استهلال

في الوقت الذي ظل فيه العديد من أبناء الأمة رهين خطاب تيئيسي مبرمج يهدف الى زرع اليأس في قلوب جماهير الأمة المغلوبة المقهورة اقتصاديا وسياسيا وتعليما وثقافيا، خطاب راهن عليه العديد من صناع القرار السياسي في الوطن العربي لعله يجدي نفعا في تأخير بوادر “الانتفاضة العارمة” التي لاحت بشائرها في أفق سماء أمتنا منذ مدة، خطاب تسلل وللأسف حتى إلى داخل رحم بعض تنظيمات الحركة الإسلامية التي راهنت في رؤيتها على وقائع أرضية نتيجة تصلب وشدة وبأس هذه الأنظمة التي انطبق عليها قول الله تعالى: تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى 1 وينطبق عليها المثل القائل: ستعلم إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار) هكذا هو حال “أنظمة العار” في وطن سرقت منه آليات التداول على السلطة بليل من طرف هؤلاء المغيرين “لصوص القرار الشعبي”.

إنها قدرة الله وعجائب صنعه؛ أليس هو القائل في محكم كتابه بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون 2 ؟ نعم لقد نسي بن علي ومبارك والقذافي وعلى صالح وبشار الأسد وغيرهم من “أصنام العرب” هذا الخطاب القرآني وراهنوا على قوتهم وشدة بأسهم ودعم حلفائهم من الأمريكان ودول الاستكبار العالمي، نعم نسوا أن في الكون سنة لا تبديل لها قال الحق جل وعلا: إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ 3 .

الشعوب تنتفض

لقد عانت الأمة لقرون من العقلية الرعوية وهي تلك الذهنية النفسية القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل وأن يدبر لها وهي لا تقدر. واليوم وبحمد الله نرى جموع الجماهير الشعبية قد بدأ صوتها يعلو وهي تريد أن تدبر أمرها وأن تختار من يمثلها.

لقد ضرب الشعب التونسي أروع الأمثلة فكان بحق مثالا يحتذى به في الوطن العربي والاسلامي؛ شعب عانى من ويلات الاستبداد والظلم والقهر وغلبة الرجال.

لقد حفظ الشعب التونسي ومعه الشعب المصري قصيدة شاعر تونس أبي القاسم الشابي فعلم أن طريق الحرية له ثمن وكان الثمن.

قال أبو القاسم الشابي:إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ *** فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر
وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي *** وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر
وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ *** تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ *** مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ *** وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر
4 إن طغمة من ذراري الأمة ليسوا أقوى ولا أشجع من رجالها، ولو تحصنوا بالحديد والنار وأحاطوا بهم البلطجية والمغاوير والفساق. نعم من كان يقول إن نظاما كنظام بن علي الذي أعطي له الضوء الأخضر من أمريكا والغرب ليفعل ما يريده بالشعب التونسي من تجفيف لمنابع التدين وتغيير لملامح الدولة من تونس الإسلام إلى تونس النموذج الحداثي العلماني.

الأمة تتحرر

إن ما أقدم عليه الشعب التونسي البطل وما قام به شعب أرض الكنانة وكذلك شعب اليمن وأهل الشام ومعهم ليبيا لهو مقدمة لولادة مخاضها عسير لفجر أمة طال أمد رقادها، أمة ما جعلت إلا لتكون في مصاف ومقدمة الأمم، رغم الدماء والثمن الباهظ المؤدى لكن كل ذلك يهون في سبيل معانقة الحرية المسلوبة والكرامة المداسة تحث أقدام عصابات الإجرام في وطننا العربي والإسلامي المحكوم غصبا وإكراها.

اليوم شعوب الأمة المنصورة بإدن الله سطرت برنامجا بالبند العريض عناوينه الكبرى تلخصها المحاور الثلاث: حرية وكرامة وعدالة اجتماعية.

دروس وعبر

لعل المتأمل في ما وقع ويقع في ربوع الأمة حيث انتفاضة الشعوب على أنظمة الجبر والظلم وتصديهم لجبروت هذه الأنظمة الفاسدة الساقطة بإذن الله تعالى ليقف عند مجموعة من الدروس والعبر:

– إن ما يجري هو قضاء الله وقدره وهو سنة إلهية في كونه حيث لا تبديل لسنة الله.

يقول الحق جل جلاله في محكم تنزيله: ولن تجد لسنة الله تبديلا.

– إنه مهما طال ليل الظلم والقهر والجبر لا بد لصبح الحرية أن يبزغ وأن يتنفس الناس عبقها ويتفيأ ظلال أشجارها.

– إن الله يمهل ولا يهمل وإن سنة القصاص ومحكمة العدل الإلهية لا بد أن تقول كلمتها في الدنيا قبل الآخرة في الظالمين والفاسدين.

– إن الشعوب العربية والإسلامية شعوب حية وفيها خير كثير، وإن إرادتها في الحرية لن يوقفها لا جبروت الأنظمة ولا قوة وسائلها.

– إن إرادة التغيير لن يقف في وجهها جبروت الانظمة وقمعها وفي نظام مبارك الحكمة والمثل الكبير، أكثر من مليوني رجل أمن ومخابرات وغير ذلك من مما يعلم الشعب ومما لا يعلمه ولكن سقط الطاغية.

– قد يعتقد أحد أن القمع يوقف حركة الاحتجاج المطالبة بالتغيير ولكن العكس هو الحاصل والدليل أبناء سوريا الأبطال الذين يتصدون لدبابات بشار المجرم بصدور عارية.


[1] سورة الحشر الآية 14.\
[2] سورة البقرة الآية 117.\
[3] سورة القصص الآيتين 4 و5.\
[4] أبو القاسم الشابي: قصيدة إرادة الحياة.\