المنهاج النبوي في التغيير

تربية البواعث الإيمانية

قد جاءك فيما تقدم من وحي الفاتحة أن الإنسان مخلوق، خلقه الله سبحانه وتعالى، من طين وروح؛ وأنه، على هذا، يحتاج إلى ثلاثة :(الأول) الحرية في طلب الكمال، و(الثاني) الأنس بالعشير، و(الثالث) الطعام والأمن؛ والعقل إلى كل ذلك طريق؛ وقد جاء الدين يلبي هذه الحاجات فمقاصده ثلاثة: (الأول) العبادة الربانية، و(الثاني) الأخوة الإنسانية، و(الثالث) القوة العمرانية).

وتسأل كيف تحقيق هذه المقاصد على الطريقة النبوية؟ لابد من البحث عن المنهاج النبوي، في بلوغ هذه المقاصد، حتى نسير عليه. فتعال نبحث معا في أرض السيرة النبوية، فهي القرآن يمشي في الناس.

“دخلنا على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين! ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلقه القرآن” 1 .

الطريق إلى العبادة الربانية

قد تحصل عندك، مما بيناه في معنى العبادة في وحي الفاتحة 2، أن العبادة ترجع أصولها إلى بواعث إيمانية ثلاثة: (الأول) محبة الله عز وجل، و(الثاني) هداية الوحي، و(الثالث) طاعة الله ورسوله؛ وأن حفظ هذه الأصول إنما يتم بشروط ثلاثة: (الأول) الصحبة الصالحة، و(الثاني) ذكر الله الكثير، و(الثالث) صدق الطلب والدعاء.

فما المنهاج النبوي في إيقاظ هذه البواعث الإيمانية وحفظها؟

قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ 2 .

يمن الله على المؤمنين، أن هداهم للإيمان؛ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. هداية تبدأ بتلاوة القرآن، تتلوها تزكية النفوس، يتلوها تعليم كتاب الله وحكمة العمل به.

تأمل هذا الترتيب القرآني لكأنه منهاج في حصول هداية الإيمان: رسول الله يقرأ القرآن، فيستمع له المؤمنون، وتخبت له قلوبهم، فتسقى رحمة، وتمتلئ هدى، وتشرق نورا تقبس منه العقول فهما عن الله ورسوله، في الكتاب والحكمة.

تلاوة وتزكية وتعليم. هذا هو المنهاج النبوي في بعث البواعث الإيمانية. إنه التربية الإيمانية التي تسبقها التوبة إلى الله، ويتلوها الصبر على الأذى.

كانت هذه التربية صبغة الطور الأول، من الدعوة النبوية؛ ولنستمع لعائشة، رضي الله عنها، تحدثنا: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا أتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية).

تفقَّدْ في هذا صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وملازمتهم له، واقتداءهم به؛ فهو الأسوة الحسنة، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. قد كانوا ينعمون ببعض من حرية عبادة الله، وحرية التواصل في الله، وحرية الدعوة إلى الله؛ لكن هذا الحال لم يدم، إذ لقيهم الملأ من قريش بالأذى الكثير، ولما كان هذا.. تقول الطاهرة: فلما ابتلي المسلمون ، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة قال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي).

ابتلاء أتى على حرية العبادة والدعوة والتواصل جميعا؛ مما حمل على الهجرة، طلبا لهذه الحرية،

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (8)الأسئلة الكبرى

يسيحون في الأرض ويعبدون ربهم.

وما نقموا منهم، إلا هذه العبادة الربانية؛ أما الأخوة والعمران، فهم مقرون ببعض فضائلهما. قالت المفضالة بنت المفضال: قال ابن الدغنة: فإن مثلك – يا أبا بكر – لا يخرج، ولا يخرج، أنت تكسب المعدم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار. ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة).

فانظر، رعاك الله، كيف أنهم مقرون بفضائل الأخوة والعمران؛ لكنهم غير مقرين بالوحي، والعبادة الإسلامية، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ من أجل ذلك هم يصدون عن هذا السبيل، وينهون عن الصلاة والاستعلان بها.

فلئن دعتهم مروءة الأخوة، أن يذروك تصلي وتتلو القرآن؛ فهم لايصبرون على الاستعلان بذلك.

إن تركوك تعبد ربك، فلا تستعلن؛ لأن ذلك يفتن نساءهم وأبناءهم.

حرية عبادة لله؟ لك ذلك يا أبا بكر.

حرية دعوة إلى الله؟ لا وكلا.

حرية تواصل في الله؟ كلا وإلا…

قالت أمنا:

وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره).

لكن حرية العبادة وطلب الكمال، لايتم إلا بالدعوة والاستعلان، والأنس بالعشير في الله، تحبه ويحبك في الله، وتدعوه ويدعوك إلى الله.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (10)المنهاج النبوي في التغيير

قالت العالمة المعلمة: ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناءهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن).

فانظر، رحمك الله، كيف الاستعلان بالصلاة وتلاوة القرآن، يتخلص إلى حبات القلوب، فتتقذف على الهدى والنور وتعجب منه؛ وانظر كيف النساء والأبناء أقرب إلى الفطرة والاستجابة لندائها؛ ثم انظر كيف أن القدوة بلاغ، أعظم به من بلاغ أفزع المشركين خطره، فلم يصبروا على الصديق رضي الله عنه. اسمع إلى مقال خير النساء: “وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره، فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله” 3 . رضي الله عنك، يا خير من رضي بجوار الله، فأبى أن يفرق بين العبادة الربانية والأخوة الإيمانية، بين الصلاة والتواصل في الله؛ فكيف يرضى أن يفرق بين الصلاة والزكاة؟! فرضي الله عنك من وفي صديق، حاز الخير كله ففاز.

لم يقر المشركون في مكة بالعبادة الربانية، ولا بالأخوة الإيمانية؛ وإن كانوا مقرين بالأخوة الإنسانية. أما المؤمنون فمقرون بالأخوة الإنسانية لاينكرونها؛ لكنهم يطلبون أصلها في الأخوة الإيمانية؛ من أجل ذلك كانت الهجرة والنصرة، وكانت إيذانا بالجمع بين حب الله والحب في الله والعمل الصالح، بين العبادة والأخوة والعمران جميعا.

وتنبهنا السيدة عائشة، رضي الله عنها، أن تربية البواعث الإيمانية، أمر سابق على الحلال والحرام. من أجل ذلك، فإن أكثر ما نزل من القرآن في مكة، كان في البواعث الإيمانية والعبادات؛ بينما كان أكثر مانزل منه في المدينة، الحلال والحرام في المعاملات والعادات. وتسأل عن الحكمة في ذلك؛ فاستمع إلى السيدة المطهرة تجيبك: “إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا” 4 .

كان أول شيء يفعله المرء، إذا أراد أن يدخل في الإسلام، أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فالأولى ذكر تتلوه عبادة، عمودها الصلاة، ونورها تلاوة القرآن؛ والثانية صحبة واتباع؛ والشهادة في كليهما مبتدأ الصدق في التوبة والإصلاح.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (5) الخبائث النفسية

ها أنت ترى الخصال الأمهات: الصحبة والذكر والصدق، شروطا أساسية، في تربية البواعث الإيمانية والارتقاء بها في درجات الدين، إسلاما فإيمانا فإحسانا، وقد بينه حديث جبريل، فارجع إليه مبينا في وحي الفاتحة.

عوامل ثلاثة، عملت في قوة الاستجابة لهذا الدين: القدوة النبوية، والصحب المقتدون؛ ثم صفاء الوحي وقدسيته، وبيانه النبوي المنزه عن الهوى؛ ثم قرب النفس العربية من سماع الفطرة واستجابة الفطرة.

الآن وقد عرفت هذا، فاعتبر به في تجديد إيمانك، واعتبر أن الطور الأول من الدعوة، في طريق بناء صرح الإسلام، كان طور التوبة إلى الله، وبيعة النبي على الإسلام، والدعوة إلى عبادة الله وحده بالقدوة الحسنة، والصبر على أذى المستهزئين؛ إنه طور التوبة والقدوة والصبر وتربية البواعث الإيمانية، من طريق أمهات الخصال: الصحبة والذكر والصدق، حتى يتحقق المرء بمعاني العبادة الربانية، ويرجى أن يكون المومن القوام لله الشاهد بالقسط.

لا إله إلا الله محمد رسول الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] الراوي: عائشة. المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الأدب المفرد- الصفحة أو الرقم: 234.

خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره.\

[2] سورة آل عمران الآية 164.\
[3] الراوي: عائشة المحدث: البغوي – المصدر: شرح السنة – الصفحة أو الرقم: 7/106

خلاصة حكم المحدث: صحيح.\

[4] الراوي: عائشة المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري- الصفحة أو الرقم: 4993.

خلاصة حكم المحدث: [صحيح].\