لعل السياسي المُغرَّب أصبح يدرك أن الإسلام أضحى يحتل مساحة هامة في سلم الاهتمام السياسي العالمي، كما أنه يدرك أن تقدم الإسلاميين وتصدرهم المشهد السياسي العربي ليس إلا بداية نهاية مرحلة الاغتراب الفكري للأمة وتحريرها من شوائب الإيديولوجيات المستوردة.

ومما لا شك فيه أن الظاهرة الإسلامية بدأت تشق طريقها قدُما نحو النمو والاتساع على امتداد رقعة العالم الإسلامي بل تطرق أبواب القارة العجوز، لتعلن عن انبعاث إسلامي جديد قد تصاحبه حالة من الترقب والحذر لدى صناع القرار السياسي الفكري الغربي. لكن، وفي خضم هذه المعطيات الطارئة، لا يزال السياسيون المغرَّبون لم يستسيغوا ولم يقبلوا أن يكون غير النموذج الغربي مصدر إشعاع حضاري وفكري، وهو من كان يتحكم في مصير الشعوب والأمم المستضعفة ويقودها بثقة سياسية ممنوحة وأنانية مستعلية مفتوحة.

ومن نافلة القول أن إشكالية التوفيق بين المستجدات السياسية في الساحة العربية المتحررة ونظيرتها في المشهد السياسي المغربي أضحت عنوانا بارزا في تقييم مبدأ الانخراط السياسي الإسلامي المغربي. وبغض النظر عن تلك الأحكام الاستباقية الملغومة والرامية إلى النيل من المرجعية الإسلامية، فإن تقييم هذا الانخراط ونقده عملية ضرورية لتوضيح مساره ومآله، لأنه أولا وأخيرا اجتهاد بشري خارج عن دائرة العصمة والقداسة.

وبالرجوع إلى النسق السياسي والدستوري الذي تم فيه خيار المشاركة السياسية لدى الإسلاميين المغاربة، نجد أنه لا ينسجم مع شروط التغيير السياسي المؤسساتي. ولعل استقراءنا لما جاءت به التعديلات الدستورية على علتها وقلتها، قد يؤكد على أن دار لقمان لازالت على حالها، وأن مبدأ الديمقراطية المغربية في فصل السلط ليس إلا شعار أجوف وعنوان مزيّف، بحيث أن جميع السلط (التنفيذية + التشريعية + القضائية + الدينية) تتمركز في قبضة الفاعل السياسي الأول، وقد يبدو هذا الخلل الدستوري واضحا من خلال المسلسل الدرامي الذي واكب مخاض تشكيل “الحكومة الإسلامية”. ولهذا لا نستغرب إذا وجدنا حكومة الظل تخرج من ظلها لتخطط وتدبر في حضور شكلي لحكومة اختارها الشعب طوعا أو كرها.

ومن ثم فإن الرهان على حكومة الشعب قد يكون بهتانا في غياب إرادة سياسية تستجيب لمطالب الأمة المقهورة وتجتث الفساد والاستبداد من جذوره وتأخذه إلى حيث لا يعود.

إن الحفاظ على ثوابت العمل السياسي السليم وكيفية تنزيلها في واقع الناس، هو التحدي الأكبر الذي قد يواجه الفضلاء السياسيين في مشهد سياسي محدود، وتتجلى محدوديته في تسييجه وتفريغه من جوهر العمل السياسي المسئول. ولعل الدرس الاستقلالي والاتحادي خير مثال على نجاعة سياسة التدجين الذي انتهجها العقل السياسي الرسمي لتقويض خصومه السياسيين.

ختاما أقول بأنه من العبث أن نقارن بين صعود الاسلاميين إلى السلطة في تونس مشاركة الاسلاميين المغاربة في الحكومة. فشتان ما بين السلطة وهامش السلطة.