بين مظلمة الداخل والخارج

في خضم هيمنة غربية عالمية في كل مناحي الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم بشرقه وغربه، وفي ظل التخلف الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي، ومع استفحال التواطئ الخبيث بين حكام الغرب وحكامنا بُغية تقليص انتشار الدعوة الإسلامية والحد من امتدادها اجتماعيا وسياسيا بالموازاة مع ضمان استمرار الأنظمة السياسية في الحكم على شعوبٍ قهرها الظلم وأقعدها الفقر وأعوزتها الأمية، وهو ما فضحه الانخراط المحموم للدول العربية في تنفيذ الإملاءات الصهيوأمريكية المتحيزة، في خضم ذلك أسهم الإعلام بشكل واضحٍ وفاضحٍ في تشويه المعلومات وبت السموم وقلب الحقائق، وبالتالي تكريس سياسة اتهام المظلوم و”شرعنة” طغيان الظالم المستفرد بالسلطة والثروة.

المسلمون اليوم بين مَظلمتين، مظلمة قياداتٍ وسياسات غربية تُولي ظهرها للحق والعدل والخير، وتلغي برأيها ومصلحتها رأي الآخرين ومصلحتهم، من أجل غايتها تُبرر جميع الوسائل، ومظلمة قياداتٍ عربية داخلية فاشلة في تحقيق تنمية تفك رقاب الأمة، طائش وزنها في عالمٍ لا يُسمع فيه إلا للأقوياء. فهل إلى خروج من هذا المأزق من سبيل؟

باليقين والإرادة لا يُتصور دوام استئساد الإعلام الغربي على الرغم مما برع فيه من حبكٍ للقصص المتوهمة ومن قدرةٍ على التأثير، واحتيالٍ في سلب العقول وسرقة القلوب. والأمة الإسلامية تتأهب لمستقبل جديد ينفض عنها غبار السنين والقرون ويخلصها من قيود الظلم والقعود، وتستشرف عالميتها الثانية؛ عالمية الرحمة والعدل، وتتشوف لغد الخلافة على منهاج النبوة، وتوقن بذلك تصديقا لوعد الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم بالتمكين للمسلمين في الأرض، إن هم حققوا شرطهم الذاتي طبعا. ويطمئن قلبها انكشاف خفايا الحكومات الغربية أمام شعوبها واقتناع أغلب المسلمين اليوم بأنه لا سبيل إلى الانعتاق والتحرر وبناء كيان العزة والكرامة والخيرية في ظل أنظمة فردانية وراثية استبدادية، بعضها تهاوى وبعضها يتساقط وبعضها سيجرفه طوفان سنة الله في القوم الظالمين لا محالة. ولن تجد لسنة الله تبديلا.

بين الكسل والعمل

هل يكفي إظهار مظلمتنا والبكاء على بعضنا واستعطاف غيرنا ونحن في انتظار وخمول وعجز؟ أم يجب علينا أن نُعِد العدة الإعلامية؛ نتعلم ونتفوق ونصحح المنطلق: الرؤية والغاية. أو بعبارة أخرى: هل نرهن وجودنا بشكوى العاجزين عن الاقتحام؟ أم نرفع همتنا للتصدي للمهمات الجسام؟

غيرُنا يستعمل الإعلام بتفوقٍ جُنوني يُؤثث العقول بمعرفةٍ مصنوعة منظمة مقنعة ويوجهها أينما يشاء، ليبلغ تصوره للحياة والإنسان والكون، للماضي والحاضر والمستقبل. ليقول للعالم: الحضارة غرب، والحياة مادة، والمستقبل صراع، والإسلام إرهاب، والحروب تحرير…

ونحن نتلهى بتقليد الأمور التافهة واجترار عوزنا وراء أوهامٍ زَكَّتها أنظمة سياسية لا يُهمها سوى حفظ عروشها من التآكل وثرواتها من التقلص، مما كرس واقعا فتنويا ادلهمت علينا فيه الخطوب. واقعُ نتحمل فيه مسؤوليتنا عما أصابنا قبل لوم الآخرين، إذ ما دُمنا ناسا من الناس فما الذي أوصلنا إلى حضيض التبعية والدونية بين الأمم؟ أهذه هي خير أمة؟ أم إن خيريتها رهينة بعملها وإنجازها لا بحوقلتها وشكواها؟

بالصوت والكلمة والصورة، مع الإتقان تصل رسالتهم محملة بما تخمر في عقول ونفوس الغافلين عن الله، الصادين عن أمره ونهيه، المنتشين بتفوق عسكري يصم آذانه عن سماع حجة من احتج أو برهان من أقنع. فتتسلل الأفكار الفلسفية بمكر الدهاء الهوليودي إلى نفوس الناس فتزلزل قناعاتهم وتخلخل اعتقاداتهم وتشككهم في دينهم ومستقبلهم وتزين لهم الغواية والتفاهة، وتشحن فكرهم بمصطلحاتٍ ملغومة، فتصرفهم عن الهدى ودين الحق إلى الغفلة تحث مسميات العقلانية الصارمة والموضوعية العلمية والحداثة وما بعد الحداثة…

من الشكوى إلى الإنجاز

لا يجدي اللوم والتأفف والانتظار ولا حتى إغلاق الأبواب وتكسير الأجهزة في درء ما فتح الله على عباده من بلاء في عصرنا جُندت له المؤسسات العملاقة ورُصدت له الأموال الطائلة، ووُظفت فيه الفنون والتقنيات والمهارات ببراعة وإبداع فاق المتوقع. ويعلم الله ما هو آت. ما تنفع موعظة الواعظ التقليدي المغلوب على أمره من طرف سلطةٍ تلاحق كلماته وتتلصص على أنفاسه، أمام أجهزة عملاقة تُزين المعلومة وتُطَيِّرها في الآفاق في رفة عين.

علينا أن ننهض لواجبنا الإعلامي بما يوازي ما ينتظر أمتنا من مهمات كالجبال، علينا أن نُعد تصورا شاملا (فلسفة إعلامية) ونظرة استراتيجية، ونهيء خططا عملية واقعية تجمع يبن صدق النية وتعلم الصنعة واكتساب الخبرة والقدرة إلى إفهام الغير وتصحيح الأوهام، برفق الإسلام ورحمته. لا نجاري عفن المنسلخين من الحياء والخائضين في الإشاعات والدعايات، ولا نسقط في آفات التطبيل للحاكم والكذب على الناس واحتراف التهييج والتهريج. رسالتنا الإعلامية نظيفة نظافة الرسالة النبوية التي نحملها اجتهادا في تبليغها إلى العالمين. رسالة تجمع ولا تفرق، تواسي ولا تشمت، تدافع بشجاعة من غير تهور عن الحق الذي يُزهق الباطل، ولا تهادن ولا تداهن… قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 1 .

رسالة الإعلام

إعلامنا جُزء من كُلٍّ، وليس إعلاما من أجل الإعلام ولا مجرد إعلام كالإعلام. إنه رسالة جهادية تبليغية هائلة إن وُفق لها المسلمون وفكوها من أسرِ الأنظمة الجبرية -التي تجعل من الحاكم هو الرسالة والأمانة والغاية- ورعوها حق رعايتها، لتصل وتتواصل مع الناس أجمعين بما يفهمون ويطيقون. رسالة إقناع ودعوة وتدافع. تأخذ روحها من القرآن الكريم وأنموذجها من مثال النبوة الخالد، وخبرتها من مدرسة التخصص والممارسة.

تَميُّزنا في وصل الشهادة بالغيب، والدنيا بالآخرة، ودلالة الإنسان على الحق، والأمر بالمعروف بمعروفٍ، والنهي عن المنكر بالمعروف، وتسمية الأشياء بمسمياتها، دون السقوط في النظرة الجزئية الوعظية التي تنفر وتجلب الملل، والحذر من ذهنية الاستعلاء والتنفير والشماتة وخطاب الإقصاء وإطراء الذات والتقوقع عليها. لا بد من مساحة للترفيه والغناء والشعر وأدب الطفل وبث الذوق الرفيع والحس الجميل والكلمة الطيبة…

والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه على يوم الدين.


[1] سورة الحجرات، الآية: 11.\