أولا: استهلال

بين يدي الحركة الإسلامية الصاعدة اليوم كتب الكثيرون ويكتبون عن الدعوة ومجالاتها ومقاصدها ووسائلها. وبين يدي إقبال الناس على الإسلام ينتظرون ما سيقدمه الدعاة أجوبة عن سؤالات الإنسانية المعذبة بفعل “حضارة” مقطوعة عن الله، محاربة للدين لجهلها المركب؛ جهل بالإنسان عنف عليه، وجهل بالله كفر به وبنعمه وبشريعته.

كيف يتقدم الدعاة إلى الإسلام والدعاة إلى الله إنقاذا لعيال الله؛ خلق الله، كل الخلق، مما يعانون منه اليوم؛ عنف شامل، وكراهية مطبقة، وصراع مقيت حتى بين الإخوة، وكل ذلك بما كسبت أيدي الناس لعلهم يرجعون؟

فمن يدلهم على الرجوع؟ وإلى أين الرجوع؟ وكيف الرجوع؟ وما مطالبه ووسائله؟ هذه الأسئلة المؤرقة وما يتفرع عنها ما يجيب عنه إلا فقه الدعوة إلى الله.

فما هو هذا الفقه؟ وما مصادره الكلية؟ وما موضوعاته الكبرى؟

ثانيا: معنى فقه الدعوة إلى الله جل جلاله

الفقه في اللغة يدور على معنى العلم والفهم والإدراك والمعرفة. والفقه هنا يجمع بين أمرين:

الأول: العلم بماهية الدعوة إلى الله تعالى، وبموضوعها، وبطرق كسب ذلك العلم.

والثاني: العلم بقواعد وأحكام تنزيل ذلك على واقع الناس في كل تفاصيله وحاجاته.

فنحن هنا، إذن، في حاجة إلى أمرين عظيمين: العلم بحقيقة الدعوة، والعلم بطريقة تنزيل تلك الحقيقة لتصبح واقعا معيشا ومهيمنا على الحياة ومنظما لها وصانعا لمضامينها.

فالعبارة مركبة من شطرين؛ الشطر الأول: فقه الدعوة، والشطر الثاني: إلى الله جل جلاله.

وهذا التقسيم مفيد لأنه محدد لماهية الدعوة إلى الله جل جلاله، ومبرز لنوع الفقه المطلوب تحصيله، لأنها دعوة ليست كباقي الدعوات، لأنها إلى الله جل وعلا.

فالدعوة هنا تعني الدلالة على الله، لكن هل يدل على الأمر من لا يعرفه ولايعلم به.

إن فقه الدلالة على الله يبدأ أولا وآخرا من حصول العلم بالله تعالى والمعرفة به سبحانه.

ولنا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم العبرة والأسوة الحسنة لمن أراد الآخرة وذكر الله كثيرا؛ كيف هيأه الله تعالى لتلقي القرآن الكريم؛ القول الثقيل. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل آية: 5] ياسابحين في الفكر الإسلامي وعوالم الكون والنفس ما الدعوة إلى الله جل جلاله هذر وكلام وفكر وصفحات من مداد إلا إذا نفخ في ذلك كله من روح المعرفة والعلم به تعالى جد ربنا.

ذاك التهيئ الإلهي إنما لنتعلم أن الدعوة إليه سبحانه استعداد وإعداد قلبي لتلقي معاني الوحي والغيب التي شاء الله تعالى أن يكون القلب وحده مجالها وموطنها لتتسرب إلى باقي الجوارح فتجعلها على الاستقامة المطلوبة للقيام بالواجب المطلوب في واقع الناس، وإلا فما يعرف حقيقة سيد المتقين وإمام المرسلين إلا هو سبحانه، وقد يطلع أحبته على قدر محبتهم له صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم على ما يشاء من قدره صلوات الله عليه وسلامه. اللهم ارزقنا محبته عليه الصلاة والسلام، والتفاني في خدمته؛ حبيبك المصطفى. يا سيدي يارسول الله اقبلنا خداما لأعتابك الشريفة أذلاء على المؤمنين أعزاء على الكافرين والظالمين ولا تجعلنا فتنة لهؤلاء. آمين.

وفي القرآن الكريم عبرة؛ فبعد أن سرد الله تعالى على نبينا الكريم؛ سيد العارفين بالله وإمام الدالين عليه سبحانه: قال له يا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف آية: 108). وفي آية أخرى: يا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: الآية 107]). وفي أخرى: يا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً [الأحزاب: 45-46].

هذا السراج المنير هو مصدر النور الدال على الله، هو القرآن الذي كان يمشي بين الناس، هو الرحمة للعالمين، هو الشاهد القائم بالقسط الذي أقام الدين على أرض الواقع بمقتضى أمر ربه: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل الآية: 90].

فقد قال العلماء الأفذاذ: إن جميع المصالح التي جاء بها الدين مجتمعة في إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإن جميع المفاسد التي نهى عنها الدين مجتمعة في الفحشاء والمنكر والبغي لذلك لما أمر بالعدل والإحسان نهى عن ضدهما. وكل ذلك وعظ منه سبحانه لعلنا نتذكر.

جنى كثير من العاملين في حقل الدعوة لما ظنوا ظنا فظيعا أن الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الفكر الإسلامي في هذا المجال أو ذاك. وجنى آخرون جناية لا تقل عن سابقتها لما ظنوا أن الدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى أحكام الشريعة وحدودها وكفى. فهم فظيع وما ترتب عليه في الواقع العملي أفظع؛ إذ في جميع هذه الصور إنما الدعوة إلى فهم معين لا إلى الله رب العالمين الواحد الأحد الفرد الصمد ذي الجلال والإكرام.

هاتان الجنايتان أربكتا الواقع الإسلامي أيما إرباك؛ فاضطربت الحركة الإسلامية لما عبأت الشباب والرجال والنساء على قاعدة الفكرة الإسلامية في السياسية أو الاقتصاد أو الثقافة أو الحراب. أو على قاعدة فهم معين للعقيدة الإسلامية أو على قاعدة ربط الناس بالحدود لا برب الحدود، وهذا ليس هو حقيقة الدعوة إلى الله جل جلاله. إذ ما مقتضيات الفكر الإسلامي في هذا المجال أو ذاك -الذي ينبغي أن يكون على مستوى كبير من حيث قدرته على تقديم أجوبة عن سؤالات مستقبل الإنسانية، وعلى مستوى كبير من حيث قدرته على فهم وقراءة تاريخها- إلا فرع من فروع المعرفة بالله تعالى والعلم به سبحانه والدلالة عليه إذا صدر عن تلك المعرفة وذاك العلم به سبحانه.

لذلك الدعوة إلى الله تعالى تطلب مطلبين مهمين:

الأول: العلم بالله عظم شأنه.

والثاني: العلم بالإنسان وعلاقته بنفسه وبأخيه الإنسان وبالطبيعة والكون، وعلاقة كل هذا بمراد الله من جعل بني آدم على أرضه وطلبه منه السعي إليه.

في الحلقة القادمة نقف على معنى العلمين، إن شاء الله تعالى، ثم بعد ذلك على مصدر وطريقة كسبهما، وعلى أهم القواعد الكلية لتنزيل ذلك في الواقع المعيش وبناء المستقبل المنشود.

والله من وراء القصد سبحانه.