومة، هل ستوقف المضايقات التي تطالنا وتطال باقي المعارضين؟ هل سترفع الحيف والظلم الذي عانيناه ونعانيه؟ هل سيسمح لنا بالاشتغال وممارسة أنشطتنا بكل حرية ودون منع ولا حجر؟ هل سترفع الحصار عن مقراتنا وأنشطتنا والمراقبة عن تحركتنا واتصالاتنا؟ أم ستكتفي بإعادة نفس أسطوانة الحكومات السابقة حول الثوابت والمقدسات؟

لقد أكدنا في أكثر من مناسبة أن مشكلتنا لم تكن مع الحكومات السابقة بل مع نظام الحكم المستبد الفاسد، وبالتالي فنحن سنستمر في ممارسة عملنا وفق برامجنا وخططنا ووفق منهجنا السلمي المعتدل المسؤول الواضح.