مقدمة

حاول الاستعمار مسخ الفطرة الإيمانية وطمس الهوية الإسلامية وكسر إرادة الجهاد في الأمة، وحاول وكلاؤه من بعده، من أمسكوا زمام الحكم ومن قادوا الفكر والثقافة، تكريس الاستبداد وترسيخ التبعية والغزو الفكري. تفانى الجميع – بإخلاص منقطع النظير – في الدفاع عن مصالح المستعمر وتنفيذ مخططاته، فكان من ثمار ذلك – الخبيثة طبعا – نشأة أجيال مغتربة عن دينها، جهلا أو تغريرا وتضليلا؛ فبعد بوار موجة التغريب الفكري جاءت موجة التمييع الأخلاقي لتُغرق فئات عريضة من المسلمين في سفالة أخلاقية ممجوجة من ذوي الفطر السليمة الذين استعصوا على الإغواء والإغراء مَنَّا من الله تعالى ولحصانة تربوية ومناعة علمية. من وسط هذه الغربة عن الدين نبت غرس رباني طيب صاح إلى دينه محب لربه ونبيه مريد للجهاد في سبيله وإصلاح ما أفسده المفسدون، وصدق الله القائل في محكم تنزيله: يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون 1 .

غربتان: غربة البداية وغربة العودة

أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم، من لا ينطق عن الهوى، بغربة الإسلام الأولى والثانية فقال فيما رواه مسلم: “بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ”، وفي رواية للترمذي وقال حديث حسن: “فطوبى للغرباء يصلحون ما أفسد الناس من سنتي”. صدقت يا رسول الله فيما أخبرت به، أخبرتنا بنقض عُرى الإسلام، وقد كان، وبتداعي الأمم علينا، وقد كان، وبغربة الإسلام الثانية، وقد كانت، وبانتقاض عرى الإسلام من أولها، الحكم، إلى آخرها، الصلاة. توهنت الأمة وأصبحت كالقصعة مفعولا بها حسب التعبير النبوي البليغ، والتبشير النبوي بإخوانه وثناؤه على الغرباء في غربة الإسلام الثانية يلقي بظلال المسؤولية على عاتقهم لتَخرج الأمة من الوهن والغثائية وليحل محل الفساد الصلاح ومحل الاستبداد الحرية ومحل الظلم العدل.

غربة الإسلام الأولى

وسط جاهلية جهلاء، اصطفى الله تعالى صفوة خلقه محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا خاتما للرسالات السماوية، فصدع بكلمة التوحيد “لا إله إلا الله” في مكة مُسفِّها ما كان عليه قومه من الشرك (عبادة الأصنام)، فكانت غربة البداية؛ أنكروا عليه دينه ونعتوه بأرذل النعوت وآذوه أشد الإيذاء إلا قلوبا سليمة فتح الله مغالقها للإيمان وصدورا شرحها للإسلام، فكانت نواة الدعوة المحمدية وعَضُدَ الجناب الشريف تحمل معه همها وتتحمل الأذى، فتوسعت بفضلِ الله وجهودِهم الدعوية قاعدة الدعوة بالأنصار، ومع توالي السنين صارت النبتة النبوية في بيئة الكفر شجرة وارفة الظلال تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويكفي أن نقارن عدد المسلمين المشاركين في غزوة بدر (314/ سنة 2 هـ) مع المشاركين في فتح مكة (10000/ سنة 8 هـ) حتى نلمس الفرق، وبالفتوحات الإسلامية امتدت الدعوة فانتشر الإسلام بعد أن كان غريبا.

غربة الإسلام الثانية

وهنت الأمة وتقوَّى الغرب في مداولة الله للأيام ودورة حضارية جديدة، فلم يكن من المستعمرين الأكلة إلا أن يتداعوا إلى الشعوب الإسلامية قصعتِهم، لينهبوا خيراتها ويُغرِّبوا أبناءها، لكن الله تعالى قيَّض رجالا دافعوا عن أوطانهم وحموا دينهم ولغتهم وطردوا العدو المستعمر من ديارهم، وما خرج إلا بعد أن اطمئن إلى أن مصالحه ستحمى ومخططاته ستنفذ من وكلائه وأذنابه أحسن مما تحقق في وجوده وإشرافه المباشر.

طُرِد الصادقون، وطنيين وعلماء، من الحكم وحوصروا حتى خَفَتَ صوتهم وعاشوا على هامش الحياة، واستبدت الطغمة بمقاليد الحكم والإدارة، وأفرغت الحياة من الشريعة وأحلَّت محلها القوانين الوضعية، ومكنت للمذاهب الفكرية والاقتصادية الغربية، وحاصرت الدعوة وطاردت الدعاة، وأعملت فيهم صنوف الإيذاء (اعتقالات، سجن، ثلب للأعراض، نفي عن الأوطان، تضييق في الأرزاق، تشويه للسمعة وتخويف للشعوب منهم…)، فعاش الإسلام غريبا في أوطانه، واستغرب كثير من المسلمين مظهر الدعاة وفكرهم وحركتهم، لكن المحاولات الكيدية للدعوة وأهلها باءت بالفشل، ولم تفت من العزائم ولم توهن الإرادات، فامتدت الدعوة وتوسعت قاعدتها البشرية وقدرتها على التأثير في الواقع بما فيه المشهد السياسي، تغلغلٌ في الشعب ومزاحمةٌ بالمناكب للأغيار قضَّ ويقُضُّ – اليوم أكثر من أي وقت مضى – مضاجع المستبدين والمستكبرين على حد سواء، يخططون في تنسيق تام كيف يحاصرون الحركات الإسلامية التي رشحها القدر ورشحتها صناديق الاقتراع خاصة في فلسطين وتونس ومصر، وما أبلغ ما قال الأستاذ عبد السلام ياسين منذ ثلاثة عقود: ولن تترك الجاهلية ربائبها بيننا تتحطم وتغرق في أمواج المد الإسلامي إلا عن يأس نهائي) 2 .

طوبى للغرباء

طوبى للغرباء قالها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعظم به من قول، طوبى للغرباء:

– الذين تمسكوا بدينهم في الغربة الثانية وسلكوا منهاج نبيهم صلى الله عليه وسلم.

– الذين تحابوا في الله وأحيوا معاني الأخوة الإيمانية في زمن جعل الله البأس بين المسلمين.

– الذين دعوا إلى الله تكثيرا لسواد التائبين ونفضا للغبار عن الخاملين المستقيلين عن حمل هم الأمة.

– الذين ربوا ونظموا رجالا ونساء وشبابا بعضهم أولياء بعض أعزة على الأعداء.

– الذين قارعوا الحجة بالحجة وقالوا الحق والصدق في زمن افتراء الكذب وشراء الذمم.

– الذين أعدوا ما استطاعوا من قوة إيمانية وعلمية وعملية لإصلاح ما أفسده المفسدون.

– الذين صبروا على البلاء وعزموا على مواصلة الجهد لإحياء الإسلام دينا ودولة.

تسلية وبشرى

للغرباء تسلية وبشرى من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين 3 وقال عز وجل: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب 4 ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما روى أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه: “إن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيها مثل قبض على الجمر. للعامل فيهم مثل أجر خمسين يعملون مثل عمله” قال أبو داود رحمه الله: وزاد في غيره: “قال يا رسول الله: أجر خمسين منهم؟ قال: “أجر خمسين منكم”” 5 .

خاتمة

بدأت سحابة الغربة الثانية تنقشع، ولن يضُرَّ الأعداء المومنين والمومنات الغرباء إلا أذى كما جاء في القرآن، وسينقلبون بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، فالأذى الأنكى والسوء الأخطر هو كسر الإرادة، وهذا لن يتأتى لأن الله يثبتهم ويؤيدهم حتى توافق إرادتُهم إرادتَه، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض 6 .


[1] الصف: 8.\
[2] مقدمات لمستقبل الإسلام ص 20-21.\
[3] آل عمران: 142.\
[4] البقرة: 214.\
[5] أخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة وابن حبان رحمهم الله.\
[6] القصص: 4.\