بوب البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه: باب دعاؤكم إيمانكم). وذهب الشراح يؤولون كلامه، فمن قائل إن كلامه ينظر إلى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما قول الله تعالى: قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم(سورة الفرقان، الآية الأخيرة) بأن المقصود بالدعاء الإيمان. ومن قائل إن معناه دعاء الرسل للخلق هو السبب في إيمانهم، ومن قائل إن معنى الدعاء هنا الطاعة أو العبادة. والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا من باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإمام أحمد: “كَرَم المرء دينُه” أي أن دينَه يكون على مستوى كرم أخلاقه وكرم معدنه وكرم همته صعودا أو هبوطا. كذلك فذو الحظ العظيم من الدعاء ودوام الوقوف على باب الله أعلى إيمانا من قليل الدعاء. وتكفينا الآية الكريمة للدلالة على أن الله عز وجل لا يعبأ بمن يستغني عن دعائه ويلجأ إلى باب غيْره.

في حديث: “من عادى لي وليا” يُخبرنا الحق عز وجل أن العبد المتقرِّب بالفرض والنفل المحبَّ المحبوب إذا أدركته العناية الإلهية فكان الله سمعه وبصره ويده ورجله يصير دعاؤه مستجابا. وهذه مرتبة مقابلة لمرتبة الذين لا يدعون الله ولا يعبأ بهم الله، نعوذ بالله.

إن الله جلت عظمته فائضُ الكرم رحيمٌ بالخلق يحب من يدعوه ويغضب على من لا يدعوه كما جاء في الحديث: “من لم يسأل الله يغضب عليه”. رواه الترمذي عن أبي هريرة.

من كرم الرب عز وجل أنه يَعْرِضُ علينا فضله كل ليلة، فلا ينال من ذلك الفضل إلا الأيقاظ الذاكرون الداعون. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: “من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأُعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟””. أنعم به من رب كريم عظيم ينـزل للعباد، يا حسرة على العباد، ناموا ومنادي الفلاح لا ينام!

في رواية لمسلم: “ينـزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: “أنا الملِكُ! أنا الملك! من ذا الذي يدعوني”” الحديث. ويتجلى غضب الله الرب الملك على من لا يدعوه في الدنيا يوم القيامة.يوم القيامة يقول جل جلاله: “أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟”. فمن يكون بمنجاة من ذلك الغضب إلاّ المومنون والمومنات المتزلِّفون إلى الله، الداعون المتقربون في ظلمات الليل الدنيوي حين ينام الغافلون؟

روى الشيخان وأبو داود عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يَطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: “أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟” ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: “أنا الملك! أين الجبارون، أين المتكبرون؟””. هذه رواية مسلم.

قال الله تعالى: ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين.(سورة غافر، الآية: 60) المستكبر عن الدعاء مستكبر عن العبادة. فإن الذلة لله جل جلاله وإظهار الفقر إليه عبادة وعبودية. قال صلى الله عليه وسلم: “الدعاء هو العبادة” ثم تلا الآية السابقة. أخرجه أصحاب السنن من حديث النعمان بن بشير وصححه الترمذي وأخرج الترمذي عن أنس قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدعاء مخ العبادة”.

اللهم لك الحمد ولك الثناء من ربّ ملكٍ يعرض فضله على العباد عرضَ الكريم الوهاب، ويهدّد بالنكال في الآخرة من لا يدعوه في حوائجه، ويغضَب عليه. لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. أستغفرك وأتوب إليك. سبحانك تُجيب المضطر إذا دعاك كما أخبرت في محكم كتابك، ثم تبعث الرسل بالوعد والوعيد لِيَحْدُثَ عند المستغني اللاهي عن فقره والمستكبر المعتد بمتاع أنت ابتليته به افتقارٌ واضطرار. سبحانك ما أكرمك وما ألطف عطاءك!

الدعاء منجاة في الدنيا والآخرة، الدعاء في الرّخاء عدّة ليوم الشدة، الدعاء سلاح المومن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد”. أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه من حديث أنس. وأخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قوله صلى الله عليه وسلم: “من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب فليكثر الدعاء في الرخاء”. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الدعاء سلاح المومن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض”.

استجاب الله تعالى لأصفيائه من خلقه الأنبياء، وأنزل علينا في كتابه العزيز آيات تَضَرُّعِهم وتفضُّله عليهم لنتلوها ونتأسى بها ونتقرب باللَّجَإِ إلى بابه كما تقرّبوا. قال تعالى في سورة الأنبياء: ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له ونجيناه وأهله من الكرب العظيم. (سورة الأنبياء، الآية: 75) وقال جل من قائل: وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الـضرُّ وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين. (سورة الأنبياء، الآيتان: 82-83) وهم الداعون المتضرعون. وقال: وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المومنين. (سورة الأنبياء، الآيتان: 86-87) ثم قال له الحمد من رب يرحم وينجي ويُعطي: وزكرياء إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه.(سورة الأنبياء، الآيتان: 88-89).

هذه الرابطة القوية بين العبد المقرَّب وربِّه، أمتن الروابط، وأقرب القُرَب. قال الله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون. (سورة البقرة، الآية: 185) والأولياء هم أهل الرُّشد لأنهم أكثر العباد إيمانا واستجابة لدعوة الله، وتعرضا لنفحات الله، ودعاء وتضرعا إلى الله.

ليس الدعاء شيئا آخر غير الذكر، بل هو الذكر في أكثر حالات العبد حضورا مع الله عز وجل بالحاجة والندم والاضطرار والرجاء والخوف. وإن الله عز وجل لا يقبل دعاء الغافلين. أخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ”. ويشفع الذكرُ للمشتغل بالذكر أفضل الشفاعة، فينال أفضل ما يناله السائلون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الربُّ تبارك وتعالى: “من شَغَله قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين””. أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وحسنه.

وللدعاء آداب أجملَها الإمام الغزالي رحمه الله ورضي عنه في عشرة هي:

أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة ورمضان من الأشهر والجمعة من الأسبوع ووقت السحر من ساعات الليل. الأدب الثاني أن يغتنم الأحوال الشريفة كساعة زحف العدو وعند الأذان وإثر الصلاة وحالة السجود. الأدب الثالث أن يدعو مستقبلا القبلة رافعا يديه. الرابع خفض الصوت بين المُخَافَتَةِ والجهر. الخامس أن لا يتكلف السجْع في الدعاء لأن ذاك تكلف يخالف حال التضرع المطلوب. السادس التضرع والخشوع والرغبة والرهبة. السابع أن يَجْزِمَ الدعاء ويوقن بالإجابة. الثامن أن يُلحَّ في الدعاء ويكرره لما روى ابن مسعود عند مسلم من أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سأل سأل ثلاثا. وينبغي للعبد أن لا يستبطئ الإجابة ولا يَملَّ من الدعاء، فإنه لا يعلم ما يدخره الله له وما يختاره. وإن أولياء الله الكمل يدعون الله عبودية محضة يسألونه أعز ما يُطلب وهو النظر إلى وجهه الكريم، فما تأخرت الاستجابة فيه من حاجات دون هذا المطلب العلي فهو منحة زائدة محبوبة لأنها هدية الحبيب، لكنها لا تكدِّرُ صفاء المتوكلين. التاسع أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل ويختمه به، وعن بعض الصالحين أن الدعاء الذي يُبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختم بها دعاء لا يسقط. العاشر هو الأدب الباطن وهو الأصل في الاستجابة: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله عز وجل بكُنهِ الهمة).

من آداب الدعاء التأسي بأدعيته صلى الله عليه وسلم والاستناد إليها وحفظُها والنَّسج على منوالها. وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب جوامع الدعاء. روى الإمامان أحمد وأبو داود بسند حسن عن عائشة أم المومنين رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويَدَعُ ما سوى ذلك”. على أنه صلى الله عليه وسلم أرشدنا أن يكون دعاؤنا شاملا حتى ندعو الله في كل حاجاتنا مهما كانت، فهو سبحانه يعلم دقائق الأمور كما يعلم جلائلها، وسؤال العبد ربه في جزئيات معاشه كسؤاله إياه في كليات معاده أدعى للاعتراف بالعجز والتبري من الحول والقوة. روى الترمذي والإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند حسن عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لِيَسْأَلْ أحدُكُم ربَّه حاجته كُلَّها.حتى يسأل شِسْعَ نعْلِه إذا انقطع”. وشسع النعل هو السير الرقيق من الجلد تربط به النعل.

هاك هذه الصفحة المُونِقَةَ في آداب الذكر، تدخل في باب الدعاء من حيث كون الدعاء ذكرا، من كلام الإمام الرفاعي رحمه الله: أي بني! اذكر الله تعالى، واعلم أن الله تعالى أعلى دَرجة الذكر، وعظم رتبته، ورفع شأنه، وشرفه وفضله. ثم قسمه على اللسان والأركان والجنان. فينبغي أن يكون الذاكر على حذر أن يلتفت إلى الذكر (أي أن يشتغل بعمله ويعتدَّ به)، ويكون شريف الهمة والإرادة، لطيف الفطنة في الإشارة، صحيح النية، لا يريد غيره، ولا يلتمس منه فراغه عنه إلى ما دونه).

قلت: احذر أن يكون سؤالك إياه في حاجتك الدنيوية والأخروية شاغلا لك عن طلبك الأعلى: وجهه الكريم.

قال: لأن الوصول إلى الكل تحت الرضى به عن غيره، والحرمان من الكل تحت الاشتغال بغيره. ويجب على الذاكر أن يذكره على غاية التعظيم والحرمة، لا على العادة والغفلة، فيصيرَ بذلك محجوبا عن المذكور عقوبة لترك التعظيم والحُرمة، لأن حفظ الحرمة في الذكر، خير من الذكر (أي من لوك ألسنة الغافلين). وما من عبد ذكره على التحقيق إلا نسيَ في جَنْبِ ذكرِه ما سواه، وكان الله له عِوَضا من كل شيء. وربما يريد العارف أن يذكره فتهيج في سِرِّه أمواجُ التعظيم والهيبة، فيكلُّ لسانه ويطير فؤاده من إجلال الوحدانية).

قال يحيى بن معاد: الذكر أكبر من الجنة لأن الذكر نصيب الله، والجنة نصيب العبد. وفي الذكر رضى الله، وفي الجنة رضى العبد).

الذكر دعاء والدعاء ذكر. ولذكر الله بالقصد الأكبر أكبر والله يعلم ما تصنعون. قال ابن عطاء الله رحمه الله: لا ترفعن إلى غيره حاجة هو مُوردُها عليك. فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعا) وقال: لا يكن تأخر أمَدِ العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك. فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك. وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد).

فاذكره رجاء، وادعه ثقة، واسأله إلحاحا، وفوض إليه، فنعم المولى هو ونعم النصير.