نعم، هل يرحل العظماء؟ أم إن الأمر كما يقول الشاعر:فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها *** فالذكر للإنسان عمر ثانيوهو لا شك عمر مستمر إلى يوم القيامة، لا كالعمر الأول المنتهي بالموت، إنه عمر واسع فسيح قد تخلص من ضيق الدنيا ومحدوديتها وكل قوانينها، كما يتخلص الجنين بعد ولادته من ضيق الأرحام وظلماتها، ليصير مولودا بعد أن كان جنينا، ويدخل الحياة التي لا نسبة لحياة الأرحام بها.

وكذلك حال الإنسان بعد أن يغادر هذه الحياة الأرضية، خاصة إن كان قد أمضاها ذاكرا لله تعالى، مجاهدا في سبيله عز و جل، منافحا عن دعوته سبحانه، جاعلا ذكر المولى مادة حياته، ونصرة دينه نتاجها، وسنة المصطفى صلى الله عليه و سلم منهاجها.

الله جل جلاله تعالى ذكره سرمدا وأبدا، رفع ذكر الحبيب صلى الله عليه و سلم، فليس يذكر الله إلا وذكر معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تكن له نسبة لجنابه الشريف صلى الله عليه وسلم، رفع الله تعالى ذكره وأبقى في العالمين آثاره لتعلقه بالمقام الرفيع، فلا تزال أجيالهم يتلو بعضها بعضا، وكلما حل جيل وجدته مذكورا بينهم كأنه ابن جيلهم، فإن مروا وانقضى ذكرهم وجدته حاضرا في الذين من بعدهم؛ وهكذا يخلد ذكره ما خلد دين الله تعالى في الناس، ويعلو شأنه بقدر ما قدم في حياته الأولى لحياته الثانية.

إن الآثار الصالحة للعبد صدقات جارية، يجري نفعها للناس في الدنيا، ويمتد ليصل إلى صاحبه في العالم الآخر، يذكر بها في الدنيا ويفرح بثوابها في الآخرة.

وإن هذه الأمة أمة معطاء، فكم أخرج الله تعالى منها من كريم لا تزال آثاره تعم الخلق، ولا يزال صدى صوته يصدع بالحق.

ومن هؤلاء الذين حملوا هم الدعوة إلى الله تعالى وصدعوا بها، صدع الناصح الأمين، في عهد قل فيه الناصح وعز الأمين، فإن وجدت أمينا وجدته ولسان حاله يقول: “رب إني مغلوب فانتصر”، وإن أردت الناصح وجدت مدعيا غير ناصح ولا أمين، إلا من رحم الله.

في زمان كالذي ذكرناه وفق الله تعالى أخوينا الأستاذ محمد العلوي السليماني والأستاذ أحمد الملاخ رحمهما الله تعالى، ليكونا من الثلاثة الذين حملوا على عاتقهم أمانة التبليغ وقول الكلمة البليغة التي سيبلغ أثرها بإذن الله تعالى أجيالا تذكرها وتذاكرها اليوم ولم تكن حينها شيئا مذكورا.

لقد كانا رحمهما الله نعم العضد للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، حين خط، بمداد العز والشجاعة التي عز نظيرها، كلمات “رسالة الإسلام أو الطوفان” إلى لملك الراحل الحسن الثاني، بعد أن أجمعوا أمرهم على إعلاء كلمة الله والشهادة في سبيل الله. فاجتمعت حولهم القلوب تطلب وجه الله تعالى، وتسعى لنصرة دين الله… حتى أضحوا كجسد واحد تتساكن فيه أرواح متعددة، يظهر بها حاملا لكل كمالاتها، وتظهر به متآلفة قد حققت معاني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجسد الواحد في أعظم تجلياتها.

لقد كان الراقن المحتسب وهو يرقن “الرسالة التاريخية” على آلة كتابة بدائية الصنع في خفية عن الملإ المتربصين، كأنما يزرع بذرة الدعوة الطيبة الحاملة لأسرار وأنوار أجيال من الصالحين عاشت على هذه الأرض المباركة التي ستحضنها وتتيح لها أن تثبت جذورها لتعم ثمارها بعد ذلك العالم كله لا تضرها عوادي الزمان .

وبتضحيات هؤلاء الرجال وبذلهم سقيت شجرة الدعوة المباركة، وباحتضانهم ترعرعت ونمت وأصبحت تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها إطعاما للخلق، وملاذا يستظلون به من حر الدنيا العاتية، وظلا ظليلا كلما اتسعت رقعته انحسرت معها شدة وهج الظلم والاستبداد.

لقد حبا الله تعالى الأستاذ الملاخ رحمه الله بمعاني النخوة والرجولة التي هيأ لها عز وجل من الأسباب ما جعلها تنمو وتعلو، لتجد مكانها في “دعوة العدل والإحسان”، فكان رحمه الله- وهو المخبت المنيب إلى الله تعالى- يد العدل في هذه الدعوة قبل أن تكثر فيها بحمد الله الأيادي، كما كان رفيقه الأستاذ العلوي رحمه الله تعالى – وهو الرجل القائم في وجه الباطل لا يخاف في الله لومة لائم- يد الإحسان في دعوة تسير على خطى المصطفى صلى الله عليه وسلم في صحبة الأستاذ المرشد حفظه الله عز وجل.

إن حديثنا عن هؤلاء الرجال حسبه أن يذكر بهذين العلمين من أعلام أمتنا، خاصة ونحن نرى أن بعض من أخد على عاتقه مهمة الإعلام، يرفع من شأن الأزلام ولا يقيم وزنا للأعلام، بل ويزيد من غيه عندما يكيل لهم الاتهام تلو الاتهام، لكن أنى لمسوقي الأوهام أن يبهرجوا على حقائق الكرام.

نذكر تنبيها للظالمين وبشرى للمستضعفين أن العظماء لا يرحلون، إنهم باقون، روحهم حاضرة فيما كانت فيه حاضرة من قبل، عندما كانت تبني وتشيد للخلق صروح العظمة، إنهم ما زالوا أمراء تلك الصروح لكن من مكان آخر، إنهم حاضرون بأفعالهم بأقوالهم بكل حركاتهم وسكناتهم التي سار عليها السائرون من بعدهم.

إن أمر الله في الكون وسنته في الخلق قضت أن تأتي سكرة الموت بالحق، وليس يلغي حق حقا، إنما أخذ الموت الأجساد بالحق، وبقيت الأرواح حية تسعى بين الخلق.

رحم الله الفقيدين وأعلى ذكرهما في العالمين وتقبلهما في زمرة أوليائه الصالحين، ورحم كل شهداء هذه الأمة الأبرار.

الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ.